لم يكن تأهل منتخب كوراساو إلى نهائيات كأس العالم 2026 مجرد مفاجأة رياضية عابرة، بل ثمرة مشروع متكامل ساهم في بنائه الدولي المغربي السابق خالد سينوح. فقد تحول من حارس مرمى إلى أحد أبرز مهندسي الإنجاز التاريخي لأصغر دولة تبلغ المونديال.
وأصبحت كوراساو حديث وسائل الإعلام العالمية بعد نجاحها في التأهل إلى كأس العالم. بذلك دخلت التاريخ كأصغر دولة من حيث عدد السكان تشارك في النهائيات العالمية، متجاوزة أرقاما ظلت صامدة لعقود.
من ملاعب هولندا إلى مشروع مونديالي
بدأ خالد سينوح مسيرته الكروية في هولندا، خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث خاض أولى مبارياته الاحترافية سنة 1994 مع نادي هارليم.
وخلال مسيرته، حمل ألوان عدة أندية هولندية بارزة، من بينها هيرنفين وأوتريخت وبي إس في آيندهوفن وسبارتا روتردام. بعد ذلك راكم خبرة واسعة داخل الوسط الكروي الأوروبي.
كما حمل قميص المنتخب المغربي بين سنتي 2004 و2006، واكتسب شبكة علاقات واسعة مع اللاعبين والأندية ومراكز التكوين. هذه الخبرة ستلعب لاحقا دورا حاسما في مشروع كوراساو.
مهمة صعبة في ظروف معقدة
في يناير 2024، قرر الاتحاد الكوراساوي لكرة القدم تعيين خالد سينوح مديرا تقنيا للمنتخب الوطني.
وكان المنتخب يعيش آنذاك وضعا معقدا على المستويين الإداري والمالي، في ظل تراكم الديون وتأخر المستحقات المالية للاعبين.
وكشف سينوح، في أكثر من مناسبة، أن المهمة كانت أشبه بالتحدي المستحيل. إذ وجد منتخبا يفتقد للاستقرار ويعاني من مشاكل تنظيمية أثرت على تطوره خلال السنوات السابقة.
لكن المسؤول المغربي اختار مواجهة الوضع بخطة شاملة تجاوزت الجوانب التقنية.
استقطاب المواهب وبناء المشروع
اعتمد سينوح على شبكة علاقاته الواسعة داخل هولندا لإقناع عدد من اللاعبين مزدوجي الجنسية بالانضمام إلى منتخب كوراساو.
ونجح في استقطاب أسماء بارزة تنشط في الدوريات الأوروبية، ما منح المنتخب جودة فنية إضافية.
كما ساهم في إيجاد حلول للمشاكل اللوجستية والمالية، من خلال البحث عن شركاء وداعمين للمشروع الرياضي.
وأعاد هذا العمل الثقة إلى اللاعبين وإلى الاتحاد المحلي، مما وفر بيئة أكثر استقرارا للعمل.
أدفوكات.. الحلقة الحاسمة
أدرك خالد سينوح أن نجاح المشروع يحتاج إلى مدرب يملك خبرة كبيرة وسمعة دولية.
وبعد سلسلة من المشاورات، وقع الاختيار على المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات.
وشكل هذا القرار نقطة تحول مهمة في مسار المنتخب. إذ ساهم أدفوكات في ترسيخ الانضباط التكتيكي ورفع مستوى التنافسية داخل المجموعة.
كما ساعد حضوره على إقناع مزيد من اللاعبين بالمشاركة في المشروع، وهو ما انعكس إيجابا على نتائج المنتخب خلال التصفيات.
رحيل مبكر وبصمة حاضرة
رغم النجاح الذي حققه في فترة قصيرة، غادر خالد سينوح منصبه خلال يونيو 2024 بعد اختلاف في الرؤى مع الاتحاد الكوراساوي لكرة القدم.
لكن مغادرته لم تمنع استمرار المشروع الذي ساهم في بنائه.
فالكثير من الأسس التنظيمية والرياضية التي وضعها ظلت قائمة خلال رحلة التأهل إلى كأس العالم.
ولهذا السبب، يحرص العديد من المتابعين على ربط اسمه بهذا الإنجاز التاريخي الذي حققته الجزيرة الكاريبية.
كوراساو تخطف الأنظار في المونديال
ومنذ انطلاق مونديال 2026، نجحت كوراساو في كسب احترام المتابعين رغم قوة المنافسة داخل مجموعتها.
ورغم الخسارة الثقيلة أمام ألمانيا بنتيجة سبعة أهداف مقابل هدف واحد، سجل المنتخب أول هدف في تاريخه بالمونديال عبر المدافع ليفانو كومينينسيا.
كما حقق لاحقا أول نقطة في تاريخ مشاركاته بعد تعادله أمام الإكوادور دون أهداف.
وأثبت المنتخب أنه لم يصل إلى النهائيات بمحض الصدفة، بل نتيجة عمل طويل ومشروع رياضي واضح المعالم.
بصمة مغربية في إنجاز عالمي
يحمل نجاح كوراساو دلالة خاصة بالنسبة لكرة القدم المغربية.
فخلف هذا الإنجاز يقف اسم مغربي ساهم في التخطيط والبناء وإطلاق المشروع منذ بدايته.
ورغم أن الأضواء تركز اليوم على اللاعبين والمدرب ديك أدفوكات، فإن بصمة خالد سينوح تظل حاضرة بقوة في واحدة من أجمل قصص مونديال 2026.
وبين أول هدف وأول نقطة وأول مشاركة تاريخية، نجحت كوراساو في كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم العالمية، بينما يظل اسم خالد سينوح جزءا أساسيا من هذه الحكاية الاستثنائية.