تسمّرت أنظار الجماهير في مدرجات ملعب مونتيري بالمكسيك. كما خلف شاشات التلفزيون داخل المغرب وخارجه. وذلك انتظارا للحظة الحسم في مباراة المنتخب الوطني أمام هولندا ضمن دور الـ32 من كأس العالم 2026.
وفي اللحظة التي حملت كل الضغوط الممكنة، تقدّم إسماعيل صيباري لتنفيذ ركلة الترجيح الأخيرة. لم يتردد، لم يلتفت، ولم يترك للمشهد فرصة أن يهز ثقته.
سدد الكرة بهدوء إلى يمين الحارس الهولندي الذي ارتمى في الجهة المعاكسة. ليمنح المغرب بطاقة العبور إلى الدور المقبل ويطلق واحدة من أكثر لحظات المونديال إثارة حتى الآن.
لكن قصة صيباري لم تبدأ من ركلة ترجيح… بل من معركة أبعد بكثير.
من هدف في البرازيل إلى لحظة الحسم أمام هولندا
قبل ليلة التأهل أمام هولندا، كان صيباري قد فرض نفسه واحدا من أبرز نجوم المنتخب المغربي خلال دور المجموعات. وذلك بعدما سجل ثلاثة أهداف كاملة، بينها هدف تاريخي في شباك البرازيل.
في ذلك اللقاء، انطلق اللاعب المغربي بسرعة خاطفة خلف دفاع أحد أكبر منتخبات العالم، ليلحق بتمريرة إبراهيم دياز ويضع الكرة بلمسة ذكية فوق الحارس أليسون بيكر.
وكان المشهد وقتها معبرا. إذ وقف صيباري واضعا يديه على رأسه بابتسامة ممزوجة بالدهشة، وكأنه لا يصدق أنه أصبح يسجل في كأس العالم. لكن الوصول إلى تلك اللحظة لم يكن طريقا عاديا.
نبوءة الأطباء التي كادت تنهي الحلم قبل أن يبدأ
وُلد إسماعيل صيباري يوم 28 يناير 2001 في تيراسا قرب برشلونة لأبوين مغربيين. لكنه عاش منذ سنواته الأولى تحديا صحيا كبيرا.
كشف اللاعب في تصريحات سابقة أن قدميه كانتا مقوستين نحو الداخل، وهو ما تسبب له في صعوبات بالحركة خلال الطفولة، إلى درجة أن الأطباء أخبروا عائلته بأنه قد لا يتمكن من المشي بشكل طبيعي مستقبلا.
وتحدث صيباري عن تلك المرحلة قائلا إن والدته لم تطلب أن يصبح لاعبا مشهورا. بل كانت تدعو فقط أن يعيش حياة طبيعية ويتمكن من الوقوف على قدميه مثل بقية الأطفال.
خضع اللاعب لاستعمال جهاز طبي لتقويم القدمين لفترة طويلة. وذلك قبل أن تتحسن حالته تدريجيا، لتبدأ بعدها أولى خطواته نحو كرة القدم.
الهجرة من إسبانيا وبداية الحلم من جديد
لاحقا انتقلت عائلته إلى بلجيكا بحثا عن ظروف حياة أفضل، وهناك بدأ مشروعه الكروي يأخذ شكلا أكثر جدية.
التحق بأكاديمية أندرلخت، أحد أكبر الأندية البلجيكية، وكان يعيش فترة جيدة، قبل أن يتلقى صدمة قاسية في سن الرابعة عشرة.
قبل يوم واحد فقط من انطلاق الموسم، تم الاستغناء عنه. السبب الذي قُدم له وقتها كان وزنه الزائد.
اعترف صيباري لاحقا أن تلك اللحظة كانت مؤلمة جدا بالنسبة له. خصوصا أن حلمه بدا وكأنه ينهار وهو لا يزال مراهقا، لكن دعم العائلة منعه من الاستسلام.
قال له والداه إن أمامه خيارين: التوقف أو العودة للعمل من جديد. حيث اختار الطريق الأصعب.
من جينك إلى أيندهوفن.. والرد داخل الملعب
انتقل إسماعيل صيباري مباشرة إلى جينك البلجيكي، وهناك جاءت أول لحظة انتقام رياضي.
واجه فريقه السابق أندرلخت وسجل هدفا وساهم في الفوز وتحقيق اللقب، في رسالة مبكرة بأن النهاية لم تكن كما أرادها الآخرون.
وبعد سنوات التطور، انتقل إلى أيندهوفن الهولندي سنة 2020، وهناك انفجرت موهبته بشكل كامل.
خلال مسيرته مع النادي الهولندي خاض 142 مباراة في مختلف المسابقات، سجل 42 هدفا وصنع 29، وحقق ثمانية ألقاب محلية، ليصبح أحد أبرز الأسماء الصاعدة في الكرة الأوروبية.
كأس العالم يعلن ولادة نجم مغربي جديد
مع المنتخب الوطني، تحولت نسخة 2026 إلى بطولة الإعلان الكبير عن إسماعيل صيباري.
من هدف أمام البرازيل، إلى تألق أمام أسكتلندا وهايتي، وصولا إلى ركلة التأهل أمام هولندا، دخل اللاعب تاريخ كأس العالم كأول لاعب أفريقي يسجل في ثلاث مباريات متتالية خلال نسخة واحدة.
كما إسماعيل صيباري رفع رصيده الدولي إلى 12 هدفا خلال 34 مباراة بقميص “أسود الأطلس”. ولا يبدو أن القصة ستتوقف هنا.
فبعد قيادة المغرب إلى ثمن النهائي، ينتظر صيباري مواجهة جديدة أمام كندا، بينما تتجه الأنظار أيضا إلى مستقبله الأوروبي في ظل التقارير التي تتحدث عن اقترابه من الانتقال إلى بايرن ميونخ.
من طفل قيل له إنه لن يمشي.. إلى لاعب يحمل المغرب نحو الحلم
قبل سنوات، كانت أمنية والدته أن يسير بشكل طبيعي.
اليوم، صار إسماعيل صيباري يركض في أكبر ملاعب العالم، يسجل في كأس العالم، ويحسم مباريات تاريخية للمغرب.
وفي مونديال 2026، لم يكن مجرد منفذ لركلة ترجيح… بل أصبح أحد الوجوه التي تختصر كيف يمكن للإيمان والعمل أن يغيّرا كل التوقعات.