لماذا لم ينته الارهاب في مصر..؟

نشأ علاء عبد الفتاح في أسرة لها تاريخ في النضال الوطني وحصل على تعليم جيد جعل منه مبرمجا ماهرا للكمبيوتر، وكان مثل ملايين الشبان في مصر يحلم بالتغيير الديمقراطي فأنشأ عام 2005 مدونة باسمه وزوجته منال دعا فيها إلى انهاء ديكتاتورية مبارك.

كان علاء يعمل كمبرمج كمبيوتر في جنوب افريقيا عندما اندلعت الثورة في عام 2011 فترك كل شيء وعاد فورا إلى مصر وشارك في كل أحداث الثورة وقد فقد ثقته، مثل كثيرين،  في حكم الاخوان المسلمين بعد الاعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس مرسي في نوفمير 2012  ووضع فيه قراراته الرئاسية فوق القانون. اشترك علاء مع ملايين المصريين في مظاهرات 30 يونيه المطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة للتخلص من مرسي لكنه أدان بشدة المذبحة التي ارتكبها نظام السيسي ضد الاسلاميين في اعتصام رابعة.

في يوم 26 نوفمير 2013 قام بعض الشبان بوقفة احتجاجية سلمية أمام مجلس الشورى مطالبين بعدم محاكمة المدنيين أمام محاكمة العسكرية. اشترك علاء في الوقفة فتم القبض عليه وحكم عليه بخمس سنوات في السجن وخمس سنوات مراقبة. يعتبر علاء معتقلا سياسيا لأن محاكمته تمت وفقا لقانون التظاهر الذي أنشأه السيسي، وهو قانون باطل وغير دستوري ومخالف لاتفاقيات دولية عديدة وقعت عليها مصر. قضى علاء خمس سنوات في السجن وأفرج عنه مؤخرا لتبدأ رحلة معاناته مع المراقبة اليومية حيث يقضي كل ليلة في قسم الشرطة محتجزا في حجرة ضيقة يغلقها عليها الضباط منذ السادسة مساء وحتى السادسة صباحا. هكذا ضاعت عشر سنوات من حياة شاب مصري لمجرد انه اشترك لمدة دقائق في وقفة سلمية.

حالة علاء مجرد نموذج للمعتقلين السياسيين الذين تؤكد منظمة هيومان رايتس ووتش ان عددهم يزيد عن 60 ألف معتقل. أي شخص يوجه نقدا للسيسي يكون معرضا للاعتقال، سواء كان هذا النقد في مقال أو عمل فني أو في اجتماع أو على السوشيال ميديا أو حتى بكلمة مكتوبة على تيشيرت فقد تم القبض على شاب عمره 18 عاما اسمه محمود محمد وقضى في السجن عامين كاملين لانه كان يرتدى تيشيرت مكتوب عليه “وطن بلا تعذيب”.
كتبت منظمة العفو الدولية في تقريرها 1017 – 2018: “استمرت أزمة حقوق الإنسان في مصر بلا هوادة فقد تعرض مئات الأشخاص للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاختفاء القسري على أيدي السلطات، وأُعدِمَ العشرات خارج نطاق القضاء بمنأى عن أي عقاب. وتصاعدت الحملة على المجتمع المدني مع تعرض العاملين في بعض المنظمات غير الحكومية لمزيد من الاستجواب، والمنع من السفر، والتحفظ على الأموال. وكان من الأمور المعتادة تَعَرُّض منتقدي الحكومة، والمتظاهرين السلميين، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان للقبض والاحتجاز التعسفيين اللذين تعقبهما محاكمات جائرة. واستمرت المحاكمات الجماعية الجائرة أمام محاكم مدنية وعسكرية، مع الحكم على العشرات بالإعدام”.

كل فترة تذيع وزارة الداخلية بيانات رسمية عن اشتباكات مسلحة بين قوات الأمن وارهابيين مسلحين ينتج عنها قتل الارهابيين الذين تنشر صور جثثهم مع البيان. في يوم 5 ابريل أصدرت وكالة رويتر تقريرا شككت فيه في رواية وزارة الداخلية. استعانت رويتر بخبراء أكدوا ان القتلى لم يموتوا أثناء اشتباكات وانما تم اعدامهم خارج القانون. نشر التقرير شهادة أهل محمد ابو عامر الذى قبضت عليه الشرطة في فبراير 2018 وفي يوليو من نفس العام فوجيء أهل ابوعامر بصورته وهو مقتول مع بيان لوزارة الداخلية يؤكد انه مات اثناء اشتباكات مسلحة برغم انه كان معتقلا، أما خالد امام فقد تم القبض عليه في يونيو 2017 من الشارع الذي يسكن فيه وبعد ذلك بشهور فوجئت أسرته بصورة جثته في بيان للداخلية باعتباره أطلق النار على الشرطة مع انه كان معتقلا.

هناك مئات الحالات من الاختفاء القسري. المعارضون يختفون ثم يظهرون بعد أيام أو أسابيع أمام نيابة أمن الدولة وقد اعترفوا بكل الاتهامات تحت التعذيب وأحيانا يختفون ولايظهرون أبدا مثل نائب البرلمان السابق مصطفى النجار فقد تلقت زوجته في يوم 10 أكتوبر الماضي مكالمة من مجهول أخبرها ان زوجها مقبوض عليه ثم اختفى بعد ذلك ولم يظهر حتى الآن.

ماتت حرية التعبير تماما في عهد السيسي. لقد سيطر النظام بالكامل على وسائل الاعلام والصحف وقنوات التليفزيون وشركات الانتاج السينمائي والتليفزيوني وتحولت جميعا إلى منابر للاشادة بعبقرية السيسي.

السيسي يستعمل شعار الحرب ضد الارهاب من أجل قمع معارضيه وهو يستعد الآن لتعديل الدستور حتى يستمر رئيسا لمصر مدى الحياة.. قريبا سيجرى نظام السيسي استفتاء على التعديلات الدستورية. لا يذهب معظم المصريين للادلاء باصواتهم في هذه الاستفتاءات لأنهم يعلمون من خبرتهم ان نتيجتها المزورة محددة سلفا: مابين 96  و99 في المائة في صالح الرئيس.

السيسي هو الرئيس الأكثر قمعا في تاريخ مصر وقد استطاعت ماكينة القمع أن تقضي مؤقتا على أصوات المعارضين لكنها لم تقض على الارهاب لأن التاريخ يعلمنا ان القمع لايقضي على الارهاب وانما يغذيه ويزيد من ضراوته. ماذا نتوقع من أي انسان بعد تعذيبه واذلاله واهدار آدميته؟ اذا أجرينا محاكمة عادلة للارهابي سيظل في النهاية شخصا واحدا، اما اذا قمعنا زملاءه وأفراد أسرته وأهدرنا آدميتهم فسوف يتحولون جميعا إلى أعداء للدولة التي أذلتهم يتحينون الفرصة للانتقام منها.

ان الارهاب لن ينتهي الا بالعدل والعدل لن يتحقق الا بتنفيذ القانون ولايمكن تنفيذ القانون الا في دولة ديمقراطية..

الديمقراطية هي الحل.

“الكوجيتو” أغسطيني و ليس ديكارتي

لا تظنوا أنني هنا أتوهم بأن ما يسمى ب”الكوجيتو الديكارتي” هو سرقة أدبية من طرف ديكارت للقديس أوغسطين، لا ليس كذلك، قد تعترضون على كلامي هنا و تقولون ب”أن كوني مسيحياً أقول هذا الأمر”، إعتراضكم مقبول، لكنه غير صحيح، لأنني هنا لا أكتب بتحيز إنطلاقا من عقيدتي المسيحية عن هذا الأمر، بل من قال بهذا الإستنتاج هو أستاذ لتاريخ الأفكار بجامعة نيويورك إسمه ريتشار دي سورجي، و هو باحث إنجليزي من أصول أسيوية، فأوغسطين المغاربي هو صاحب الكوجيتو و ليس ديكارت كما قلنا في حوارنا الصحفي مع جريدة الأول الألكترونية (15 يناير 2015)، و الذي كان في أربعة حلقات متتالية، و قد سبق للأستاذ الجامعي الدكتور عبد الله الحلوي أن أشار لهذا الأمر من قبل كذلك.

ففي التأمل الثاني لديكارت يوجد “الكوجيتو”، و هو يعني بأن الشك في وجودي هو شك في ذاتي الشخصية، و هو مستحيل عمليا، و علة استحالة الشك في وجودي هي أن شكي عبارة عن فكر، و كلما شككت كلما مارست عملية التفكير، وفي كل عملية شك إثبات لوجودي الفيزيائي، ففي “الكوجيتو” تظهر لنا قيمتان : قيمة نظرية و قيمة عملية.

فالقيمة النظرية هي أنها تجعل من “التشكيك المطلق”، فعل مستحيل منطقياً، فكلما شككت في شيء ما، كلما أثبت خصائصه الذاتية، و هي كوني أفكر، حتى عندما أنفي عن نفسي التفكير، و هذا ما يوقعنا في تناقض واضح في مسألة الوجود، فالوجود لا إتباث له إلا من خلال التفكير، أما القيمة العملية لفكرة “الكوجيطو” أنها تجعل منطق الفكر و أساسه هو الذات، فإتباث وجود الذات هو وجود للعالم، و وجود العالم لا يمكنك إتباثه إلا بوجود الذات، فوجود العالم ينتهي بإثبات موجد الوجود أي “الله” حسب الفهم الأوغسطيني الذي أخذه اللاهوتي طوما الإكويني فيما بعد، ففي إثبات الذات إعلاء لقيمة الإنسان بصفته فردا فريدا، أي ذاك الحل لإشكالية الوجود.

فكتاب “ريتشارد ديسورجي” عنوانه هو “الأفكار القديمة و الأفكار الحديثة بين ذاتية الحياة و الموت” 1، و هو صادر عن دار النشر –  شيكاكو – سنة (2006)، يتناول فيه الكاتب موضوع “الكوجيتو الأوغسطيني” في الفصل الثاني عشر من كتابه إنطلاقا من الصفحات 219 في سياق حديثه عن حل أوغسطين لإشكالية معرفية أفلاطونية.

لقد ذكر “ريتشارد ديسورجي” معطيات نصية مهمة متعلقة ب”الكوجيتو الأوغسطيني”، ذلك أن حجة “الكوجيتو” مثلاً، لم تذكر في نص واحد عند أوغسطين، بل ذكرت في كتابات عديدة ككتاب “الحياة السعيدة” و “ضد الأكاديميين” و “حرية الإختيار و الإرادة” و أخيراً بكتاب “مدينة الله” الدائع الصيت، فرغم أن أوغسطين إستعمل صيغة الغائب في كل هاته الكتابات بخلاف ديكارت الذي استعمل صيغة المتكلم، فإن أوغسطين استعمل صيغة المتكلم في نصوص أخرى، و هذه الصيغة للمتكلم هي : “أنا إنخدعت بالشك إذن أنا موجود”، فأوغسطين إستعمل فكرة الكوجيتو في سياقات عديدة و مختلفة، بخلاف ديكارت الذي استعملها فقط لتجاوز الشك المطلق، و النص الذي إستعمل فيه أوغسطين “الكوجيتو” لإقحام حجة التشكيك المطلق هو نص “ضد الأكاديميين”، مما يعني أن استعمال أوغسطين لهذا المفهوم كان أعمق و أشمل و أوسع من ما استعماله ديكارت.

فأوغسطين هو واضع الكوجيتو و ليس ديكارت كما هو متداول حسب تحليل و دراسة الأفكار عند “ريتشارد ديسورجي”، لقد كان التراث المسيحي مرجعاً في غالبه لأوغسطين إلى حدود القرن الخامس عشر، و كذلك تراث مسيحي متميز يرجع للاهوتي طوما الإكويني الذي يعتبر نفسه تلميذ غير مباشر للقديس أوغسطين المغاربي، و قد يساعدنا ذلك في تفسير وجود ديكارتين قبل ديكارت مسيحيين من أمثال  جبرائيل مارسيل الذي إستعمل مصطلح “الوجودية” لأول مرة، فهذه الكلمة لم تكن موجودة أو شائعة في الدوائر المسيحية، و لا سيما بعد التعليقات المعادية التي تضمنها المنشور البابوي “حول الجنس البشري” للبابا بيوس الثاني عشر سنة 1950 م، و مع ذلك فقد عاد الكتاب المسيحيون يتحدثون عن “الشخصانية”  لكون وجود “الكوجيتو” في ذهنهم، و هو تعبير فلسفي لا يبتعد عن الوجودية.

فالشخصانية تيار فلسفي ظهر في فرنسا و أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرون، و يذهب هذا التيار إلى أن “الفرد” هو الواقعة الأساسية و العنصر الروحي الأول في الوجود.

إننا نصل مع القديس “أوغسطين” (354 – 430)، إلى أعظم و أقوى عرض وجودي عن فهمنا لذواتنا، فهذا العرض الوجودي كان له مغزى و لازال حتى اليوم عند الوجوديين المسيحيين و غيرهم، فهم يعترفون بأواصر القربى الفكرية مع مفكر شمال إفريقيا.

لقد وجد القديس أوغسطين في الإنسان نفسه سراً غامضاً لا ينضب، و من تم فإن الحقيقة و الفهم الوجوديان لذات الإنسان لا يوجدان في القضايا بقدر ما يوجدان في اكتشاف المرء لأعماق وجوده، من خلال التجربة المباشرة للحياة و الكينونة، فما عسى أن يكون الفهم إن لم يكن يحيا بنور العقل كما يقول نيتشه، غير أن ذلك ليس دعوة للبقاء في العزلة الذاتية للذات البشرية، فما يظهر واضحا من فهم القديس أوغسطين للذات هو على وجه الدقة ما يصر عليه الفيلسوف ديكارت.

ففي أخر كتاب “الإعترافاات ” لأوغسطين هناك عرض لنظريته الفلسفية عن الذات البشرية في إطار زمني، بحيث ترتبط بالماضي و الحاضر و المستقبل، و هذه النظرية تستبق، مرة أخرى، الأراء المحدثة عن الذات البشرية.

الكوجيتو، هو “يوجد”، و كان يعني أصلاً “يبرز” أو ينبتق، و من المرجح إذن أن الفعل كان يعطي ايحاء أكثر إيجابية مما عند “ديكارت”، فمعنى أن يوجد الشيء هو أن “يبرز” أو ينبتق من خلفية معينة بوصفه شيئاً موجوداً حقيقياً، و لو وضعنا هذه الفكرة في صيغة فلسفية أكثر لقلنا إن معنى أن “يوجد” الشيء هو أن “ينبتق” من العدم، غير أن فكرة الوجود عند أوغسطين هي “يبرز” في مكان ما، و هذا هو الكوجيتو الأوغسطيني الذي سرقه ديكارت.

ـ باحث في العلوم الإنسانية

 

 

استحيوا قليلا… إن أرواح الرضع تصعد إلى السماء

أواسط شهر دجنبر من السنة الماضية، طالعتنا أخبار عن وقوع وفيات لثلاثة أطفال رضع، بمستشفى الليمون التابع للمركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، جراء ما قيل  أنه تلقيح استعمـل لأول مرة.

استنكر الفاجعة المستنكرون، و أجرت مصالح الوزارة “تحقيقها”، و أسفر البحث عن تبرئة “التلقيح” المسكين، وجنبنا الله “مشكل” البحث ومعاقبة من أفتى باستعماله أو أمر بشراءه. و لأن الرغبة في أن تظهر حيثيات تفاصيل الفساد، لا زالت بعيدة لدى من يعنيهم الأمر، تم الإكتفاء بتفعيل بليد للمثـل المغربي “طاحت الصومعة، علقو الحجام”. و بقية القصة معروفة.

و قبل ثلاثة أيام، و بالضبط يوم السبت سادس أبـريـل، شهـد مستشفى الولادة السويسي بالعاصمة الرباط، وفاة خمسة رُضع. مصادر إعلامية متفرقة، أفادت أن ذلك تم بسبب انقطاع التيار عن “مصلحة الإنعاش والخدج”، بسبب خلل في “المولد الكهربائي”. إدارة المستشفى نفت أمر الخلل الكهربائي و ربطت الوفيات بمشاكل صحية خلقية. والحقيقة ستظل في علم الغيب.

أكيد أن هذه المرة، أيضا، ستشكل لجنة “محايدة”، و سيفتح تحقيق “نزيه”. و بما أن تفعيل المثل المغربي إياه، وإن كان فيه استغباء للرأي العـام، قد حقق المراد ومرت الفاجعة السابقة بسلام، فبالتأكيد أن نفس السيناريو قد يتكرر و “غادي يتعلق الحجام” مرة جديدة، بصورة مؤقتة إلى أن تهدأ العاصفة، وينسى الناس الموضوع. و في كل مرة سيكون “الحجام” موظفا أو موظفة، من الإداريين أو التقنيين، من الصف الخامس أو السادس في مقام المسؤولية، و في غالب الظن لا حول لهم و لا قوة حتى يكونوا بالفعل هم مصدر الفساد التدبيري الذي يؤدي إلى هذا النوع من المصائب. المهم، بما أن الحكومة بنت “استراتيجيتها الأخلاقية” على مبدأ “عدم الإفلات من العقاب”، قبل الانتخابات، و على قاعدة “عفى الله عما سلف” بعد تشكيل الحكومة، فبالتالي “اللي جا في الطريق، غادي يدوز فيه البلان”، بمراعاة حكيمة “للتوازنات السياسية” و لمنطق التحالفات الحزبية و تبادل المصالح بين المعنيين.

أقول هذا الكلام بنبرة فيها كثير مما نسميه بتامغربيت “الطنز العكري”، ولكنها نبرة مليئة بالألم والحزن و الاستنكار، و الخوف من أثر كل هـذا الاستخفاف الذي تجاوز المس بالأمور المادية، وأصبح الآن يعصف بحياة ضعاف الخلق بيننا. و من أضعف من رضيع نـزل لتوه على هذه الأرض؟

صراحة، أحاول في كل كتاباتي أن أشيع روح التفاؤل و أسعى لكي نعيش بأمل، و ذلك لما في وجداني من رغبة صادقة في تشجيع الناس على الإقدام على الحياة بكل ثقة في المستقبل، و اليقين بأن الخير لا محالة غالب على الشر. كما أنني وأنا أتابع السياسات العمومية، و أنتقد بعض أوجه التدبير السيء فيها، كما أنوه بالجيد منها إن حصل، ألزمت نفسي بحُسن الظن في أن الفاعل الحكومي، المسؤول عن تدبير الشأن العام ببلادنا، لا بد و أن تتحرك يوما ما ضمائر بعض أعضاءه، ليوقفوا مهزلة التدبير الفاسد الذي تعاني منه عدة قطاعات عمومية حيوية، خصوصا وأن أسعد كل مرة بدقة و رصانة الانتقادات و التوجيهات التي ما فتئت تضع الأصبع على المرض المستشري، و تبين ملامح العلاج اللازم، عند كل خطاب ملكي سامي، يوجهه عاهل البلاد.

إلا أن واقع تدبير الشان العام يأبى، للأسف الشديد، إلا أن يعاكس إرادة التفاؤل، و لازلنا نسمع أخبارا لا تسر، و لا يمكن أن نأمل من خلالها الخير، و لا أن نطمئن بها على حاضر و مستقبل أبناء وطننا. وليس أخطر من استمرار البعض، من حيث يدرون أو لا يدرون، في قتل الأمل في النفوس. و على المعنيين، و علينا جميعا كمواطنين، أفرادا و هيئات، لأننا كلنا مسؤولون بنسب معينة، أن نعتبر من دروس التاريخ، و أن نعـي أن الأمل لا يحيا بدون هواء نقي، و لا ينمو إلا في جو نقي، و برؤية واقع فيه على الأقل بعض النماذج النقية والصالحة من المسؤولين و من أنماط التدبير في الواقع المعاش.

الأمل يحيا ببعض تدبير نقي و شفاف، و بربط المسؤولية بالمحاسبة، و الصدق في القول و الفعل. و بالتالي، على الفاعل الحكومي، المسؤول مباشرة عن تدبير المرافق العمومية و عن تنظيم العمل بها، أن يعي أن التاريخ ماكر، و أن مكره شديد و مباغث.

قبل التقدم في الحديث بشأن دلالات الفاجعة، بداية كلامي تقديم خالص العزاء والمواساة إلى أمهات وأباء، و أفراد أسر الرضع الضحايا. و لا نحسب الرضع إلا طيورا في الجنة يشفعون لآباءهم. و إنا لله وإنا إليه راجعون.

لا أحد يمكنه أن يحس أو يدرك حجم الألم و الحرقة التي تعتمل في وجدان الأمهات اللواتي رزئن في فلذات أكبادهن، مباشرة بعد انتهاء فترة حمل ثقيل و مضني، تمنت كل منهن انتهاء مدته لتفرح هي و زوجها بما رزقهما الله. لكن، لأن أبناءهـن ولـدوا في مستشفى عمومي، تسيره مصالح وزارة الصحة في حكومتنا الموقرة، التي تشكلت على أساس الديمقراطية و احترام نتائج الانتخابات و ما تمخض من أغلبية حزبية هجينة، كان قدر الرضع أن يغادروا دنيانا لأننا لم نتأكد بأن “اللقاح جيد”، و عجزنا عن توفير “مولد كهربائي” بمواصفاة جـودة تمنع تعطله.

بكل صدق، و أنا أحاول تخيل حالة الأسر المكلومة، لا أريـد أن أكـون مكان المسؤولين عن ذلك القطاع. لا مكان السيـد وزيـر الصحـة، و لا مكان كاتبه العام، و لا مكان المفتش العام للوزارة، و لا مكان مديـر التجهيزات والموارد العامة بالوزارة، و لا مكان مدير مستشفى السويسي، و لا مكان مدير مستشفى الولادة….. لا أريد أن أكون مكان أي من أولائك المسؤولين الذين يعيشون، غداة كل فاجعة، عودة إلى بيوتهم وهم يتسائلون عن نسبة المسؤولية التي تقع عليهم فيما يحصل من مصائب، في قطاع يساهم كل واحد منهم بنسبة معينة في تسييره. و الأصعب هو عندما يحين وقت النوم و يضع كل منهم رأسه على وسادته، ويظهر ذلك الصوت الخافث الذي ينبعث من الضمائر ويطرح أسئلة كثيرة، أهـم وأثقـل، من المؤكد أنها ستطـرح غـدا، عندما ينتهي زهو المسؤوليات وينتهي المقام على هذه الأرض. هذه أرواح يا سادة، وليست تجهيزات تضيع أو بنايات تتلاشى، أو صفقة تمر دون ضوابط.

ماذا نقول بشأن هذا المصاب و لمن نتوجه بالسؤال حول الذي جرى، كيف جرى، و لماذا وقع ما كان يمكن تفاديه بقليل من التركيز والإحساس بالمسؤولية؟ وإذا كان الذي جرى وقع في العاصمة، فكيف هو الحال في المغرب العميق؟

أسئلة اللحظة الآنية كثيرة، تتفاعل بداخلي و أريد طرحها هنا، متمنيا أن تلقى إجابات صادقة، و أن تحدد فيها المسؤوليات بدقة، و أن يأخذ كل جزاءه. أكيد أن تلك الأرواح تزهق بغير قصد أو سبق إصرار، لا شك لدي بشأن ذلك، و لكنها تبقى على أي حال أرواح تزهق نتيجة سلوك بشري. أما أسئلتي فهي كالآتي  :

– أين وقع الخلل التدبيري الذي أدى إلى هاته الفاجعة والتي سبقتها، سواء بمستشفيات العاصمة أو بمدن أخرى؟ و ما هي حيثيات كل التفاصيل و الجزئيات المحيطة بذلك؟

– لماذا لا يبدو في الأفق أي التزام حقيقي بنظام حكامة جيدة، يُجنبنا سماع مصائب الموت في مستشفيات وطننا ؟

– ماذا عن تدبير صفقات الأجهزة و المعدات و الأدوية المعتمد ؟  و لماذا لا يتم بالحجج و البراهين، تكذيب ما يتم تداوله من أخبار تشكـو ضعف جودة نظام الشراءات و تشكك في صدقية احترامه لمعايير الشفافية، مع ما ينتج عن ذاك ؟

– أيـن نظام التتبع و الإنذار و استباق الأزمات الذي من المفروض أن يكون متوفرا في قطاع استراتيجي كهذا ؟ أم علينا تذكير المعنيين بما تم تسجيله، قبل أسابيع، من تخبط في ملف “أنفلونزا الطيور”، و ملف “الليشمانيا”، و ملفات أخرى أظهرت أن القضية “غادة في يد الله وخلاص” ؟

– ما علاقة توالي المصائب والفواجع في هذا القطاع مع ما يتسرب من معلومات بشـأن “المنطق” الذي تحكم، خلال السبع السنوات الماضية، في نظام تدبيـر الموارد البشرية، في هذا القطاع و في غيره، و ما يقال بقوة، من مصادر محايدة، من أنه تم استبدل معايير التجربة والكفاءة والاستحقاق، بمعيار الانتماء الحزبي فقط ؟

لا أدري هل سيتحمل أحد المسؤولية السياسية فيما يجري من كوارث تدبير الشأن العام، و خاصة في قطاع الصحة العمومية؟ ولكن الذي يجب أن يعلمه المعنيون هو أن المواطنين المغاربة لن ينسوا كل ما يعانونه، و سيحملون المسؤولية، ساعة تقديم الحساب، لمن كان عليهم تحملها و لم يفعلوا.

في كل ما يقال و يُكتب عن النقص الحاد الذي يعرفه منسوب الثقة في المؤسسات و في الهيئات، و في العمل السياسي عموما، و ما تعرفه بلادنا من عزوف الناس عن المشاركة في الشأن العام، و المشاركة في المحطات الانتخابية خصوصا، قدمت لنا عدة جهات وهيئات وازنة، تشخيصات و اقتراحات بليغة. و أنا هنا، إذ أستحضر صور الرضع الضحايا كأنها ماثلة بين أعيننا، لا أجد أبلغ من القول و التنبيه، بغيرة صادقة، إلى أن استعادة الثقة تبدأ بأن يُحس جميع المواطنين بأن روح و كرامة كل مغربي، غالية و لا تقدر بثمن. بعد ذلك ستعود الثقة، وسيصير سهلا تحقيق التنمية و الكرامة والمواطنة.

لست أدري هل ستزودنا الحكومة بأجوبة عن الأسئلة أعلاه، أم لا. لكن، إن لم تفعل، وبما أننا تحدثنا كثيرا هذه الأيام، عن “الهوية” التي قيل لنا ذات ليلة أنه “يتهددها أمر جلل”، و لأن معتقدنا الديني هو جزء أساسي و مقدس في تامغرابيت، الهوية الوطنية التي نفتخر بها، أتمنى على السيد رئيس الحكومة، الفقيه الجليل الذي نوقره و نحترم علمه، أن ينبه بعض مرؤوسيه، بما يعرفه أكثر مني أنا، أن على بعض مرؤوسيهم، هم، أن يراجعوا دروسهم جيدا، و أن يُعدوا أجوبة لأسئلة كثيرة ستطرح غـدا، في حساب فردي شاق، ولن يكون من مفر عن تقديم الإجابات الصحيحة حينها. أسئلة سيطرحها كل رضيع من ضحايا الفواجع المتكررة بالمستشفيات العمومية، و يطرحها غيرهم ممن لم تصن لهم حقوقهم في الصحة.

وأقل الأسئلة التي أتصور طرحها هي : لماذا تركتموني أموت بسبب خلل كان ممكنا تفاديه؟ لماذا أحزنتم أمي و أبي، و جدتي و جدي، و أختي و أخي، و فرضتم عليهم أن يعيشوا ألم فراقي، و فرضتم علي ألا أحيا بينهم فوق أرض وطني الذي علمني دم أمي، و أنا في رحمها، أنه غالـي، تاريـخه مجيـد و شعـبه عريـق ؟ لا محالة سيسأل الجميع، و الكل عليه أن يجيب… و إن تفادوا الإجابة الآن، فلن يكون بإمكانهم أن يصمتوا غـدا.

غيـروا المسؤولين غير الأكفاء، و غيروا كل من أنتم أعلم منا بكونه يسبب اختلالات في التدبير. لا أحد فوق القانون  و لا أحد أهم من الوقار اللازم لمقام المسؤولية العمومية و الوطنية. أمر عادي أن يوجد المنحرفون و الفاسدون، و لكن الأمر العادي أكثر، في بلد ديمقراطي يحتكم للقانون، هو أن لا يحرجكم تنزيل العقوبة بمن خان الأمانة. لا عيب في ذلك. و إن خفتم أن تختل “تحالفاتكم” فلا بأس في اختيار الكفاءات البديلة من نفس أحزاب من سبقوهم. لا حرج، لأن في كل منظومة وهيئة يتدافع الصالحون و الوطنيون مع المغرضين غير النزهاء، و ما عليكم سوى دعم الأنقياء لتعود الأمور إلى نصابها.

ذلك واقعنا، لسنا ملائكة تمشي على الأرض، و ليس الكل شياطين، كما هو واقع باقي شعوب الأرض. الفرق فقط أن حكومات دول أخرى، تحترم من صوتوا عليها، لا يترددون في اتخاذ المواقف اللازمة عند حدوث المخالفات و الاختلالات، و لا “يعلقون الحجام” إنما يبحثون عمن أسقط الصومعة.

ثقوا أن المغرب معطاء بمن هم أكثـر كفـاءة و إخلاصا و جـدية و التـزاما. و ما دامت الشمس تطلع من مشرقها، و نورها يضيء فضاءنا، فسيبقى فينا الأمل، و سيحرص “أولاد البلاد”، بكل أطيافهم و ميولاتهم السياسية و الفكرية، على ألا تخبو جذوته، و سيظلون على يقينهم أن بيننا من المسؤولين من قلوبهم مملوءة عشقا لهذا الوطن، يعرفون جيدا ما معنى أن تكون مغربيا، و هم بالتأكيد لن يقبلوا بأن يغـلب شر التافهين و المغرضين والعدميين، على ذلك الخير الكثير الذي في وجدان وقلوب  المواطنين الصادقين من سكان منبت الأحرار و مشرق الأنوار.

مدونة أخلاقية للتواصل الرقمي

فجرت لجنة عن البرلمان البريطاني، قضية سيكون لها ما بعدها، تتعلق بضرورة خضوع الشركات الكبرى في تكنولوجيات التواصل، وعلى رأسها الفايسبوك، لميثاق أخلاقيات ومدونة سلوك، لمحاربة المضامين غير القانونية والأخبار الكاذبة، تحت إشراف هيئة للتنظيم الذاتي، مستقلة، قادرة أيضا، على أن ترفع دعاوى قضائية ضد مثل هذه الشركات، في حالة رفضها الخضوع لمبادئ ومقتضيات هذه المواثيق والمدونات.
وتجاوباً مع تقرير هذه اللجنة، الذي يقع في 180 صفحة، واستغرق سنة ونصفا من العمل، سيقابل وزير الثقافة البريطاني، جيريمي ورايت، مسؤولي الفايسبوك وكوكل وتوتير وآبل، للتحادث بخصوص هذه القضايا، كما أصبحت الحكومة البريطانية، مطالبة بإنجاز كتاب أبيض، في القريب، لتقديم اقتراحات لمعالجة هذا الموضوع.
وقد وصف رئيس اللجنة، داميان كولينز، الفايسبوك، بأنه قطار خارج المراقبة، يدمر الديمقراطية، معتبراً أن الشركات الكبرى، مثل الفيسبوك، لا يمكنها أن تتصرف كعصابات رقمية فوق القوانين، كما أكد أن الواقع، يتطلب تغيير موازين القُوى بين هذه المنصات الكبرى في التواصل، من جهة، والشعب، من جهة أخرى.
واتهمت اللجنة، الفايسبوك، بمحاولة تضليلها، وذلك بالإدلاء بمعطيات كاذبة، للجنة، غير أَن هذه الشركة، في محاولة للدفاع عن نفسها، أكدت أنها ضاعفت عدد المستخدمين الذين يحاربون الأخبار الكاذبة، والذين وصلوا إلى 30.000 شخص، كما تستعمل الذكاء الإصطناعي للدعم في هذه المجهودات.
ومن المعلوم أن تكليف البرلمان البريطاني، اللجنة المذكورة، للقيام بهذا العمل، جاء على إثر معطيات راجت بخصوص عمليات التضليل التي استخدمت للدفع بالبريطانيين، للتصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وكذا فضيحة شركة كامبريدج أناليتيكا، التي استعملت المعطيات الشخصية للناس، بأهداف سياسية.
ويسعى العديد من الدول، مثل ألمانيا وفرنسا، إلى اعتماد قوانين للحد من الآثار السلبية لوسائط التواصل الاِجتماعي، غير أن تقرير اللجنة البريطانية، سار أبعد من كل هذه المحاولات، ليطرح مسؤولية كبرى على شركات التواصل العالمية، في حماية الديمقراطية، بالإضافة إلى تأكيده أن عصر التنظيم الذاتي الكلاسيكي، الذي كان سائدا داخل المقاولات الصحافية والإعلامية، اِنتهى، ومن الضروري تطويره ليشمل هذه الوسائط الرقمية العالمية.

حوار هادئ مع اتحاد العلماء العالمي.. وأذِّنْ في الناس بالحب!

يصعب حين نقرأ بيانه، أن نعتبر اتحاد العلماء المسلمين مؤسسة دينية، ذلك لأنه لا يمكن أن يصدر عنها موقف تقريبي مسكون بهواجس السجال في قضية كبرى من قبيل زيارة البابا للمغرب.

كنا ننتظر من العلماء الأجلاء أن يتمعنوا ما في الزيارة من سمو، ومن حكمة، في سياق مشتعل، وأزمة مفتوحة تعصف بالأمة، من خلجانها البعيدة إلى محيطاتها العتيدة، وأن يدفعوا نحو تجسير الفجوة بين الديانات، والتي تحصن ضد الهويات القاتلة، والعقائد المسيلة للدماء، وغير ذلك من القضايا العظام… غير الاقتصار فيها على جانب، هو في المحصلة توشية على متن أكبر يتعلق بالزيارة نفسها وفي التوقيت الذي وردت فيه..توشية، تكشف الهوة السحيقة بين ما يعتمل في الجغرافيا الدينية اليوم، في صلب الأمة وفي أطرافها، وبين ما يشغل العلماء الذين لم يرتقوا إلى جوهر الحدث…
لقد تدثر بيان اتحاد العلماء الذي يرأسه المغربي أحمد الريسوني…بـ»التلفيق بين الأذان الذي هو شعار الإسلام ودثاره، وعنوان التوحيد وبيانه، مع قُدَّاسِ النصارى وترانيم اليهود القائمة على معاني الشرك والوثنية» معتبرا ذلك «منكرا من القول وزورا…».
أولا في ما يخص الأذان، لا أعتقد بأن العلماء يجهلون أنه،
– كان من الممكن أن يكون الناقوس محل الأذان.
– كان من الممكن أن يكون بوق اليهود إيذانا بالصلاة.
– كان من الممكن أن يظل المسلمون على عهدهم في مكة
يذهبون إلى الصلاة بلا نداء.
هذا ما يمكن أن نفهمه من مأثور السير والدين.
الأذان اقتراح عملي، إجرائي، سبقته محاولات التشبه بالناقوس وبالبوق، فهذا ابن عمر – رضي الله عنهما – كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((يا بلال قم فناد بالصلاة))..
جاءت صيغة الأذان أيضاً في روايةٍ أخرى، فعن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه قال: «كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد همَّ بالبوق، وأمر بالناقوس فنحت…».
كل هذه الأشياء التي يعرفها أبسط المسلمين، لم يرفعها علماء الاتحاد العام لفقهاء السياسة، إلى درجة المرجع الذي يفتح شهية الاجتهاد ولم يستحضروها وهم يرون الشرك والوثنية في اجتماع الصوتيات الدينية…
ثانيا: ما الذي يجعل من الترانيم كفرا ومن القداس وثنية، وها هي سورة الحج في القرآن الكريم تجمع بين كل العبادات وأماكنها:» وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا»…
سيقولون إن الجوامع قبل محمد عليه صلوات الله ورضوانه، لم تعد هي الجوامع بعده، ولا البيع بيعا ولا الكنائس كنائس…
والله أعلم بالقصد من وراء كل ذلك…
أما بعد، ثالثا: فإن الذي رآه علماؤنا الأجلاء، ليس سوى هوامش وتوشيات على حدث أكبر وأجل، هو نداء القدس!
في الوقت الذي يفكر الكثير من الحاضنين الرسميين للوحدات الدينية الفلكية، في بيع القدس وفلسطين وأجزاء أخرى من بلاد الأمة، هناك رجل مسيحي قال إن القدس عاصمة للتوحيد وهي جزء من فلسطين..
ولا يمكن ألا نخجل من العلماء حقا، لكن خجلنا يصبح ذا معنى آخر عندما يتعلق الأمر بما يرونه في الزيارة ككل…
ربما هناك ما وراء الأكمة ولكن لنا الظاهر ولله السرائر…
رابعا: هل يجهل عالمنا الجليل ورئيس الاتحاد أن في شخص الملك يلتقي كل الإيمان، الإسلامي واليهودي والمسيحي..
فهو أمير المؤمنين وليس المسلمين..هو تجسيد حي لتلاقي روافد الإيمان، وله سلطة تقدير مصلحة المؤمنين فوق تراب البلاد التي يحكمها، وله فيها شرعيات تاريخية ودينية ودستورية…
لسنا من المصادرين على المطلوب، ولا فُسار نوايا، لكن ألا يعتبر البيان في حد ذاته موجها لإمارة المؤمنين التي لا يعتبرها اتحاد العلماء قائمة، بدون أن يفتي بها؟
ما الذي يجعل في الزيارة ذلك « الحدث الخطير الذي يعد ضرباً لثوابت الأمة في دينها وعقيدتها»، بخلاف ما يظنه بعضهم أنه من قبيل نشر ثقافة التسامح والتقارب بين الأديان؟
هل في تنسيق الأصوات، التي سيكون من المحبذ أن يترجمها لنا العلماء لكي يقيموا الدليل على كفرها البواح وردتها ودعوتها إلى عبادة العجل؟
لعلمهم جميعا لقد عاد البابا إلى روما ودخل كنيسته، وأجزم أنه ليس في نيته إطلاق حملة صليبية، بمجرد عودته، وأن المؤمنين من المسيحيين المتواجدين هنا ليسوا طابورا خامسا يهدد الأمة.
هامسا، وليس خامسا: إن مثل هذا الحديث وهذا البيان هو الذي سيخلق القتلة الذين يذبحون الآمنين في كنائسهم القليلة في البلاد،
ولنا في رهبان تبحيرين السبعة بالجزائر خير دليل،
ولنا في الأقباط ألف جثة ..
ولنا في مؤمنين آخرين في بلاد الرافدين ألف دليل على قسوة الجهل…
لا شيء إذن لفت الانتباه سوى تلك الوصلة التي اجتمعت فيها أصوات الرسالات السماوية…
لاشيء،إذن، سوي في مزيج الحب الإلهي بقلوب السماويين،
كان على العلماء أن يرفعوا أصواتهم معنا وأن أذن في الناس … بالحب.
فالله سبحانه زرعه فينا، وبه سنذهب إليه إذا كان القلب سليما…

عن اللغة والفرح بالتفوق في زمن المفارقات والتفاهة

أقل ما يوصف به الزمن الذي نعيشه، هو أنه زمن المفارقات بامتياز. كيف لا، و نحن نحيى على إيقاعات الشيء و نقيضه، على عدة مستويات: الخيـر و الشـر، الاستقامة و الانحراف، الحـب و البغض، الجدية و الاستهتار، الإقدام و التراجع، الجمال و القبـح، الشجاعة و الجبن، المدنية و التوحش، الغنى الفاحش و الفقر المذقع، حُسن التدبير و سيئه…إلخ. كل شيء اجتمع لنا منه نقيضان يتفاعلان أمامنا بدون خجل، حتى كاد الناس لا يستطيعون التمييز الدقيق بين الأشياء، بين الصدق و بين الكذب.

خلال الأسبوعين الماضيين، عاش المغاربة على وقع أخبار عن أن مشروع قانون، أطلق عليه أصحابه إسم “القانون الإطار للتربية و التكوين”، هو بصدد المناقشة بالبرلمان المغربي. و لو لم يفهم الكثيرون ما في مضمون ذلك النص، و لا لأي شيء سيصلح، لأن الحكومة كعادتها لم تفتح نقاشا عموميا لشرح التفاصيل وتحسيس الناس أن رأيهم له قيمة و وزن لديها، و أنها تريدهم أن يكونوا مشاركين في صنع سياسة عمومية ستؤثر فيهم. لكن، وكعادة هذا الشعب المسالم الذي يُغـلب حُسن الظن و يترجي الخير في الآتي من الأيام، لما تبين أن ما سيناقش قد “حضي بإجماع كل الأحزاب على صيغة توافقية لنص القانون”، استبشروا خيرا و قالوا “الله يسخر…”. ثم عاد الناس لقضاء أغراضهم المعيشية، مطمئنين أن بالإمكان أن يحل العقـل و تنزل الحكمة بين ظهرانينا، بين الحين و الآخر.

ثم ذات صباح تعالى الصراخ، و ارتفعت الأصوات و ظهر أن القوم فتنوا و لم يعودوا متفقين، و لا متوافقين على شيء. وعند البحث عن سر تلك “الفتنة النائمة”، و عن هوية من يحاول إيقاظها، تبين أن “مسؤولا سابقا”، ربما لا زال يتخوف من أن  لا يبقى له من زعامته إلا تاريخها و ذكراها في نفس محبيه، بعد أن لم تعد له صفة مؤسساتية تخول له التحكم في تدبير شؤون المواطنين، خرج ذات ليلة مُرغدا و مُزبدا، يتوعد الناس بهلاك قريب للبلاد و العباد، إن هم أبقوا على اتفاقهم مع “خصوم الهوية”.

ذات المتحدث أمر قومه، أو من بقي منهم على ولاءهم له، بالخروج من ديناميكية التوافق حول نص القانون إياه، و لو كلف الأمر أن تسقط الحكومة. غالبية الناس لم تفهم سر تلك الجذبة، ولا فهموا لماذا تتم دائما في أوقات متأخرة من الليل، رغم أننا تربينا على اعتبار تلك الأوقات للصمت و التدبر، وقلة الكلام، إلا ما كان في الذكر و الاستغفار و مناجاة الخالق. كما لم يستوعب العديدون سر تلك الجزئية المتمثلة في أن تلك الخرجات تتم من خلال الحساب الفيسبوكي للسائق الخاص للمتحدث، كشكل تواصلي “مستحدث” لم تعرفه الحياة السياسية يوما في أي من بلدان العالم، اللهم إلا ما كان في أزمنة الحروب، حيث “الزعماء” في المخابئ و الأقبية والغابات المعزولة، يوجهون الأتباع بما تيسر لهم من وسائل تقنية. هي جزئية، و لكن دلالتها ربما أكبر.

ما علينا، المهم هو أن في نفس الفترة التي كان فيها “الحكماء” يتجادلون بخصوص أي لغة يجب أن نعلم أبنائنا اللوغاريتم و السينوس و الكوسينوس، كان تلامذة مغاربة لم يتجاوزوا الثمانية عشرة سنة، وبالتالي هم دون ما عليه بعض الفاعلين من “رُشد”، يحققون فوزا كبيرا في الأولمبياد الإفريقية للرياضيات. نتائجهم كانت مبهرة للجميع، و مكنوا من خلالها بلادنا من احتلال الرتبة الأولى قاريا في علوم الرياضيات، متبوعين بممثلي جنوب إفريقيا، و ممثلي تونس في المرتبة الثالثة. حصيلة  كانت عبارة عن ميدالية ذهبية، وثلاث ميداليات فضية، وميداليتين برونزيتين.

لم يستطع منطق “إعلاء شأن التفاهة” من منع وصول الخبر إلينا، و لو أن نفس المنطق لم يول الخبر ما يستحقه على منصات التواصل الاجتماعي، التي لم تشتعل بشأنه، كما تشتعل بغيره من الأخبار. فهو، لسوء حظه و بؤس واقعنا، خبر ليس فيه “كلام خاسر”، و لا فيه “بشر تافهيـن”، و لا فيه “فـرفشـة و تـرويـح عن النفـس”. بل على العكس، هو خبر يتحدث عن أمـر جاد يساهم في تقوية الجبهة الوطنية التي تؤمن أننا لسنا شعبا فاشلا أو تافها، كما يحاول العدميون الترويج لذلك. و أن بإمكان أبناء الأمة المغربية أن يتنافسوا على الريادة و العلم و التنمية، بعيدا عن السجالات العقيمة التي تغرق في أوحالها بعض نخبتنا، في زمن هواة التسفيه ومروجي أخبار التفاهة و قيم “شنو بغات الوقت”.

خبر تتويج الشباب، بشحنة الفـرح التي أحدثها في نفوسنا ، كانت له رمـزية خاصة كونه تحقق خارج الوطـن، بموازاة مع سجال سياسوي وغوغائي، داخل الوطن. سجال فاجأ الكثيرين لما أظهره من سكيزوفرينيا حقيقية يعاني منها بعض “مُصلحي آخر الزمن”، ممن بلغ بهم “الـزهد والإيثـار” إلى درجة تفضيل الدفـاع عـن “تمتيـع” أبناء المغـرب بما يعتقـدونـه “صالحا لتعـليمهـم”، و ضحوا بحقهم قي أن يمكنوا أبناءهم مـن نفس تلك “الامتياز”، و فضلوا “رمـي أولادهـم” في مدارس البعثات الأجنبية، الفرنسية بالخصوص، أو “نفاوهم و تكرفسو عليهم” في جامعات تركيا و فرنسا و كندا “ليذوقوا عذاب الدراسة هنالك بلغة من لغات العجم”.

مفارقة كبيرة هاته، يجب أن تحفـز في دواخلنا التفكير بعمـق في أسباب ما نحن فيه من تردي قيمي حقيقي، و البحث عن سبل الخروج منه و تجاوز أسبابه بشكل لا رجعة فيه.

بكل موضوعية حاولت، بعيدا عن مسألة اللغة و درجة صواب أي من الاختيارات المطروحة، أن أجد تفسيرا منطقيا لفهم معاني أن يقبل البعض على أنفسهم أن ينخرطوا في معركة يفرضون فيها على أبناء المغاربة ما لم يُلـزمـوا به أنفسهم و لا أبناءهـم، و لكنني لم أجد. كما لم أفهم معنى أن يسعى البعض إلى الحسم في أمـر يهم المواطنين أجمعين، بكل هذه التلقائية التي نرى “بلا حشمة..”، و بدون أن يفتحـوا أي نقـاش عمومي أو أي حوارات هادفة، في تجاهل كلي لرأي الأسر المغربية فيما تريده لأبناءها، بشأن لغة تدريس المواد العلمية.

صراحة، كان يمكنني أن أتفهـم محاولة البعض إشعال حرب شعواء بشأن هوية مفترى عليها، لو أن إظهار “الحمية و الغيرة” شمل أيضا، طيلة السبع سنين الأخيرة، كل “ما كان يهدد الهوية الوطنية” حقا، من ظلم اجتماعي وفقـر ، وتهميش مجالي، و تدمير للبيئة بعدة مناطق، و تخريب للثراث العمراني الأصيل، و فساد تدبيري في عدة مؤسسات و مجالس منتخبة، و سياسات تدفع بعض الشباب إلى مستنقع اليأس، و تهميش للأطر الوطنية، و تضييع للزمن السياسي في الغوغائية، و تضييق على الناس في أرزاقهم  عبر سياسات ليبرالية متوحشة، و رهن لمستقبل أجيال مقبلة من خلال سياسة اقتراض جنونية غير مبررة… إلخ.

أما القيام بإلباس تدافع سياسي ومصلحي خاص، بلباس الدفاع عن هوية المغاربة، التي ظلت و ستستمر محفوظة منذ قرون، بإذن الله و ببركة أشراف هذا الوطن و أبناءه و علماءه و أولياء الله فيه، فليست إلا خُـدعة مكيافيلية جديدة تستهدف صرف انتباه الناس عن واجب تقديم حساب تدبير سبع سنوات من الشأن العام، وتبتغي خلق أزمة جديدة من خلال إحداث خلخلة لتوازنات الأغلبية الحكومية الهشة أصلا، لكي ينفرط عقدها و يستفيد “أصحابنا” مجددا و يظهروا، أمام الرأي العام، بمظهر “المظلوم” الذي ترك “زهو امتيازات المسؤولية” دفاعا عن “مقدسات الأمة”.

ليس المقام في هذا المقال، أن أناقش مسألة لغة تدريس المواد العلمية، و لن أنخرط في إبداء رأي بشأن صواب أي من الاختيارات المطروحة. أنا من الأساس، اعتبرت أن الموضوع ما كان يجب أن يُطرح بالأسلوب الشعبوي الذي تم به. و أن أمرا بالجدية الكبيرة التي تكتسيها مسألة اللغة و الهوية والثقافة، و ما يرتبط بها من قيم و ما يترتب عليها من اختيارات، ليس أمرا تُطرح بشأنه المواقف من خلال “لايفات الفيسبوك”، و لا من خلال التدوينات بمواقع التواصل الاجتماعي، و إلا سيختلط الحابل بالنابل، و “غادي نويلو في شغل الدراري…”، و ستضيع آنذاك بالفعل الهـويـة بين ثنايا المصالح و حسابات اللحظة السياسية و توازناتها.

مقام الحكمة كان يستوجب اقتفاء سُبل الموضوعية و العلمية، عبر مقاربة الأمر في أبعاده التربوية و الثقافية و التنموية والسوسيولوجية، في ارتباط بتحليل معطيات واقعنا التعليمي، و واقع البحث العلمي و هندسة تدبيره، عندنا و في العالم. و مقام الحكمة كان يفرض، أيضا، أن ننصت للمتخصصين في الملف، بعيدا عن “فدلكات” من هم ليسوا خبراء في علوم التربية، و لا هم أساتذة وباحثون في علوم اللسانيات، ولا هم علماء اجتماع وأنتروبولوجيون، و لا هم متخصصون أكاديميون في البحث العلمي، ولا لهم شرعية أن يقرروا بالنيابة عن الشعب في أمر أبناءه، و لا أحد أوكل إليهم هذه المهمة و لا منحهم تفويضا بشأنها. ثم بعد ذلك كله يتبلور رأي عام يسير في اتجاه معين، و تتبع ذلك توافقات لإخراج التشريعات اللازمة.

ما علينا، المهم أن التاريخ سيسجل أن شبابنا، مفخرة هذا الوطن، رفعوا مرة أخرى، في غفلة من كل المتصارعين على مصالحهم، العلم الوطني الغالي في قلب جنوب إفريقيا، و تغنوا بالنشيد الوطني و هم يرددون “… أنا هنا نحيى بشعار الله الوطن الملك…”. ويا أالله كم هي قوية دلالة أن يُرفع العلم الأحمر بنجمته الخضراء في ذلك البلد بالذات، في هذا التوقيت بالذات. و لو أدرك المتحدثون، أبعاد قيمة ذلك كله، لخرست ألسنتهم و “حشموا على عرضهم”.

هو فوز جديد انتزعه شباب مغاربة، بكفاءاتهم و جهدهم و إمكانياتهم وتضحيات آباءهم، و لا دخل لأي فاعل بما حققـوه لا من قريب و لا من بعيد. هو تتويج لهـم، و تشريف لأسرهم و لكل مغربية ومغربي. و هو أيضا مدعاة للافتخار و التنويه و الثناء على أبائهم و أمهاتهم، و على أساتذتهم و الأطر التربوية التي تواكبهم.

حتى هنا، كانت القصة ستكون جميلة، و تستمر الحياة. لكن الأمر لم يسر على هذا النحو، حيث كان للبعض رأي و سلوك آخر، يستلزم التفاعل و توضيح الأمور.

تتمة القصة بدأت بمجرد أن خرج خبر تميز فريق من التلاميذ المغاربة خلال الأولمبياد الإفريقي للرياضيات، حيث انطلق البعض مهرولين لاستغلال الإنجاز و ربطه بقضية الصراع بشأن مسألة لغة تدريس المواد العلمية، واعتبروا أن فوز التلاميذ المغاربة هو دليل على إمكان “تدريس المواد العلمية باللغة العربية و تحقيق التفوق و التميـز”. قالوا ذلك وهم يعتقدون أن أولائك التلاميذ درسوا المواد العلمية باللغة العربية. فتسرعوا و أساؤوا من حيث كانوا يعتقدون أنهم يصلحون.

الغريب أن هذا التفاعل السياسوي لم يقتصر على أشخاص من عامة الناس. و لو ظل الأمر كذلك، لسكتت و لما علقت، لإيماني بأهمية أن ينخرط المواطنون بموضوعية في النقاش العام، دون أن يصادر أحد حقهم في المساهمة، مهما كانت آراءهم مختلفة، و حتى لو كانت مقارباتهم خاطئة، طالما لم تخرج عن ضوابط القانون و قواعد الآداب العامة و حدود اللياقة وأخلاقيات التواصل.

أما أن نقرأ أن مسـؤولـين حكوميـين و قيـادات وازنة في أحزابها، يعلم جميع المغاربة أنهم درسوا في البعثة الفرنسية بالرباط أو الدار البيضاء (وذلك حقهم)، و تبعهم أبناؤهم للدراسة بعدهم بنفس المؤسسات (وذلك حقهم)، قبل أن يذهبوا بهم إلى الخارج ليدرسوا في أفضل أكاديميات العالم (وذلك حقهم)، حاولوا هم أيضا قـرصنة حدث الفوز التلاميذي و إظهاره بما ليس فيه، مهللين للدليل الساطع على صواب “تعليم العلوم باللغة العربية”، فذلك سفه بالغ و تسفيه لا يمكن القبول به.

والمصيبة أن بعض هؤلاء لم يقوموا، بغرورهم المعتاد، حتى بالتدقيق في المعلومات قبل الحديث. و ظني أن التفاعل السريع لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني والبحث العـلمي، من خلال بلاغ رسمي لتوضيح مسار التلاميذ المتوجين، قد أصاب مقرصني الفرحة بخيبة أكيدة. حيث أفاد البلاغ الرسمي أن “التلاميذ الذين حققوا نتائج باهرة في الدورة السابعة والعشرين من الأولمبياد الإفريقية في الرياضيات، التي نُظمت بكاب تاون – جنوب إفريقيا، ما بين 31 مارس و07 أبريل الجاري، يتابعون دراستهم بشعبة علوم رياضية فرنسية”. وكشفت الوزارة أن “الميدالية الذهبية كانت من نصيب التلميذ مروان شافي، الذي يدرس بشعبة علوم رياضية فرنسية بثانوية خصوصية بمديرية الصخيرات تمارة. كما أحرز كل من التلاميذ البوزيدي التيالي إيناس التي تتابع دراستها بشعبة علوم رياضية (خيار فرنسية) بمدينة مكناس، ومريم الخطري التي تتابع دراستها بشعبة علوم رياضية فرنسية بالدار البيضاء، وزياد الدين أمزيل الذي يتابع دراسته بشعبة علوم رياضية فرنسية بالقنيطرة، على ميداليات فضية”.

بلاغ الوزارة إذن نفى ما ذهب إليه المهللون، وانتهى الكلام. و كان حريا بالجميع أن يسجلوا افتخارهم بتلاميذنا و يشدوا على أيديهم، لا أن يحاول البعض استنتاج خلاصات متسرعة بغرض استغلالها في معركة سياسوية.

ولكن ماذا عسانا نفعل و في هذا الوطن، للأسف، أناس لا زالـوا مصرين على مصادرة كل الأشياء الجميلة، وكل شيء عندهم يجوز استغلاله تبعا لمصالحهم و لرؤيتهم للظرفية السياسية؟ حتى الفرح الشعبي التلقائي، لا يسلم من محاولة السطو عليه، و قرصنة معانيه و الاستيلاء على رمزيته، في إصرار غريب على عدم احترام ذكاء الشعب المغربي.

المهم، هي مفارقات الزمن المغربي الراهن، و هي بعض آثار ما صنعت أيدي الناس عندما اختاروا و صوتوا على من يمثلهم. فلا يلومـن أحد سوى نفسه، سواء أكان شارك في الإنتخابات، أو قاطع و لم يشارك. ففي الحالة الأولى، هو مسؤول عن السياسات الحكومية الحالية، لأنه اختار من يقود سفينة تدبير الشأن العام. و في الحالة الثانية، هو شريك سلبي و متواطئ بالصمت على ما هو قائم، لأنه لم يشهد شهادة حق عندما كان عليه أن يمارس مواطنته، و أن يختار الأفضل من النُخب، أو ليتقـدم هو للترشح لمقام المسؤولية إن ظن أن ليس في الساحة أفضل منه كفاءة و نزاهة.

و لكن يبقى من الضروري التأكيد مرة أخرى، أنه برغم من كل الصخـب والضجيـج، ورغم استنفـار قوى التضليل لكل طاقاتها، مستغلة ما تراكم من تجليات سلبية في الحياة العامة من حولنا، من أثر سوء التدبير وأشياء أخرى، علينا أن نحافظ على يقيننا بأن في وطننا شباب صادقون وكفاءات حقيقية، تحتاج لمن يواكبها من خلال سياسات ناجعة، للتغلب على نقاط الضعف، عبر حكامة ترابية ومؤسساتية تعتمد الابتكار والتجديد و التفاعل مع العصر وتحدياته، في مواكبة للمجتمع وتطوره، مع تعزيز منطق دولة المؤسسات وسيادة الحق والقانون، والمساواة في الحقوق والواجبات، في وطن يسع الجميع ويحمي الجميع، بدون مغالاة و لا جحود و لا لي لعنق الحقائق.

المدرسة المغربية: ”البيداغوجية الموضوعية اختزالية وخطية وغير ذات دلالة

عندما يتأمل المرء خطاب وزارة التربية الوطنية وكيفية اشتغالها يجد أنها تُرَوِّج لمفاهيم خطِّية ووثوقية تدَّعي الموضوعية واليقين، لكنها تنتمي إلى مرحلة متجاوزَة من مراحل تطور العلوم بعقود طويلة. وهذا ما يفسر تبنِّيها لمنظور خطِّي يتجلى في ترديد مسؤوليها والمذكرات التربوية الصادرة عنها لمصطلحات ذات نزعة تقنية يؤدي اقترانها بمفهوم التربية إلى نسفه، لأنها تتعارض مع طبيعته. وقد نجم عن اعتماد الوزارة لهذا المنظور تبنِّيها لما اصطلح على تسميته في الأدبيات التربوية بـ “البيداغوجية الموضوعية”، فأصبح اتجاهها مطبوعا بتفكير خَطِّي نتج عنه الحديث عن “هندسة التكوين” وما يرتبط بها من مصطلحات أخرى كـ “الجودة” و”الفحص”…
لا يعي أصحاب التفكير الخطِّي أن الخطِّية لا تقبل الاختلاف، ما يعني أنها ترفض التواصل الذي بدونه لا يمكن الحديث عن أي تحوُّل معرفي، ولا عن أي تعلُّم أو نمو… ويعود ذلك إلى أنهم لا يدركون أن الواقع التربوي مختلف ومتعدِّد فكريا ومنهجيا… وأن “البيداغوجة الموضوعية” تعمل على اختزال تعدٌّده وتنوٌّعه، إذ تسعى إلى أجرأة الأهداف التعليمية. لكن ذلك يفترض وحدة العلاقات بين هذه الأهداف وانسجامها، وهو ما لا يسمح به تعقُّد الواقع التربوي، لأن الانسجام يُبنى من خلال القيام باختيارات تؤدي إلى إعطاء امتياز لبعض المفاهيم والقيم والتخصصات والمنهجيات… على حساب أخرى، مما تنجم عنه أشكال عديدة من الإقصاء. لذلك، ليست “البيداغوجية الموضوعية” وبِنْتُها “هندسة التكوين” سوى اختزال وتبسيط لما هو معقَّد.
وإذا كانت “البيداغوجية الموضوعية” تدَّعي “عقلنة” البرامج الدراسية لكي تضمن “تكوينا نوعيا أفضل”، فإن إستراتيجيتها تقود إلى اختزال مزدوج للأمور: فهي تسعى، من جهة، إلى تحويل الأحلام إلى نسب قابلة للتحقُّق، ما يعني عملها على توقيف الإنسان عن الحلم وتحويله إلى “واقعي”، وتختزل، من جهة ثانية، مختلف وجهات النظر التي يتم التعبير عنها في فضاء المدرسة عبر رفض التعدد، ما يعني تدعيمها لاختيارات معينة على حساب أخرى.
تقوم”البيداغوجية الموضوعية” على إرادة النجاح التي تنطوي بدورها على رغبة، ما يقودها إلى الفشل لأنه لا يمكن تحقيق كل ما يدخل في إطار نظام الرغبة. فلو كان ذلك ممكنا لحٌلَّت كل مشاكل البشرية منذ القدم. وهذا ما يكاد يُجمع عليه مختلف المهتمين بالتحليل النفسي الذين يَرَوْن عدم قدرة الإنسان على الإنجاز الكلي لكل ما يدخل في إطار نظام الرغبة، ما يسمح بالاختلاف الذي يفضي إلى تحسين الإنسان لظروفه وأحواله باستمرار دون بلوغ الاكتمال.
تفرض “البيداغوجية الموضوعية” على واضعي المناهج والبرامج تقديم وصفات جاهزة لتجنب شبح الفشل، لكننا غالبا ما نجد في الواقع اختلافات كثيرة بين أهداف الأساتذة الذين يٌدَرٌّسون المادة الدراسية الواحدة… كما أن هناك اختلافات بين هؤلاء وأهداف الإدارة… ومن ثمة، لا يمكن الجزم بامتلاك التلميذ القدرة على تحقيق أهداف البرنامج الدراسي في المدرسة، ولا عقب تخرٌّجه منها.
من المستحيل قبول التخطيط الصارم للتدريس، حيث تأكد أن النظريات التي تتقدم بوصفات جاهزة هي نظريات غير ملائمة. وتعود الصعوبات التي يطرحها التخطيط الصارم إلى وجود هوة فاصلة بين النظرية والممارسة، أي بين الخطاب الرسمي للمدرسة وإنجازات المدرس في قاعة الدرس، حيث تحول طبيعة الأشياء دون التطابق الكلي بين النظرية والممارسة. فالصرامة الدوغمائية لا تتلاءم مع الواقع، إذ ليس هناك نوع واحد من التلاميذ، كما أن التاريخ متغير وغير ثابت ، مما يفرض ضرورة التكيف المستمر مع تعددية الواقع وتنوعه وتعقده… وتكمن خطورة التخطيط الصارم للطرائق البيداغوجية في إمكانية حيلولته دون تفاعل التلميذ وإنصافه وعفويته، وفي إقصاء الجانب الوجداني للتلميذ، والسقوط في التصنع والخداع والغش… وبذلك، تتعارض خطِّية الطرائق البيداغوجية مع العلاقة التربوية السليمة…
لا تتضمن الغايات البيداغوجية في ذاتها الطرائق القادرة على تجسيدها، إذ يجب ابتكارها باستمرار مع ضمان انسجامها مع إستراتيجيتنا… ومن الخطأ السقوط في منظور ميكانيكي، والاعتقاد بوجود طريقة واحدة ووحيدة تصلح لتحقيق هذا الهدف وتلائم كافة التلاميذ في كل الأوضاع…
لقد أدى تطور البحث العلمي إلى الكشف عن عيوب “البيداغوجية الموضوعية” وتجاوزها، فأصبح التدريس في المجتمعات المنفتحة عملية تأخذ بعين الاعتبار اللانظام واللا استقرار واللاوثوق والتعقد والفرادة وصراع القيم والأوضاع المبهمة للممارسة… وهذا ما جعل حصر التربية في المجال البيداغوجي في “التربية الموضوعية” باسم العقلنة والشفافية والوضوح يجعل البيداغوجيا غير ذات دلالة وبدون معنى…
الكتاب المدرسي مشروع للإنجاز. لكن، مهما بلغ وضوحه، فإنه لا يمكن ترجمته بشكل سحري إلى أفعال، ومن ثمة وجوب استعمال المدرس لخياله. وهذه عملية معقدة ومتعددة، حيث يمكن أن ننطلق من نفس التصور التدريسي، لكن تكوين المدرس وتعدد الواقع المجتمعي واختلاف الواقع المدرسي قد يفرض على المدرس القيام بإخراج درس معين بأسلوب مختلف عن إخراج هذا الدرس نفسه من لدن مدرس آخر… وهذا ما يجعل المدرس مبدعالممارسته وطرائقه…
يتضمن الخطاب البيداغوجي تأملا في الممارسة التربوية، كما يهدف إلى توجيه عملها. وما دامت التربية تتسم بتعقد كبير، فلا يستطيع هذا الخطاب أن يدلَّ بدقه على ما يجب فعله في الفصل الدراسي، بل كل ما في إمكانه هو التعبير بأسلوب متعدِّد عن تجارب شخصية لا غير. وهذا ما جعل البيداغوجيا تبدو تعبيرا أدبيا عن الواقع التربوي، كما تفعل فنون الشعر والرواية والتشكيل والموسيقى التي تشكل كلها تعبيرات عن الحياة. وإذا كانت هذه الفنون تعبيرات عن الواقع تؤكد أن هناك طرقا حقيقية ومتعددة لإخراج mise en scène الحياة اليومية، ما جعل الحياة مسرحية أو مسرحيات، فالبيداغوجيا تقول الشيء نفسه. إنها تثقفنا حول إخراج مهنة التدريس، ما يكشف لنا البيداغوجيا بطريقة ملموسة وأن التربية هي حقا ممارسة لفنون المشهد! (Daignault).
يرى “ميشيل سير” Mchel Serrres أنه ليس هناك تعلُّم بدون سفر، والسفر يقتضي الانطلاق، والانطلاق تمزق، حيث ينسلخ الفرد مما هو عليه نحو وضعية ومعرفة مغايرتين… ويقتضي التدريس تكوينا عميقا يمكِّن المدرس من استعمال خياله لخلق شروط ملائمة تجعل المتعلٌم يتحمل مسؤولية تعلُّمه بشكل تلقائي ليتمكن من السفر في الذات والعالم والآخر ومعرفتهم… كما أن التدريس والتعلُّم هما، على نحو ما، كالحب والشعر، حيث ينزلان في الموج ويتدبَّران أمرهما فيه.
وبما أنهما كذلك، فمن أعمق ما فيهما أنهما لا يٌحدَّدان بدقة موضوع حديثهما كما تفعل “هندسة التكوين”التي تشكل مجازفة تجعل التريس والتعلٌّم بفقدان هويتهما وطبيعتهما، إذ هناك أشياء غير قابلة للتحديد الدقيق من حيث طبيعتها لأنها قائمة على التجربة ومرتبطة بالفرد وبحياته. لذلك، فالمدرس والمتعلم هما كالعاشق الذي يعيد باستمرار تحديد مفهوم الحب بتجربته الشخصية. ويعني ذلك أنه يوجد مفهوم للتدريس بعدد المدرسين، ويوجد مفهوم للتعلُّم بعدد المتعلمين، كما يوجد مفهوم لكل من الشعر والحب وإخراجات لهما بعدد الشعراء والعاشقين…

هل أخطأ خالد أبو النجا وعمرو واكد ؟!

عزيزي القارئ ..من فضلك أجب عن هذه الاسئلة:

السؤال الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اذا شنت بلادك حربا ظالمة على بلد آخر وقامت باحتلاله بدون وجه حق ماذا سيكون موقفك؟

1 – ستساند جيش بلادك في الحرب بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

2 – ستعارض هذه الحرب لأنها ظالمة وستطالب بايقافها فورا

السؤال الثاني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اذا عرفت أن جنودا من جيش بلادك يمارسون التعذيب ضد الأسرى المدنيين وحصلت على فيديوهات وصور توثق جرائم التعذيب ماذا ستفعل؟

1 – ستتجاهل هذه الجرائم لأنك لا تريد أن تسيء إلى سمعة جيش بلادك.

2 – ستصر على فضح هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها حرصا منك على تحقيق العدالة.

السؤال الثالث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اذا كنت تعيش في بلد يحكمه ديكتاتور عسكري يلقى بآلاف المعارضين في السجون حيث يتعرضون إلى التعذيب ويحاكمون بتهم ملفقة ثم سألك الصحفيون الأجانب عن الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب كيف تجيبهم؟

1 – لن تخبرهم بالحقيقة وستخفي عنهم جرائم الديكتاتور حرصا منك على صورة بلادك في الصحافة العالمية.

2 – ستخبرهم بجرائم الديكتاتور لينشروها في مقالاتهم ويعرفها العالم كله

الاجابة عن الاسئلة السابقة تكشف نموذجين في التفكير: اذا اخترت الاجابات رقم 1 فأنت لست وطنيا كما تعتقد وانما تعاني من العصبية القومية. معنى العصبية في اللغة “أن يتعصب الانسان إلى عصبته (قومه) ويناصرهم سواء كانوا ظالمين أو مظلومين”.
هذه العصبية ستدفعك إلى اخفاء الحقائق والوقوف ضد المظلومين والتستر على الجرائم. عندئذ تكون قد أجرمت في حق وطنك وفي حق الانسانية. اذا اخترت الإجابات رقم 2 فأنت تمارس حبك للوطن بانتمائك الانساني داخل اطار الحق والعدل. هذا المفهوم المتحضر للوطنية هو ما دفع مئات الألوف من المواطنين في الدول الغربية إلى التظاهر ضد حرب العراق وهو الذي جعل كبار المفكرين والأدباء يعارضون الجرائم التي ترتكبها سلطات بلادهم. في 1906 ارتكب الجنود البريطانيون حادثة دنشواي في مصر التي أدت الى اعدام بضعة فلاحين بعد محاكمة صورية. عندئذ شن الكاتب الانجليزي جورج برنارد شو( 1856- 1950) هجوما عنيفا ضد الحكومة  البريطانية وكتب :

“إذا كانت الإمبراطورية البريطانية تود أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواي فلن يكون على وجه الأرض واجبٌ سياسيّ مقدسٌ وأكثر إلحاحاً من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها”.

أما الكاتب الفرنسي جون بول سارتر ( 1905-1980 ) فقد فضح جرائم التعذيب التي ارتكبها الجنود الفرنسيون ضد الجزائريين، وكتب داعيا إلى استقلال الجزائر عن فرنسا، وبالمثل وقف معظم الفنانين والأدباء الأميركيين ضد حرب فيتنام كما وقف المخرج الأميركي مايكل مور ضد غزو العراق وكشفت الصحافة الأميركية عن الجرائم التي ارتكبها الجنود الأميركيون ضد الأسرى العراقيين في معتقل ابوغريب. كل هؤلاء انحازوا إلى الحق والعدل وفعلوا ما يرضي ضمائرهم وفضحوا جرائم جيوش بلادهم، وبرغم ذلك لم يتهمهم أحد بالعمالة والخيانة وانما كانوا دائما محل تقدير الرأي العام باعتبارهم شخصيات انسانية عظيمة.

خلال ثورة يناير عام 2011 اكتتشف المصريون ان معظم  نجوم الغناء والتمثيل في مصر يعادون الثورة ويساندون نظام مبارك. كان موقفهم مؤسفا لا يمكن مقارنته بمواقف نجوم الفن الغربيين الذين دافعوا دائما عن كفاح الشعوب من أجل الحرية. مساندة الكثيرين من نجوم الفن المصريين للديكتاتور قد تعود إلى ضعف مستواهم الثقافي أو بسبب خوفهم من عواقب معارضة السلطة التي يؤدى رضاها عنهم إلى تدفق الملايين في حساباتهم البنكية.

وسط الكثير من نجوم السينما المنافقين  ظهر عدد قليل من الفنانين الثوريين مثل خالد ابوالنجا وعمرو واكد اللذين اشتركا في الثورة منذ اليوم الأول، وكافحا ضد المجلس العسكري وضد حكم الاخوان واشتركا في 30 يونيو للتخلص من الفاشية الدينية، وكان أملهما مثل ملايين المصريين أن يتم بناء الديمقراطية في مصر. لكن السيسي وصل إلى السلطة وأقام ديكتاتورية عسكرية وشرع في التنكيل بكل الثوريين ومن ضمنهم ابو النجا وواكد اللذين اضطرا إلى الخروج من مصر ولأنهما موهوبان فقد استمر نجاحهما وأثبتا وجودهما في السينما العالمية على أنهما ظلا على اخلاصهما للثورة واستمرا في معارضة نظام السيسي.

في الأسبوع الماضى عقد خالد ابو النجا وعمرو واكد ندوة في الكونغرس الأمريكي أعلنا فيها رفضهما للتعديلات الدستورية الباطلة التي يسعى السيسي لتمريرها الآن حتى يتحول إلى سلطان مصر ويحكمها مدى الحياة بارادته المنفردة.

أعلن نظام السيسي الحرب على واكد وأبو النجا واتهمهما بالخيانة العظمى وتم شطبهما من نقابة الممثلين المصريين  الخاضعة لأجهزة الأمن.

من حق هذين الفنانين المناضلين بل ومن واجبهما ان يكشفا للرأي العام في العالم طبيعة نظام السيسي لكنني كنت أتمنى ان تكون ندوتهما خارج الكونغرس وليس داخله لأن الكونغرس لا تنقصه المعلومات فالمخابرات الأمريكية تمده بأدق المعلومات عن مصر، كما أن الحكومات الأميركية لم تهتم قط الا بتحقيق مصالحها وقد ساندت على مدى عقود أسوأ الديكتاتوريات في العالم العربي وأمريكا اللاتينية كما أن عقد الثوريين المصريين لندوة داخل الكونغرس قد يعطى الانطباع بأنهم يطلبون التدخل الأمريكي في بلادهم وانا واثق ان ذلك لم يدر بذهن أبو النجا وواكد وزملائهما.

مع ذلك فان خالد أبو النجا وعمرو واكد يقدمان نموذجا عظيما للشجاعة والوطنية. من حق المصريين أن يعيشوا في دولة ديمقراطية يتم تداول السلطة فيها عن طريق انتخابات محترمة. من حقنا العدل والحرية .

الديمقراطية هي الحل

مسؤوليتنا في تصحيح أثر اختلال الساعة

لن أكون مصيبا إذا جادلت أيا كان، هذا الصباح، في حقيقة واقـع ما أصابنا من ارتباك بسبب زيادة ساعة من طرف شركات الهاتف النقال. كما ليس من الإنصاف أن ألقي اللوم على الحكومة، هذه المرة، أو أحملها وزر ما لم تقم به، اللهم فقط التذكير بأن لها دورا، عليها أن تقوم به عبر القنوات المؤسساتية المعتمدة، لتنبيه الشركات المعنية حتى تتفادي هذه “الزلة التقنية” مستقبلا، و تُجنب الناس ما تُحدثه لهم من بلبلة، و من إعاقة للتواصل، و من خلخلة طفيفة في برمجة أمورهم، في يوم أحد جميل نستحق فيه ألا يزعجنا أحد ولا حتى “هواتفنا الغبية”، بعد يوم سبت مغربي كان حضاريا بامتياز وحمل صورا جميلة و راقية.

ولأن “الزلة التقنية” لهذا اليوم، هي في نهاية المطاف خفيفة الأثـر، ما دامت قابلة للتصحيح، و حتى نكون موضوعيين، ما رأيكم في أن نبحث عن ذلك الجزء الذي يخصنا من المسؤولية ؟ ألم يحن الوقت لنُحمل أنفسنا، بسلوك مواطن و واع، شيئا من مسؤولية أثر هذا “الخلل”، و غيره مما تعرفون، في نهاية المطاف؟ أليسا منطقيا أن نعترف، بداية، أن لا شيء يدفعنا إلا ما أصبحنا فيه من وضعية “الانصياع الكلي” لهوى “هواتفنا”، و رهن حياتنا لمزاجيتها و برمجياتها و منطلقات هندستها التي لا نعرف خباياها الحقيقية و مراميها؟ أين أضعنا “ساعاتنا القديمة”، غير المرتبطة بشبكات “ذكية” تحتمل الخلل بين الفينة والأخرى ؟ لماذا أهملناها دون أن نشعر، و أصابنا الافتتان بالهواتف الجديدة؟ ألم تكن ساعاتنا القديمة جميلة ولم تخُن أبدا، و لم تُـقصر يوما في واجبها تجاهنا؟ لماذا تناسيناها و تركناها جانبا، و استبدلناها ب “هواتف” ثبت “إخلالها بمقام المسؤولية” كلما اختلت بداخلها وظيفة تقنية لا دخل لنا بمنطقها الدفين؟ أليس من الواجب أن نقر أننا كنا نحن الخائنين لسابق عهدنا مع “الساعة القديمة” ؟  ألسنا نحن من نسي العهد و تنكر لسابق استمتاعنا بالزمن الجميل الذي كانت تمنحنا إياه؟

المهم،  قدر الله و ما شاء فعل، وكان ما كان، و حدث اختلال ذكاء الهواتف، وما علينا إلا أن نتعاطى بابتسامة إيجابية مع ما حدث، و محاولة قراءته بشكل جيد، ولو من باب تجنب أن نقهر أنفسنا كل مرة بحديث عن كل ما لا يسر، و نترك للأمل حظه في أن يظل حيا فينا.

ما رأيكم أن نعتبر “زيادة ساعة”، هذا الصباح، هي في الحقيقة فأل خير علينا؟ ما رأيكم أن نعتبر أنها تحمل رمزية التقـدم في مدى الزمن، وتجاوز الذات و تحقيق الغلبة عليها؟  ما رايكم لو أخذنا فسحة من الوقت لنفكر قليلا في إمكاناتنا كشعب عريق و مثابر و ذكي، في أن نسبق زمننا بكل تجلياته السلبية، و ننطلق إلى الأمام بقناعة حقيقية هذه المرة، و عهد ثابت على أننا سنبني الأفضل لأننا نستحقه؟

ما رأيكم أن نعتبر أن ما حدث من “زلة تقنية” لن يتكرر، و أن علينا أن نعمل على التصحيح و العودة إلى جادة يقيننا بأن زمننا الأصيل هو ذلك الذي تشير إليه ساعاتنا التي ثبتناها على أفضل حائط في منازلنا، كما فعل ذلك آباؤنا، أو حملناها معنا أينما حللنا كما كانوا يحملونها؟ أليست تستحق منا وقفة تجديد عهد الوفاء ما دام لم نسجل أنها أخلت يوما بالتزاماتها تجاهنا؟

أنا شخصيا أميل إلى تفضيل هذا السلوك الإيجابي، الذي يجب أن يدفعنا، بصفة عامة، ألا نغرق في بؤس ما لا يعجبنا، و أن نحرص على إبقاء تفاؤلنا بقـدرتنا الجماعية على التقاط الفرص الاستثنائية التي تحل بنا، وأن نسعى إلى أن نكون بحال أحسن.

ولكن علينا، أن نقبل الاعتراف بأن الشرط لبلوغ ذلك، هو أن نجعل من ثقافة تحمل المسؤولية أساس كل شيء، لأن لكل منا جزء يتحمل مسؤوليته في كل شيء يحدث، و خصوصا في ما لا يعجبنا في واقعنا. علينا أن نكف عن الاعتقاد أن مسؤولية الخطأ هي دائما في سلوك الآخـر. كلنا مسؤولون عن أفعالنا، سواء منها الإيجابي أو السلبي المقيت.

نحن من نستطيع تجديد طبيعة الساعة التي نريد أن نحياها. و تبقى الساعة لله على كل حال، و لكل المغاربة المنى بالخير العميم.

مسيحي يخاطب رئيس الحكومة المغربية

إن الوعي البئيس سيدي الوزير يرفض أن يعترف بالوجود المسيحي بالمغرب، فهذا الوعي البئيس الذي تعرفه لا يدري بأن إرهاصات النسبية توجد في الجزء الحادي عشر من اعترافات القديس المغاربي أوغسطين حسب ما اعتبره الفيلسوف المتقد الذكاء “برتراند راسل”، وأن الأبحاث المعاصرة تشير إلى أن “الكوجيتو” الديكارتي هو سرقة أدبية واضحة لهذا الفيلسوف من أوغسطين.

إن الوعي البئيس سيدي الرئيس يتناسى إنسية المغرب المسيحية، فلست أدري لماذا ينبغي أن يكون المغاربة استثناء في هذا الأمر، فمحدد الهوية هو الأرض واللغة التي ننتمي إليها، وأرض المغرب هي تمازغا، والهوية الجدر التي تخترق كل أشكال المنتجات الحضارية (التي يشبهها حسن أوريد بالبنية التحتية عند تشومسكي)، فالإنسية المؤسسة للحضارة والعلم الجيني أتبتث بأن أنسية شمال إفريقيا متميزة جينيا عن إنسية الشرق الأوسط التي يريد أرباع المثقفين أن يحققوها لحضارتنا المغربية.

سيدي الرئيس، إن المشكلة الوجودية لأمثال المثقفين المستلبين الذين يحاربون مسيحية المغاربة هو ولاءهم للهالكين من ذوي نعمتهم في السعودية التي تغتال معارضيها بغباء، وسائر الشرق الأوسط، إذ تم تحويلهم إلى مثقفين مستلبين.. أجسادهم بتمازغا المغرب وعقولهم في بغداد (بعد أن كانت منذ سنوات بموسكو)، فعندما ينفصل الجسد عن العقل فإنه يصير سراجاً صدئاً انطفأ نوره، وهؤلاء المثقفين انطفأ نورهم، فالعقل سيدي الرئيس مدرسة لا حدود لها، فالجرأة على استعمال العقل هي التربية التي تؤسس لمواطن محصن من الخوف، إذ ليس في التفكير العقلي إكليروس أو عقول متصلة بالسماء أو كهنوت عالم بعوالم الغموض، أو موهمون يتوهمون أنهم أقرب الناس إلى الحق لكي يسمحوا لأنفسهم المعتلة بأن تضع على العقول ضوابط المنع والحجز حتى يخلوا لهم المجال ليمارسوا التضليل و التعتيم باسم التخويف من غيب يحسبون خطأ أنهم يمتلكون وحدهم مفاتيحه السرية.. الجرأة على استعمال العقل هي حرب مفتوحة ضد الأقلية التي تريد حكم العباد باسم المقدس طمع في نيل متاع المدنس، لن يمكنها أن تنجح في مشروعها التأتيمي عندما نبادر وبقناعة بيداغوجية لكي نصنع بسلطة الخيال المبدع مدرسة تعلم فنون التحليق في العوالم المنفلتة، والأسرار المنزوية في عتمات العقل المحاصر بحدود شائكة.
سيدي الرئيس، إنً عقولنا هي أكبر من أن تبقى رهينة هذا القصور في الوعي بالاختلاف، الذي من السهل أن تُحرفه وتحوله إلى خلاف، ونتهم صاحبه هذا بالمروق و بالعمالة، والخيانة، لا لشيء إلا لأنه قال ما لا نجرؤ على قوله، أو نُحاول أن نخفيه من حقائق لا يمكن أن يتناطح عليها عنزان كما يقال، يجب أن نقر بأننا مُختلفون سيدي الرئيس عقائديا وفكريا، يجب بأن نقر أن لكل منا حوضه “الوجودي” الذي يلحد فيه أو يؤمن فيه بما يشاء من الأفكار والفلسفات المادية وغير المادية، لهذا فحرية المعتقد التي نناضل من أجلها منذ سنة 2008 في أول خروج لنا بقناة الجزيرة هي الذكاء الإنساني الذي نناضل من أجل ترسيخه ببلادنا.

سيدي الرئيس، إن هذا الزمن شبيه بزمن أبي حيان التوحيدي بامتياز حتى ليهم الواحد بحرق ما خطت يداه في بلد لا يقرأ، في وطن يتسيد فيه الجهلة وأنصاف المتعلمين، ولكنني غير نادم على تورطي الجميل في القراءة ومحاورة الآخر الغريب عني، إنني لا أخفيك شيئاً، فكلما وقفت للتأمل في حال بلدي أكتشف أن الأفق مظلم للمطالبين بحرية المعتقد، أفق سوداوي، فأحتار في تحديد مكاني وخريطة انتمائي، ربما نتساءل دوما إن كان لنا وطن نحن الذين لا ندين بالإسلام، وهل وطننا هو ذاك الذي نحمل اسمه على أوراقنا الثبوتية، أم هو ذاك الذي نهاجر إليه أو نختاره منفى لنا، ونصبوا إلى معانقته.

إنني أسكن وطنا سيدي الرئيس، قيل عنه الاستثناء، لكنه ليس كذلك، هذه حقيقة تربكني، توتر هدوئي، وتشعل الحريق بداخلي، هذه لمحة عن هذا الوطن المظلم الشبيه بالنهار المزيف، شبيه ببرلمانيه الذين يختطفون الحلوى من الموائد، وشبيه بسياسيه الذين يتكلمون عن حقوق الإنسان وهم يتصببون عرقا أمام المنظمات الحقوقية الدولية، لا شك أنهم بؤساء كل هؤلاء المهمهمين المزورين للحقائق المتعلقة بحقوق الإنسان المرفوعة إلى المنتظم الدولي…، فرغم تلبدهم في البرلمان والمجلس الحكومي فإنهم يتدفؤن ببعضهم البعض، ويتفاخرون بأن صناديق الاقتراع أتت بهم للسلطة – ربما يكون هذا صحيحا.

لم أعد أطيق هؤلاء السياسيين البائعين الوهم لمنتخبيهم، يبدوا لي أن هؤلاء تفوح منهم رائحة الكذب بهذا الوطن المنكوب برجاله ونسائه، شبابه وصغاره.
خاتمة: سيدي الرئيس، إنني أعرفك من خلال ندوات ولقاءات مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية، والذي لي الشرف أن أكون أحد أعضائه، عرفتك لما كنت رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وعرفتك خصوصاً في إحدى مشركاتك بمدينة مراكش حول الفضاء المغاربي الذي طرحت فيه ورقة عن هذا الموضوع (الاتحاد المغاربي)، ذكرت لك ذلك لأنك من أحد السياسيين القلائل الذين يتصفون بملكة الذكاء العملي، وملكة محبة الناس التي لا رياء فيها، لذلك خاطبتك في هذا المقال الوجيز أن تأخذ حرية المعتقد في اعتباراتك السياسية والحقوقية، لأنها المدخل الوحيد لدولة الحق والقانون.

محمد سعيد: باحث في العلوم الإنسانية، وعضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية