في خطوة تعكس قوة الثقافة كرافعة اقتصادية، تحوّل مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة إلى نموذج دولي ملهم للاستثمار الثقافي والتنمية المستدامة. جاء ذلك بعد تسليط الضوء على التجربة المغربية خلال مؤتمر الاستثمار الثقافي الذي نظمته وزارة الثقافة السعودية في الرياض. وقد شهد المؤتمر مشاركة أكثر من 150 شخصية من مجالات الفن والثقافة والإبداع.
التجربة المغربية: من التراث المحلي إلى المنصة العالمية
قدمت نايلة التازي، مؤسسة المهرجان ومديرة شركة “A3 Communication”، شهادة حية حول كيفية تحويل التراث اللامادي إلى محرك اقتصادي حقيقي. فمنذ انطلاقته، نجح مهرجان كناوة في إخراج موسيقى كناوة من دوائر التهميش، ومنحها بُعدًا عالميًا يليق بعمقها الثقافي والروحي.
ولم يعد المهرجان مجرد تظاهرة فنية سنوية، بل تحول إلى منصة استثمارية وسياحية متكاملة تساهم في خلق فرص الشغل. كما يعزز مكانة الصويرة على خريطة الثقافة العالمية. هذا النجاح يعود، حسب التازي، إلى رؤية استراتيجية جمعت بين الفاعلين المحليين والمبادرات الخاصة. لذلك جعلت هذه الرؤية الثقافة المغربية أداة فعالة للتنمية المستدامة.
الاستثمار الثقافي: نموذج اقتصادي متكامل
يمثل مهرجان كناوة نموذجًا حيًا لما يمكن تحقيقه عندما تُدمج الثقافة في السياسات المحلية كمحفّز اقتصادي واجتماعي. فالمهرجان لا يقتصر على البرمجة الفنية، بل يشمل:
التنمية السياحية: تحويل الصويرة إلى مقصد عالمي يتجاوز السياحة التقليدية
خلق فرص العمل: في مجالات السياحة، الحرف اليدوية، والإنتاج الثقافي
الترويج للتراث اللامادي الإفريقي: منح موسيقى كناوة المكانة التي تستحقها دوليًا
تشجيع المقاولة الثقافية: فتح آفاق جديدة للاستثمار في الصناعات الإبداعية
الشباب في قلب الرؤية الثقافية
وضع المهرجان الشباب في صلب رؤيته منذ البداية، موفرًا لهم فضاءً للتعبير والتفاعل مع ثقافات متنوعة. هنا تلتقي الإيقاعات التقليدية بالأنغام المعاصرة، مما يعزز انفتاح الأجيال الجديدة على العالم دون أن يفقدوا صلتهم بجذورهم الثقافية.
هذا المزج الفريد بين الأصالة والحداثة يُعد من أبرز مقومات جاذبية المهرجان. كذلك يظهر في قدرته على استقطاب أجيال متعاقبة من المبدعين والجمهور على حد سواء.
الدبلوماسية الثقافية: قوة ناعمة بأبعاد استراتيجية
يمثل نجاح مهرجان كناوة في الوصول إلى المنصات الدولية نموذجًا للدبلوماسية الثقافية الفعالة. فعندما تصبح موسيقى العالم جسرًا للتواصل بين الشعوب، تتعزز صورة البلد وتتوسع فرص التعاون الثقافي والاقتصادي.
وتؤكد التجربة المغربية في مهرجان كناوة أن الثقافة في السعودية والمنطقة العربية يمكن أن تكون محركًا حقيقيًا للتنمية، شريطة توفر الرؤية الاستراتيجية والشراكة الفعالة بين القطاعين العام والخاص. فمن الصويرة إلى الرياض، يواصل مهرجان كناوة إلهام صناع القرار الثقافي في العالم العربي. وهو يثبت أن التنمية المستدامة تبدأ من احترام التراث واستثماره بذكاء. كما أن الثقافة ليست رفاهية بل ضرورة استراتيجية لبناء المستقبل.