تطرح مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027، أسئلة تتجاوز التوجهات الاقتصادية والميزانياتية التي تتضمنها.
ويرى عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق، أن خصوصية المذكرة ترتبط أساسا بالسياق المؤسساتي الذي أُعدت فيه.
وتأتي الوثيقة عشية الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر المقبل، وما ستفرزه من حكومة وأغلبية جديدتين.
ويعتبر الصديقي أن هذا الوضع يجعل المذكرة وثيقة انتقالية بين ولايتين تشريعيتين.
مذكرة مالية في سياق مؤسساتي خاص
ترتكز مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 على أربع أولويات رئيسية.
وتتعلق هذه الأولويات بترسيخ الدولة الاجتماعية، ومواصلة الأوراش الكبرى، وتعزيز الصمود الاقتصادي، والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية والميزانياتية.
غير أن الوثيقة، وفق قراءة الصديقي، تتميز أيضا بتوسع حضور الإجراءات الإدارية والجداول الزمنية وآليات التتبع.
ويرى أن هذا التطور يجعل المذكرة تقترب في بعض جوانبها من خطة عمل إدارية.
كما تبرز الوثيقة دور الإدارة، ولاسيما مديرية الميزانية، في إعداد التوجهات المرتبطة بالميزانية المقبلة.
ويعزو الصديقي اعتماد المذكرة بدرجة أكبر على التوجيهات الملكية إلى طبيعة المرحلة السياسية الحالية.
فالحكومة الحالية تقترب من نهاية ولايتها، بينما لم تتحدد بعد تركيبة الأغلبية والحكومة المقبلتين.
انتخابات شتنبر تضيق هامش الحكومة المقبلة
تواجه الحكومة الجديدة، بحسب الصديقي، إكراها زمنيا عند إعداد أول مشروع قانون مالية في ولايتها.
ومن المقرر إجراء الانتخابات التشريعية في نهاية شتنبر، بينما تنعقد الدورة البرلمانية في بداية أكتوبر.
ويتعين إيداع مشروع قانون المالية قبل 20 أكتوبر، وفق المقتضيات القانونية المنظمة للعملية.
وتتزامن هذه الفترة مع تسمية رئيس الحكومة وإجراء المشاورات وتشكيل الأغلبية والحكومة.
كما يتعين إعداد البرنامج الحكومي وعرضه على البرلمان لنيل الثقة خلال الفترة نفسها.
ويؤدي هذا التسلسل الزمني إلى تقليص قدرة الحكومة الجديدة على إعداد ميزانيتها الأولى بشكل كامل.
ويصف الصديقي الوضع بأنه مفارقة بين الزمن الديمقراطي والزمن الميزانياتي.
فالميزانية الأولى للولاية الجديدة تكون قد أُعدت إلى حد كبير قبل استقرار الحكومة المكلفة بتنفيذها.
أولويات غائبة عن مذكرة 2027
يسجل الصديقي، في قراءته للمذكرة، غياب عدد من الملفات عن الأولويات المعلنة.
ويأتي إدماج القطاع غير المهيكل في مقدمة هذه الملفات، بالنظر إلى وزنه داخل الاقتصاد المغربي.
ويربط الكاتب إدماج هذا القطاع بتوسيع الوعاء الضريبي وحماية حقوق العمال وتعزيز المنافسة.
كما يعتبر أن مكافحة الفساد والاقتصاد الريعي تحتاج إلى حضور أوضح ضمن الاستراتيجية الميزانياتية.
ويرى أن هذه الملفات تؤثر في فعالية الإنفاق العمومي وثقة المستثمرين وتنافسية الاقتصاد.
ويطرح الصديقي كذلك مسألة إصلاح أنظمة التقاعد، بالنظر إلى ارتباطها باستدامة المالية العمومية والإنصاف بين الأجيال.
كما يدعو إلى جعل الابتكار والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي جزءا من رؤية أفقية للسياسات العمومية.
التنمية الترابية أمام اختبار جديد
يتوقف الصديقي أيضا عند البعد الترابي للاستثمارات العمومية. ويرى أن المشاريع الكبرى تستفيد منها أساسا الأقطاب الحضرية والبنيات التحتية الوطنية.
في المقابل، يحضر ما يسميه «المغرب المحيطي» أساسا من خلال برامج فك العزلة وتحسين الخدمات.
ويعتبر أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تعوض استراتيجية متكاملة للتنمية الاقتصادية للمجالات الترابية.
ويطرح بذلك الانتقال من منطق تدارك التأخر إلى منطق خلق الثروة داخل مختلف الجهات.
ويشدد على ضرورة تمكين المجالات الترابية من تثمين مواردها وجذب الاستثمارات وخلق فرص شغل مستدامة.
دعوة إلى إعادة ترتيب الأجندة الميزانياتية
يفتح الصديقي من خلال هذه القراءة نقاشا حول مدى ملاءمة الجدولة الزمنية الحالية مع متطلبات الحكامة الميزانياتية.
ويقترح التفكير في تنظيم الانتخابات التشريعية خلال يونيو من السنة الأخيرة للولاية التشريعية.
ومن شأن هذا التغيير، وفق التصور المقترح، منح الحكومة المقبلة وقتا أطول لتشكيل أغلبيتها وإعداد برنامجها.
كما سيسمح بإعداد أول مشروع قانون مالية باعتباره ترجمة فعلية للالتزامات المقدمة إلى الناخبين.
ويربط الصديقي هذا المسار أيضا بضرورة تسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية.
ويعتبر أن الإصلاح المنتظر ينبغي ألا يقتصر على تعديلات تقنية.
بل يتعين أن يعزز البعد الاستراتيجي لمذكرة التأطير، ويوضح أدوار السلطات السياسية والإدارة.
كما ينبغي أن يطور تقييم السياسات العمومية ويربط المساطر الميزانياتية بالمسؤولية والشفافية والنجاعة.
وتخلص هذه القراءة إلى أن مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 تتجاوز وظيفتها التحضيرية.
فهي تكشف، بحسب الصديقي، تحديات مرتبطة بتداخل الاستمرارية الاستراتيجية للدولة مع الشرعية الديمقراطية وفعالية القرار العمومي.
وتبقى جودة الحكامة الميزانياتية مرتبطة بمدى القدرة على تحقيق التوازن بين هذه الأبعاد.