أحمد نشاطي
حين تُذكر الدارالبيضاء، غالبا ما يحضر في الأذهان وجهها الرسمي الأكثر شيوعا: مدينة المال والأعمال، القلب الاقتصادي للمغرب، فضاء الأبراج الزجاجية، الطرق السريعة، المشاريع الكبرى، والميناء الذي يربط البلاد بالعالم… هكذا يتم تقديم المدينة. وهكذا قد نحب أحيانا أن نراها…
المدينة التي صنعتها الهجرة
لكن هذه الصورة الترويجية تخفي تاريخا آخر: فالدارالبيضاء لم يجرِ بناؤها فقط كـ”قلب اقتصادي”، وإنما أيضا كـ”مدينة للعمال”. لقد استقطبت، منذ بدايات القرن العشرين، آلاف المهاجرين من الريف والأطلس والجنوب، بوعد العمل في الشركة المغربية (Compagnie Marocaine) وغيرها من المؤسسات الاستعمارية الفرنسية. كما استقطبت في المصانع، وفي أوراش الميناء… وهكذا، فإن “الوجه الآخر”، الذي نتحدث عنه، يتعدّى كونه مجرد “هامش” تقليدي لم تلحقه الحداثة. بل هو يجسد، في جزء مهم منه، الوجه الأصلي للمدينة: وجه العمال والمهاجرين والذين جاؤوا بوعد لم يكتمل.
ذلك هو الوجه الذي يدفعنا كتاب الدكتور محمد العودي، في مقاربته لمقاولات الفقر والاقتصاد غير المهيكل في الدارالبيضاء، إلى إعادة النظر فيه بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم المدينة. والدارالبيضاء، كما يكشفها هذا البحث الأكاديمي والميداني العميق، ليست فقط مدينة تُنتج الثروة. إنها أيضا مدينة تنتج أشكالا معقدة من الهشاشة. كذلك تدفع أعدادا كبيرة من سكانها إلى بناء اقتصاد كامل خارج الأطر الرسمية. هذا اقتصاد لا يظهر في الميزانيات الكبرى، لكنه حاضر في كل شارع، وفي كل سوق، وفي كل زاوية من زوايا الحياة اليومية.
الفقر يرفض أن يكون في “مكان” واحد
وكما يُوثّق العودي، في تحليله “الجغرافي” أو المكاني، فإن “الظاهرة”، أي شبكة الأنشطة الصغرى، “تغطي بشكل خاص مجموعات كبيرة من الأحياء”، وهي ليست مقتصرة على “أحياء الصفيح” كما قد نتصور. والتراتبية المكانية للظاهرة ليست متباينة بما فيه الكفاية، والفقر هنا “ليس بالضرورة مهمشا مكانيّا”. بل إن “التوزيع المكاني للظاهرة مستقل نوعا ما عن الروابط الجغرافية”.
هذا يعني أن الدرب، تلك الوحدة التقليدية للمدينة المغاربية، يميل إلى التلاشي. ويحل محله “التوسع الأخطبوطي للمجال الحضري”. كذلك، فإن “وسط المدينة”، الذي “يُشير قبل كل شيء إلى تفوق الدارالبيضاء على بقية الفضاء الوطني”، يحتضن في آن واحد “القطاع الثالث الرفيع” و”أنشطة فرعية بصورة مضخمة وبنوع من الغرور”.
وتشمل هذه: “حراس السيارات، ملمعو الأحذية، الباعة الصغار العابرون، التجار المتجولون، السماسرة، مُصلحو الآلات الصغار، موقف الخادمات، المتسولون، البغايا”. وهذه القائمة الطويلة هي، في الحقيقة، “الوجه الآخر” للمدينة. إنه وجه يتجاوز “العمالة الحضرية الدارالبيضاء-أنفا” (31.8%) ليشمل “جماعة سيدي بليوط” (11.8%) وغيرها. كأن الفقر يرفض أن يكون في “مكان” واحد، ويُعيد رسم خريطة المدينة من الأسفل.
حين ينظم الفقراء اقتصادهم
ما لا نراه في الدارالبيضاء ليس الفقر فقط، هناك أيضا كيفية تنظيم الفقر لنفسه. هنا تكمن إحدى أكثر أفكار الكتاب قوة وعمقا. فالفقراء في المدينة لا يعيشون فقط على هامش الاقتصاد. بل يبتكرون، داخل ذلك الهامش، نظاما خاصا للبقاء. البائع المتجول، الحمّال، العامل الموسمي، صانع الخدمات الصغيرة، “الفرّاش”، المشتغل في المهن غير المصرّح بها…، كل هؤلاء ليسوا مجرد أفراد يكافحون منفردين. إنهم أجزاء من شبكة اجتماعية واقتصادية متشابكة، تمنح للمدينة استقرارا لا تعترف به دائما. إذ يصبح الفضاء الحضري نفسه موردا اقتصاديا: فالرصيف ليس مجرد “مكان” للوقوف، إنه “رأسمال” يُستأجر، أحيانا بثمن نقدي يومي، وأحيانا بثمن دم قد يدفعه البائع المتجول في صراعات الحدود مع بائعين آخرين… كذلك، فإن السوق الشعبي في المدينة ليس فقط فضاء للتبادل، بل هو منظومة كاملة من العلاقات والتسلسلات والامتيازات غير المكتوبة، التي تُنتج، في آن واحد، الربح والهشاشة.
هذه مفارقة تستحق التوقف: كثير من مظاهر الحياة اليومية للمدينة يستند إلى عمل أشخاص لا تعترف بهم المدينة رسميا. وكثير من التوازن الاجتماعي، الذي يبدو طبيعيا، يستند في الحقيقة إلى اقتصاد غير مرئي. ويستند أيضا إلى مجهود يومي هائل يبذله أشخاص لا يملكون ضمانات، ولا حماية، ولا حتى يقينا بأن يومهم التالي سيشبه يومهم السابق.
في هذا المعنى، يصبح “الاقتصاد غير المهيكل” أكبر من مجرد خلل ينبغي إصلاحه، أو بقايا مرحلة ينبغي تجاوزها، إنه يظهر كمرآة تكشف حدود النموذج الحضري نفسه. ماذا يعني أن تتوسع المدينة باستمرار، بينما تتسع معها أشكال الهشاشة؟ ماذا يعني أن تزداد الاستثمارات، لكن تظل فئات واسعة خارج دائرة الأمان الاقتصادي؟ وأيضا، ما معنى أن تُبنى مدينة حديثة، لكن يظل كثير من سكانها محكومين بهاجس العيش اليومي لا بأفق الحياة الكريمة؟
اقتصاد يعيش على هامش الشرعية
الجواب الذي يلمح إليه الكتاب ليس بسيطا، لكنه واضح في جوهره: المدينة لا تُنتج فقط فرصا، بل إنها تنتج أيضا استبعادا. والدارالبيضاء، بما تمثله من كثافة اقتصادية واجتماعية، تكشف هذه الحقيقة بوضوح شديد. فهي تستقطب الناس بوعد العمل، ثم تترك كثيرين منهم يصنعون، بأنفسهم، شروط بقائهم.
وهنا تحديدا تكمن إحدى وظائف هذا الكتاب: إنه يعيد إلينا القدرة على رؤية ما اعتدنا المرور بجانبه من دون أن نتوقف عنده. لأن المشكلة ليست فقط في وجود هذا الوجه الآخر، بل في اعتيادنا عليه إلى حد أننا لم نعد نراه. فقد صار بائع الرصيف جزءا من المشهد. وصار العمل غير المهيكل تفصيلا عاديا. كذلك، صارت الهشاشة مألوفة إلى درجة أنها فقدت قدرتها على إثارة السؤال. وهذا ربما أخطر ما يمكن أن يحدث: أن يتحول الاستثناء إلى طبيعة، وأن يصبح التفاوت جزءا من المشهد الذي لا يلفت الانتباه…
وكما يوضح العودي، في تحليله الميداني، فإن “الباعة الصغار الذين يمارسون نشاطهم في الشارع وفي أماكن غير مؤهلة” يكونون “على هامش الشرعية”، لكنهم ليسوا خارج القانون كليا. فهم موجودون في “هامش” تسمح السلطات أحيانا بالوجود فيه، لكنها تعارضه أحيانا أخرى. كما يواجهون “عداء السلطات المحلية” من جهة، و”اتهامات أصحاب المحلات المرخصة” من جهة أخرى، بأنهم “يعرقلون تجارتهم”. ورغم ذلك، فإن هذا النوع من التجارة “يسمح بتداول عدد لا نهائي من المنتجات، وإن كان ذلك بكميات صغيرة”. إنه منطق “المقاولة” بمعناها الدقيق: الربح في الهامش، البقاء في التشتت…
ويضيف العودي تفصيلا ميدانيا حاسما: فهؤلاء الباعة، سواء كانوا “متجولين” يحصلون على منتجاتهم “من تجار الجملة أو نصف الجملة أو المنتجين المباشرين، أو عن طريق التهريب من سبتة ومليلية”، أو كانوا “مستقرين” في “أماكن محددة، عند زاوية شارع، في أسواق مفتوحة (أراض خلاء)، أو في محلات بسيطة ومؤقتة (خيام، أكواخ، كوريات، جوطيات…)”، فإنهم جميعا يُنتجون “فضاء” خاصا بالمدينة. إنه فضاء لا يظهر في الخرائط الرسمية ولا في الميزانيات. لكنه حاضر في “الزاوية” وفي “الجوطية” وفي “المُوقفْ”.
مدينة تعتمد في توازنها على من يعيشون خارج الاعتراف الكامل
لهذا، فإن قيمة كتاب الدكتور محمد العودي لا تكمن فقط في وصف وتحليل ما يجري، بقدر ما تبرز أكثر في إعادة قدرتنا على النظر. إذ يعيد إلينا حساسية السؤال: كيف يمكن لمدينة بهذا الحجم، وبهذه الحيوية، أن تعتمد، في جزء من توازنها، على من يعيشون خارج الاعتراف الكامل؟
اليوم، ونحن نتحدث كثيرا عن الدولة الاجتماعية، وعن الإدماج، وعن تقليص الفوارق، أعتقد أن على صناع النظر وصناع القرار أن يقرأوا أو يعيدوا قراءة كتاب الدكتور محمد العودي. لأن هذا الكتاب يمنحنا أفقا لإعادة النظر إلى هذه المدينة من أسفل لا من أعلى، ومن الشارع لا من البرج، ومن اقتصاد البقاء لا فقط من مؤشرات النمو… فالدراالبيضاء، التي لا نراها، ليست مدينة أخرى، بل هي المدينة نفسها. لكنها المدينة حين تُقرأ من زاوية أولئك الذين يحملونها على أكتافهم، دون أن يظهروا في صورتها الرسمية… فمشاريع “العقود-البرامج”، و”الأوراش الكبرى”، و”تجديد المباني”، التي تُزيّن الدارالبيضاء، غالبا ما تأتي على حساب الأسواق الشعبية وبيوت الأحياء العتيقة وحقوق باعة الرصيف. وأما الترحيل، باسم “التأهيل الحضري”، فهو ليس مجرد نقل مكاني. بل إنه نزع قسري للرأسمال الاجتماعي، الذي بنته هذه الفئات على مدى عقود. وهكذا، فإن “المدينة الحديثة” تُنتج، في كل مرة، “المدينة الأخرى” التي ترفض الاختفاء…