تفرض قضايا التنقل نفسها يوميا على ملايين المرتفقين في جهة الدار البيضاء-سطات. وتشمل أبرز الانشغالات مدة الرحلات، وانتظام المواعيد، والازدحام، وتكلفة النقل، ومدى تغطية مختلف المجالات الترابية.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، تكتسب هذه المطالب أهمية أكبر. وتنتظر فئات واسعة من الأحزاب السياسية تقديم إجابات ملموسة عن مشاكل النقل والتنقل.
ومن الدار البيضاء إلى سطات، مرورا بالمحمدية وبرشيد والجديدة، تختلف الاحتياجات حسب المناطق والفئات. غير أنها تلتقي عند مطلب مشترك، يتمثل في توفير نقل أكثر سلاسة وانتظاما وملاءمة للحياة اليومية.
ويرى الاقتصادي والمتخصص في السياسات العمومية، عبد الغني يومني، أن النقل والتنقل يجب أن يحتلا مكانة محورية في برامج الأحزاب السياسية. وأوضح أن أهمية الملف ترتبط بالوزن السكاني والاقتصادي الكبير للجهة.
النقل في الدار البيضاء-سطات رهان اقتصادي واجتماعي
ذكر يومني، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الجهة تضم أكثر من 20 في المائة من سكان المملكة. ويقارب عدد سكانها 7,7 ملايين نسمة، بينما تساهم بنسبة 32,2 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني.
وبناء على ذلك، يعتبر يومني أن التنقل يشكل رهانا للقدرة الشرائية والعدالة المجالية والتنافسية الاقتصادية. كما يرى أن الازدحام المروري يتحول إلى «ضريبة غير مرئية» تثقل إنتاجية المقاولات.
وبحسب المتخصص في السياسات العمومية، تكشف تجارب الحواضر الدولية الكبرى أهمية شبكات السكك الحديدية الحضرية. كما يبرز التكامل بين وسائل النقل باعتباره رافعة لتقريب مجالات السكن والعمل.
وفي هذا السياق، يرى يومني أن جهة الدار البيضاء-سطات أمام فرصة لتعزيز الولوجية داخل الحاضرة. ويمكن لهذا التوجه، وفق تصوره، أن يجعل التنقل عاملا إضافيا لدعم التنافسية.
ثلاثة أولويات أمام الأحزاب السياسية
ويقترح يومني تركيز الأحزاب السياسية على ثلاثة أولويات أساسية في مجال النقل. وتتمثل الأولى في تسريع تطوير شبكة حقيقية للنقل الحضري والجهوي.
ويبرز ضمن هذه الأولوية مشروع القطار الجهوي السريع. أما الأولوية الثانية، فتتعلق بتحسين التنسيق بين مختلف وسائل النقل المتاحة للمرتفقين.
ويشمل ذلك القطار والترامواي وحافلات الباصواي والحافلات وسيارات الأجرة. كما تشمل الأولويات تعزيز الربط بين الدار البيضاء والأقطاب الاقتصادية والسكنية والمينائية والجوية الرئيسية بالجهة.
غير أن يومني يرى أن بناء المزيد من البنيات التحتية وحده لن يكون كافيا. ويطرح، في المقابل، ضرورة جعل النقل الجماعي ركيزة للانتقال الطاقي.
النقل الجماعي في قلب الانتقال الطاقي
أوضح يومني أن النقل يمثل نحو 38 في المائة من الاستهلاك النهائي للطاقة في المغرب. كما لا يزال القطاع يعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة الأحفورية.
لذلك، يرى أن تطوير الترامواي والقطار الجهوي السريع والحافلات يجب أن يواكبَه اعتماد تدريجي لكهربة النقل الجماعي. ويشدد في الوقت نفسه على ضرورة إرساء تكامل فعلي بين مختلف الوسائل.
ويتمثل الهدف، بحسب يومني، في تسهيل انتقال المرتفق من وسيلة نقل إلى أخرى. كما يسعى هذا التوجه إلى تشجيع التحول من السيارات الخاصة نحو نقل جماعي موثوق ومتاح وتنافسي.
ومن شأن ذلك، وفق المتخصص، الحد من آثار الازدحام والتلوث والضوضاء. كما يمكن أن يساهم في تقليص الخسائر المرتبطة بفقدان الإنتاجية.
المواطنون يضعون المواعيد والتكلفة في الواجهة
وعلى أرض الواقع، تعكس تصريحات مواطنين لوكالة المغرب العربي للأنباء جانبا آخر من انتظارات النقل. وترتبط هذه المطالب أساسا بوتيرة الرحلات واحترام المواعيد والتنظيم والتكلفة.
كما يظل انسياب حركة السير من أبرز الملفات التي تؤثر في الحياة اليومية للمواطنين. ويأمل زكرياء، وهو موظف، أن تشهد السنوات المقبلة تحسنا في النقل وتنظيمه.
ويركز زكرياء بشكل خاص على مواقيت الرحلات والرقمنة. وقال: «نريد المزيد من وسائل النقل، ولكن نريد أيضا الجودة وليس الفوضى».
ويرى الموظف أن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة تجعل تحسين خدمات النقل أكثر إلحاحا. لذلك، يربط جزءا من انتظاراته بضرورة تطوير جودة الخدمة.
المحروقات والتطبيقات غير المرخصة ضمن مطالب المهنيين
أما فريدة، وهي متقاعدة، فتنظر بإيجابية إلى التطورات الجارية في مجال النقل. لكنها تأمل في إدخال تحسينات جديدة على مستوى الخدمات.
وقالت إن «الأمور تسير بشكل جيد»، لكنها تريد حكومة تدفع بالتطورات إلى الأمام بشكل أكبر. كما تأمل أن يكون «كل شيء في مستوى الحدث» في أفق كأس العالم 2030.
وبالنسبة إلى عبد الرحمن، وهو سائق مهني، تختلف الأولويات. لكنه يربطها بدوره بالمشاكل اليومية التي تواجه العاملين في قطاع النقل.
ويذكر السائق، على الخصوص، غلاء أسعار المحروقات والازدحام المروري. كما يثير ملف اللجوء إلى تطبيقات النقل غير المرخصة، منتظرا بشأن هذه الملفات أجوبة من المنتخبين المقبلين.
سطات والمحمدية تكشفان اختلاف الاحتياجات
وفي المحمدية، تنظر فاطمة الزهراء، وهي مقاولة ذاتية، إلى وضع النقل بنظرة أكثر توازنا. وتسجل الجهود المبذولة لتطوير البنيات التحتية وتحسين ربط المدينة بمحيطها.
وترى أن هذه الدينامية تندرج ضمن المشاريع الكبرى والرؤية المستنيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. ومع ذلك، تنتظر من الأحزاب السياسية والحكومة المقبلة مواكبة هذه الجهود بحلول مبتكرة.
أما في سطات، فيلفت ياسين، وهو طالب جامعي، الانتباه إلى صعوبات النقل التي يواجهها الطلبة. ويخص بالذكر الطلبة المنحدرين من أوساط محدودة الدخل.
ويشير إلى حافلات غالبا ما تكون تحت ضغط كبير. كما يتحدث عن خطوط لا تأخذ، بحسب رأيه، ما يكفي من الاعتبار للمناطق التي تتركز فيها الحاجيات.
ويتطلع الطالب إلى أن تقدم الحكومة المقبلة حلولا واقعية لهذه الإشكالات. ويقترح، في هذا السياق، رفع عدد الحافلات وتحسين تنظيم الخطوط.
كما يدعو إلى تأمين خدمة النقل في المناطق الأكثر بعدا. ويرى أن تحسين هذه الخدمات يمكن أن يخفف جزءا من صعوبات التنقل اليومية للطلبة.
النقل في صلب انتظارات الناخبين
وهكذا، تستعد جهة الدار البيضاء-سطات لمرحلة جديدة في مجال التنقل. غير أن نجاح المشاريع لن يقاس فقط بعدد الكيلومترات المنجزة.
بل سيقاس، وفق الانتظارات المعبر عنها، بمدى قدرة هذه البنيات على تقليص المسافات. كما يرتبط النجاح بتبسيط التنقلات اليومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، تنتظر فئات واسعة من المواطنين مقترحات الأحزاب في هذا الملف. ويشمل ذلك الحلول المرتبطة بالنقل الحضري والجهوي، فضلا عن التكلفة والتنظيم والربط بين مختلف المجالات.
وبذلك، يتحول النقل من مجرد خدمة يومية إلى ملف يرتبط أيضا بالقدرة الشرائية والتنافسية الاقتصادية والعدالة المجالية. وتضع هذه الانتظارات الأحزاب أمام اختبار عملي يتجاوز الوعود العامة إلى حلول قابلة للقياس في الحياة اليومية.