تتحول الأسواق الأسبوعية، خلال الحملات الانتخابية، إلى محطات بارزة في جولات المرشحين بالعالم القروي.
وتوفر هذه الفضاءات فرصة للتواصل المباشر مع ناخبين يتوافدون من دواوير وجماعات متفرقة. كما تجمع، في مكان واحد، فئات يصعب على الحملات الوصول إليها بشكل منفصل داخل مناطقها المتباعدة.
ويحتفظ السوق بوظيفته الاقتصادية والاجتماعية، باعتباره فضاء للتجارة والتلاقي وتبادل الأخبار. غير أن الاستحقاقات الانتخابية تضيف إليه وظيفة أخرى، إذ يصبح فضاء مفتوحا للحملات، تتقاطع داخله خطابات المرشحين مع أسئلة المواطنين وانتظاراتهم المحلية.
ويقدم سوق “أربعاء أولاد سعيد” بإقليم سطات نموذجا لهذا الحضور الانتخابي. فقد استقبل السوق حملات تواصلية حزبية بألوان ورموز مختلفة، في مشهد امتزجت فيه الحركة التجارية بالتواصل المباشر بين المرشحين والناخبين.
وتجري الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر 2026، فيما تمتد الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر، وفق المعطيات الرسمية.
سوق أربعاء أولاد سعيد على إيقاع الحملة
منذ الساعات الأولى للصباح، خرج سوق “أربعاء أولاد سعيد” عن إيقاعه الأسبوعي المعتاد. واختلطت حركة الفلاحين والتجار والمتسوقين بمواكب حملات انتخابية قادمة من سطات.
وكان الهدف واضحا بالنسبة إلى الحملات المتوافدة على السوق: استثمار كثافة رواده وتنوع المناطق التي يفدون منها. وهكذا، أتاحت جولة واحدة إمكانية التواصل مع ناخبين يصعب لقاء بعضهم داخل دواويرهم المتباعدة.
وعلى بعد نحو 21 كيلومترا من سطات في اتجاه الجديدة، وصلت مواكب السيارات والشاحنات تباعا. وحملت هذه المواكب ألوانا ورموزا انتخابية مختلفة، بينما ارتدى شباب ورجال ونساء صدريات تحمل شعارات الأحزاب.
وبعد الوصول، اتخذت كل حملة نقطة تجمع في محيط السوق. ثم أعاد أفرادها ترتيب صفوفهم قبل الانطلاق بين الممرات، بحثا عن أكبر عدد ممكن من فرص التواصل مع رواد السوق.
داخل السوق، استمرت الحركة التجارية كالمعتاد. لكن الحضور الانتخابي بدا واضحا في مختلف جنباته، حيث وزع المرشحون ومرافقوهم المنشورات، وصافحوا التجار والمتسوقين، وفتحوا معهم أحاديث مباشرة.
وبدأت بعض الأحاديث بتحية سريعة، قبل أن تتحول إلى نقاش حول حاجيات المنطقة وانتظارات سكانها. وفي أحيان أخرى، انتقل النقاش مباشرة إلى قضايا يومية تهم السكان.
حين يتحول المرور في السوق إلى نقاش انتخابي
ارتفع مستوى النقاش أحيانا عندما واجه مواطن مرشحا بسؤال عن الماء أو الطرق والخدمات. كما طرح بعض المتسوقين أسئلة حول قدرة المرشحين على الوفاء بالتزاماتهم في حال نالوا ثقة الناخبين.
عندها، تحول المرور العابر إلى نقاش مفتوح. وقدم المرشحون ومرافقوهم إجاباتهم، كما عرضوا ما يعتبرونه أولويات في برامجهم الانتخابية.
وغالبا ما رافق المرشح أبناء من المنطقة يعرفون عددا كبيرا من مرتادي السوق. وتولى هؤلاء تقديم المرشح لهذا وذاك، مستندين في حديثهم إلى القرب من السكان ومعرفة المنطقة.
وفي بعض الحالات، حضرت روابط القرابة والانتماء إلى المنطقة ضمن الحجج التي يتداولها مؤيدو المرشحين مع رواد السوق. وبذلك، امتزج التواصل الانتخابي بالعلاقات الاجتماعية التي تميز عددا من مناطق العالم القروي.
الناخب يسأل والمرشح يجيب
غير بعيد عن حركة الحملات، اتخذت الانتخابات شكلا أكثر هدوءا داخل خيام الشاي والفطائر المقلية “الإسفنج”.
واستغل المتسوقون استراحة الفطور لاستعادة ما سمعوه قبل قليل. وأخرج بعضهم أوراق المرشحين من الجيوب، قبل أن تبدأ المقارنات والأسئلة حول معرفة كل مرشح بالمنطقة وقربه من مشاكلها.
ولم تمر كل الحملات بسهولة من أمام هذه الموائد. ففي بعض الحالات، تحولت جلسات الفطور إلى فضاءات صغيرة للمساءلة، حيث تلاحقت الأسئلة حول الماء والطرق والمرافق والخدمات.
كما طالت الأسئلة مصير الوعود بعد انتهاء الانتخابات. وظهر التحفظ على ملامح بعض المتسوقين، بينما حاول المرشحون ومرافقوهم تبديده بمزيد من الشرح وتقديم إجابات عن القضايا المطروحة.
وغالبا ما انتهت هذه النقاشات بعبارة تكررت خلال الجولة: “يكون خير.. الله يوفقكم”. وتبدو العبارة في ظاهرها دعاء بالتوفيق، لكنها قد تعني أيضا إنهاء النقاش بأدب وترك الحكم النهائي ليوم الاقتراع.
وفي زاوية أخرى من السوق، اختارت بعض الحملات أسلوبا مختلفا للتواصل. واعتمدت على منصات ومكبرات للصوت وتجمعات خطابية، قدم خلالها المرشحون قراءتهم لأوضاع المنطقة ومقترحاتهم.
ومع تقدم ساعات الصباح، ازدادت كثافة الحضور الانتخابي. وتوزعت الحملات بألوانها ورموزها المختلفة على جنبات السوق، ليصبح الموعد الأسبوعي محطة بارزة في الحملة الانتخابية بالمنطقة.
سوق أربعاء أولاد سعيد يكشف أولويات الناخبين
رغم تنوع الخطابات والبرامج، ظلت المطالب التي عبر عنها رواد السوق متقاربة إلى حد بعيد. وتصدرت ندرة المياه هذه المطالب، إلى جانب فك العزلة وتحسين الطرق والتجهيزات والخدمات بالمراكز القروية.
كما برز الاهتمام بأوضاع الفلاحين ضمن المطالب المتداولة. وامتدت الأسئلة، في المقابل، إلى قضايا الشغل والصحة والتعليم، بما يعكس اتساع انتظارات سكان العالم القروي.
وفي هذا السياق، قال إدريس عزري، وهو فاعل جمعوي بالمنطقة، إن السوق الأسبوعي شكل تاريخيا نقطة التقاء لأبناء القبيلة وسكان الدواوير المجاورة.
وأوضح، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذا المعطى يمنح السوق أهمية خاصة خلال فترة الحملة الانتخابية. وأضاف أن صعوبة الوصول إلى جميع الدواوير تجعل السوق فضاء عمليا للقاء سكان قادمين من مناطق متعددة في يوم واحد.
وأشار عزري إلى أن أثر إقناع شخص واحد قد يمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي داخل الدوار. ويرى أن مطالب سكان العالم القروي “بسيطة في صياغتها، لكنها ملحة”.
وتتمثل هذه المطالب، بحسب الفاعل الجمعوي، أساسا في معالجة مشكل نقص المياه ودعم الفلاحين. كما تشمل تحسين جودة التعليم وتقريب الخدمات الصحية.
واعتبر عزري أن المرشح يواجه داخل السوق اختبارا مباشرا. ويتطلب هذا الاختبار، بحسب تعبيره، “لغة واقعية وخطابا عقلانيا”.
ولا تبدو انتظارات رواد السوق بعيدة عن هذا التشخيص. فقد اختصر أحد الفلاحين أولويته في كلمة واحدة: “الماء”، معبرا عن أمله في أن تتحقق الوعود التي سمعها خلال ذلك الصباح.
أما فلاح شاب، فعبر عن أمله في أن يأخذ العالم القروي نصيبه من التنمية. كما دعا إلى مزيد من الاهتمام بالمنطقة، وهي مطالب تختصر جانبا من النقاش الانتخابي داخل السوق.
وترتبط السياسة، في هذا النقاش، بما يلامسه السكان مباشرة في حياتهم اليومية. لذلك، تحضر قضايا الماء والطرق والصحة والتعليم بقوة في أحاديث الناخبين والمرشحين على حد سواء.
نهاية جولة صباحية بطابع انتخابي
مع اقتراب الزوال، بدأت صورة السوق تتغير تدريجيا. وتراجعت أعداد المتسوقين بعدما أنهى كثير منهم حاجياته، بينما توزع أعضاء الحملات داخل الخيام لالتقاط الأنفاس بعد ساعات من المشي والمصافحات والنقاش.
وتجمع أعضاء الحملات حول عدد من طاولات السوق لأخذ قسط من الراحة. وجاء ذلك بعد نصف يوم من التجول والتواصل مع الناخبين وتقديم المرشحين وبرامجهم.
وبدا الارتياح على بعض المرشحين ومرافقيهم بعد تلقي عبارات تشجيع ووعود بالمساندة. ومع ذلك، ظل الحسم النهائي بيد الناخب يوم الاقتراع.
أما مرتادو “أربعاء أولاد سعيد”، فغادر كثير منهم المكان بالعبارة نفسها التي استقبلوا بها الخطب والمصافحات والوعود: “يكون خير”.