رغم صغر حجمه، يُعتبر البعوض من أكثر الكائنات الحية تسبباً في وفاة البشر حول العالم. إذ يتسبب سنوياً في مقتل مئات الآلاف بسبب الأمراض الخطيرة التي ينقلها. لهذا السبب، جعلت فكرة القضاء على البعوض تثير نقاشاً علمياً وأخلاقياً متزايداً بين الباحثين والخبراء.
وبحسب معطيات علمية حديثة، يتسبب البعوض في وفاة نحو 760 ألف شخص سنوياً. إذ ينقل أمراضاً معدية مثل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء وشيكونغونيا وزيكا. وهذه الأمراض تهدد ملايين البشر، خصوصاً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية.
القضاء على البعوض يعود إلى الواجهة
عاد ملف القضاء على البعوض إلى الواجهة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالتغير المناخي، الذي ساهم في انتشار هذه الحشرات في مناطق جديدة من العالم، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وطول فصول الصيف.
ويرى عدد من العلماء أن التخلص من الأنواع الأخطر من البعوض قد يشكل خطوة فعالة للحد من انتشار الأمراض القاتلة. خاصة أن عدداً محدوداً من الأنواع مسؤول عن أغلب حالات العدوى لدى البشر.
وتوضح هيلاري رانسون، الباحثة في كلية ليفربول للطب الاستوائي، أن نحو خمسة أنواع فقط من أصل حوالي 3500 نوع من البعوض مسؤولة عن حوالي 95 بالمئة من الأمراض المنقولة إلى الإنسان.
وأضافت أن هذه الأنواع تطورت بشكل يجعلها مرتبطة بشكل كبير بالبشر. سواء من حيث التغذية أو التكاثر بالقرب من التجمعات السكانية.
هل يؤثر القضاء على البعوض في البيئة؟
ورغم الدعوات المتزايدة للتخلص من البعوض الناقل للأمراض، لا يزال الجدل قائماً حول التأثير البيئي المحتمل لهذه الخطوة.
ويؤكد دان بيتش، الباحث بجامعة جامعة جورجيا، أن العلماء لا يملكون حتى الآن معلومات كافية حول الدور البيئي لمعظم أنواع البعوض. لذلك، اتخاذ قرار نهائي بشأن إبادته يبقى أمراً معقداً.
وأشار إلى أن البعوض يشكل مصدراً غذائياً لعدد من الكائنات الحية مثل الأسماك وبعض الحشرات. كما يساهم في تلقيح النباتات، رغم أن هذا الدور لا يزال غير مفهوم بشكل كامل.
تقنيات حديثة لمواجهة البعوض
ومن بين أبرز التقنيات الحديثة المطروحة في إطار القضاء على البعوض، تقنية “الدفع الجيني”. إذ تعتمد هذه التقنية على تعديل جينات بعض أنواع البعوض لجعلها عقيمة أو غير قادرة على نقل الأمراض.
وقد نجح علماء في المختبرات في تعديل إناث بعوض “أنوفيلة غامبية” الناقل لمرض الملاريا. ونتج عن ذلك القضاء على مجموعات كاملة منها خلال أجيال قليلة فقط.
كما تعمل مبادرة “تارغت ملاريا”، المدعومة من مؤسسة غيتس، على التحضير لتجارب ميدانية في دول متضررة من الملاريا. ومن المتوقع تنفيذ هذه التجارب بحلول عام 2030.
في المقابل، واجهت بعض المشاريع المرتبطة بالبعوض المعدل وراثياً معارضة قوية، خاصة في بوركينا فاسو. فقد تم توقيف مشروع سابق بعد انتقادات من المجتمع المدني وحملات تشكيك واسعة.
بكتيريا تقلل انتشار الأمراض
ومن الحلول الواعدة أيضاً، استخدام بعوض مصاب ببكتيريا “ولباكيا”، التي تمنع انتقال بعض الفيروسات مثل حمى الضنك.
وأظهرت دراسة نُشرت سنة 2025 أن إطلاق هذا النوع من البعوض في مدينة نيتيروي البرازيلية ساهم في خفض حالات حمى الضنك بنسبة وصلت إلى 89 بالمئة. ولم تسجل آثار سلبية على السكان.
ويستفيد حالياً أكثر من 16 مليون شخص في عدة دول من هذه التقنية. وتوصف بأنها أقل خطورة من الإبادة الكاملة للبعوض.
لا وجود لحل سحري
ورغم التطورات العلمية الكبيرة، يؤكد الخبراء أن القضاء على البعوض ليس حلاً سحرياً للقضاء على الأمراض المعدية.
وترى هيلاري رانسون أن مواجهة هذه الأمراض تتطلب مقاربة شاملة، تشمل تحسين أنظمة التشخيص والعلاج وتوفير اللقاحات. إضافة إلى تعزيز أنظمة الصحة العامة في الدول الأكثر تضرراً.
كما حذرت من أن تقليص المساعدات الدولية الموجهة لمكافحة الأمراض المعدية قد يهدد التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة في هذا المجال.