أثارت الفوارق الصارخة في سعر دواء “باراكلود” لعلاج التهاب الكبد B بين المغرب وتركيا صدمة واسعة في الأوساط الصحية والحقوقية، بعدما كُشف أن المرضى المغاربة يدفعون تسعة أضعاف السعر المتداول في تركيا، في مشهد يعكس اختلالات عميقة في منظومة تسعير الأدوية بالمغرب.
ويُباع دواء “باراكلود”، الذي يحتوي على المادة الفعالة “إنتيكافير”، في المغرب بأكثر من 5266 درهماً، مقابل نحو 580 درهماً فقط في تركيا، رغم أن البلدين يستوردان الدواء من مصادر شبه متطابقة. هذا الفارق الذي يتجاوز 4600 درهم للعلبة الواحدة سلط الضوء على أزمة تسعير الأدوية، التي يصفها فاعلون حقوقيون بـ”الفضيحة”، مطالبين بفتح تحقيق فوري في آليات التسعير التي يرونها غير شفافة وغير أخلاقية.
وأشارت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة إلى أن المغرب يُعتبر “جنة الأسعار الباهظة” بفضل هوامش ربح مرتفعة تعد الثانية في المنطقة، متهمة السوق بالاحتكار و”النوار” وغياب الشفافية. وتؤكد التقارير أن نحو ربع الأدوية في المغرب في وضع احتكاري، بينما تتحكم 15 شركة فقط في 70% من السوق، في ظل ضعف التصنيع المحلي وصعوبات إدارية تحول دون إنتاج الأدوية محلياً، مما يترك المغرب تابعاً لواردات تتحكم فيها ديناميات سوق غير متوازنة.
ويرى مهنيون في قطاع الصحة أن السياسات الحالية لا تخدم سوى فئة ضيقة من المستثمرين، بينما تُهمل مصلحة المريض وتضعف مبدأ العدالة في الرعاية الصحية. وتُعد أسعار الأدوية المرتفعة أحد أبرز الأسباب التي تدفع الكثير من المرضى إلى الانقطاع عن العلاج أو اللجوء إلى أساليب بديلة غير موثوقة، بما في ذلك التهريب أو شراء أدوية غير مراقبة من الأسواق السوداء.
نظام دوائي مريض
ويعتمد المغرب على نظام تسعير مرجعي يقارن أسعاره بست دول، بينها تركيا، لكن المخرجات تكشف عن فشل هذا النظام في تحقيق العدالة السعرية. كما أن المقارنات مع دول كفرنسا وبلجيكا ومصر تظهر أن أسعار الأدوية في المغرب غالباً ما تكون أعلى بأضعاف، مما يثقل كاهل الأسر التي تتحمل أكثر من نصف النفقات الصحية، ويزيد من معاناة المرضى المصابين بأمراض مزمنة تتطلب علاجاً طويل الأمد.
وفي سياق متصل، شدد خبراء في السياسة الصحية على أن الإشكال لا يقتصر فقط على سعر دواء بعينه، بل يمتد إلى بنية السوق بأكملها، والتي تُدار وفق منطق الربح وليس وفق مبادئ الصحة العامة. واعتبروا أن تقنين الأسعار يجب أن يترافق مع إصلاح عميق في منظومة المراقبة، وضمان ولوج فعلي للأدوية الأساسية ضمن التغطية الصحية الشاملة، مع ضرورة إحداث آلية وطنية شفافة لمراقبة الأسعار وهوامش الربح وتحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المستهلك.
هذا الوضع لا يهدد فقط قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج، بل يشكل عبئاً مالياً على صناديق التأمين، بحسب تحذيرات حقوقية وحكومية، خاصة في ظل ارتفاع نفقات الأدوية المعوضة بنسبة 31% بين 2022 و2024.
