العقوبات التأديبية لا تُسقط المسؤولية الجنائية: رسالة صارمة من القضاء

وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط الشغب

أثار الجدل القانوني الذي رافق محاكمة المتهمين بأحداث الشغب خلال نهائي كأس أمم إفريقيا (المغرب 2025) نقاشًا واسعًا حول الفرق بين العقوبات الرياضية والعقوبات الجنائية، وحدود كل منهما.

هل يشكل الأمر “محاكمة مرتين”؟

اعتبرت محامية الدفاع، نعيمة الكلاف، أن معاقبة الاتحاد السنغالي من طرف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) يفترض أن يحول دون متابعة المشجعين المتسببين في أحداث الشغب، جنائيًا، بدعوى عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن الفعل نفسه. وقالت الكلاف “لا يمكن محاكمتهم مرتين، إذ سبق للاتحاد الإفريقي لكرة القدم أن عاقب الاتحاد السنغالي بسبب سلوك مشجعيه”، مطالبة بتبرئتهم، أو في حال عدم تبرئتهم، بعقوبات بديلة. غير أن هذا الطرح يصطدم بقاعدة قانونية مستقرة، مفادها أن العقوبات التأديبية الرياضية تختلف طبيعةً وهدفًا عن العقوبات الجنائية.

فالعقوبة الرياضية:

تصدر عن هيئة تأديبية رياضية.

تستهدف الاتحاد أو النادي أو اللاعب في إطار تنظيم المنافسة.

غايتها حماية نزاهة اللعبة وضمان احترام القوانين الرياضية.

أما العقوبة الجنائية:

تصدر عن القضاء الزجري باسم الدولة.

تستهدف الشخص المسؤول عن فعل مجرَّم قانونًا (عنف، تخريب، اقتحام، اعتداء…).

هدفها حماية النظام العام وردع الجريمة.

وعليه، فالمسطرتان مستقلتان ومتوازيتان، ولا يلغي أحدهما الآخر، لأنهما تصدران عن جهتين مختلفتين وبأساس قانوني مختلف.

العقوبات الصادرة في الملف

كانت لجنة الانضباط التابعة لـ“الكاف” قد فرضت غرامات مالية وإيقافات على الاتحاد السنغالي وبعض لاعبيه ومدربه وأطره، بسبب سلوك غير رياضي وانتهاك قواعد الانضباط.

في المقابل، أصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط أحكامًا سالبة للحرية تراوحت بين ثلاثة أشهر وسنة نافذة في حق عدد من المشجعين، بعد متابعتهم بتهم تشمل:

العنف خلال تظاهرة رياضية

إتلاف ممتلكات عامة

اقتحام أرضية الملعب

رشق مقذوفات

الاعتداء على عناصر الأمن

وتندرج هذه الأفعال ضمن مقتضيات القانون الجنائي، إضافة إلى القانون المغربي رقم 09.09 المتعلق بمحاربة الشغب في الملاعب.

بخصوص حجية تسجيلات الكاميرات

أثير أيضًا جدل حول اعتبار تسجيلات كاميرات المراقبة دليلاً. قانونًا، تُعد التسجيلات المصورة وسيلة إثبات مشروعة إذا استوفت الشروط القانونية، لكنها تخضع للسلطة التقديرية للقاضي، أي أنها ليست “دليلاً قاطعًا” بذاتها، بل عنصرًا من عناصر الإثبات يُقيَّم ضمن باقي القرائن والمعطيات.

وهذا المبدأ معمول به في مختلف الأنظمة القانونية، سواء في قضايا الشغب الرياضي أو الجرائم العامة أو مخالفات السير.

وكانت محامية دفاع المتهمين نعيمة الكلاف. قالت، على هامش محاكمتهم إن “الكاميرات لا يعد تسجيل دليلا قاطعا على إدانتهم”.

الخلاصة

لا يوجد تعارض بين معاقبة اتحاد كروي أو لاعب رياضي تأديبيًا، ومتابعة أفراد جنائيًا عن أفعال تشكل جرائم. فالأولى تحمي قواعد المنافسة، والثانية تحمي النظام العام وسلامة الأشخاص والممتلكات.

وبالتالي، فإن الحديث عن “محاكمة مزدوجة” لا يستقيم قانونيًا متى تعلق الأمر بجهتين مختلفتين وبأساسين قانونيين مستقلين، وهو ما يفسر استمرار المسار الجنائي رغم صدور عقوبات رياضية موازية، وهذا ما ذهب إليه مصطفى سيمو، محامي المدعين الذي يمثل 14 فردا من قوات الأمن، حين قال إن “عقوبات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لا تعفي المتهمين من مسؤوليتهم الجنائية، بل بخلاف ذلك، فهي تؤكد إدانتهم، لا سيما أن السنغال لم تعترض عليها”.

يذكر أن المحكمة الابتدائية بالرباط قضت ، الخميس، بإدانة 19 مشجعا على خلفية أعمال الشغب التي رافقت نهائي كأس الأمم الإفريقية بين المغرب والسنغال في يناير الماضي، حيث أصدرت أحكاما سالبة للحرية تراوحت بين ثلاثة أشهر وسنة نافذة، إلى جانب غرامات مالية متفاوتة. وجاءت الأحكام بعد جلسة استمرت لأكثر من خمس ساعات، أدين خلالها 18 مشجعا من الجنسية السنغالية، إضافة إلى مواطن يحمل الجنسية الفرنسية من أصل جزائري، بتهم شملت إلحاق أضرار بمرافق رياضية، وممارسة العنف خلال تظاهرة رياضية، واقتحام أرضية الملعب، ورشق مقذوفات، والاعتداء على عناصر الأمن.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts