قبل ودية المغرب.. لماذا يعد منتخب الباراغواي اختبارا تكتيكيا حقيقيا لأسود الأطلس؟

مباراة المغرب والباراغواي الودية

يجسد منتخب الباراغواي، الخصم المقبل لأسود الأطلس في المباراة الودية المقررة غدا الثلاثاء على أرضية ملعب بولار-ديليليس بمدينة لانس، في جوانب عديدة، نموذجا من المدرسة الكروية لأمريكا الجنوبية القائمة على الصرامة والانضباط التكتيكي والاندفاع البدني.

ويدخل منتخب “ألبيروخا”، الذي فاز في مباراة ودية أولى على اليونان (1-0)، هذه المواجهة وهو في مرحلة إعادة هيكلة، تحت قيادة مدربه غوستافو ألفارو، الذي يسعى إلى إعادة تحديد معالم المجموعة وبناء فريق تنافسي استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة.

منتخب الباراغواي لا ينتمي إلى المدرسة التي تفضل الاستعراض. لا يعتمد كثيرا على الزخرفة. ولا يراهن أساسا على الاستحواذ الطويل من أجل الاستحواذ نفسه. هذا منتخب يقترب من جوهر كرة القدم في نسختها الأكثر صرامة: تنظيم محكم، تدخلات قوية، ضغط بدني، وانتقال مباشر نحو الأمام. لذلك، فإن مواجهته لا تكون سهلة حتى حين يمر بفترات إعادة بناء.

هذه الحقيقة تجعل من مباراة المغرب والباراغواي الودية، الثلاثاء أكثر من مجرد بروفة. فالمغرب، الذي يبحث عن تثبيت ملامحه تحت قيادة محمد وهبي، سيكون مطالبا هذه المرة بإظهار شيء مختلف. في المباراة الودية الأولى، قد يكون الانطباع العام إيجابيا. لكن الانطباعات وحدها لا تكفي. ما يحتاجه المنتخب هو امتحان يكشف مدى قدرته على التعامل مع خصم منضبط، لا يترك المساحات بسهولة، ويجبرك على اللعب بتركيز عال طيلة دقائق المباراة.

مباراة المغرب والباراغواي الودية ليست مواجهة عادية

الباراغواي، كما توحي ملامحها الحالية، تدخل هذه المرحلة وهي تعيد ترتيب أوراقها. هذا المعطى قد يدفع البعض إلى التقليل من خطورتها. لكن هذا التقدير غالبا ما يكون مخادعا. لأن المنتخبات التي تعيد البناء تكون في العادة أكثر رغبة في إثبات الذات، وأكثر حرصا على تثبيت شخصيتها الجديدة. وهنا يكمن الجانب المعقد في هذا النوع من المباريات.

منتخب الباراغواي يظل وفيا، في العمق، لمدرسة أمريكا الجنوبية القائمة على الصلابة الدفاعية والاحتكاك البدني واللعب العمودي. هذا يعني أن المغرب لن يواجه فريقا مفتوحا أو سهلا في مناطقه. بل سيواجه كتلة متراصة تعرف كيف تغلق العمق، وتنتظر لحظة التحول لتضرب بسرعة. وهذا النوع من الخصوم يختبر الذكاء الجماعي أكثر مما يختبر المهارة الفردية فقط.

من هذه الزاوية، تصبح المباراة مفيدة جدا للمغرب. فحين تواجه منتخبا يلعب بهذه الطريقة، لا يكفي أن تكون جيدا بالكرة. يجب أن تكون جيدا أيضا من دونها. يجب أن تعرف كيف تسترجع التموضع بسرعة. وكيف تمنع التحول الأول. وكيف تكسر النسق البدني للمنافس بالتمرير السريع والتحرك المستمر. والأهم، كيف تصبر حين تتأخر المساحات في الظهور.

الباراغواي.. قوة دفاعية وتحول سريع

واحدة من نقاط قوة الباراغواي تكمن في خطها الخلفي. فهذا المنتخب حافظ تاريخيا على صورة الفريق الذي يبني أولا من الدفاع. وجود أسماء لها خبرة وشخصية في المحور يمنحه صلابة كبيرة، كما أن خط الوسط يؤدي دورا مهما في غلق المساحات وتوفير التوازن. لذلك، فإن الوصول إلى مرماه لا يتم بسهولة، خاصة إذا دخل المباراة بتركيز عال.

لكن الاكتفاء بوصف الباراغواي بمنتخب دفاعي فقط سيكون تبسيطا زائدا. فالفريق يملك أيضا عناصر قادرة على صنع الفارق في الأمام، خصوصا في التحولات. حين يسترجع الكرة، لا يتردد كثيرا. يبحث بسرعة عن العمق، أو عن لاعب قادر على حمل الكرة وكسر الخط الأول. وهذا ما يجعل خطورته قائمة حتى حين لا يفرض سيطرة واضحة على الكرة.

المغرب مطالب هنا بالحذر من لحظتين. الأولى، لحظة فقدان الكرة في وسط الميدان. والثانية، لحظة التقدم الجماعي غير المحسوب. لأن الخصم الذي يجيد التحولات لا يحتاج إلى عشر فرص حتى يربكك. تكفيه لقطة واحدة منظمة، أو مساحة صغيرة خلف الظهير، حتى يضعك في وضع دفاعي صعب.

 ماذا يحتاج أسود الأطلس في هذا الاختبار؟

في مثل هذا النوع من المباريات، الرهان لا يتعلق فقط بالنتيجة. الأهم هو ما إذا كان المنتخب المغربي قادرا على فرض منطقه أمام منافس مختلف الأسلوب. هل يستطيع تدوير الكرة بسرعة كافية لسحب الخصم من مناطقه؟ هل يملك لاعبوه الصبر لتفكيك كتلة دفاعية منظمة؟ وهل ينجحون في حماية أنفسهم من المرتدات حين يضغطون نحو الأمام؟

هذه أسئلة عملية جدا. وهي أهم من أي انطباع عاطفي بعد المباراة. لأن المنتخبات الكبيرة لا تبنى فقط على المهارة، بل على القدرة على قراءة المباريات المتنوعة. والمغرب، إذا أراد أن يواصل التطور، يحتاج إلى اختبارات من هذا النوع. يحتاج إلى خصوم يفرضون عليه التفكير، لا فقط اللعب.

وقد يكون من المفيد أيضا النظر إلى هذه الودية بوصفها فرصة لاختبار نضج بعض العناصر الجديدة. فاللاعب يبدو ممتازا في مباراة مفتوحة، لكنه يكتشف صعوبة أكبر حين يواجه خصما شرسا في الالتحامات، منظما في التمركز، وقادرا على قطع الإيقاع. هنا بالضبط يظهر معدن اللاعب، وتظهر قدرة المجموعة على التأقلم.

 ودية بنكهة الدرس الكروي

المنتخبان التقيا سابقا في مباراة ودية انتهت بلا أهداف. ذلك التعادل يعكس، بشكل ما، طبيعة هذا النوع من المواجهات: مباريات مغلقة، قليلة المساحات، وتفاصيلها الصغيرة تصنع الفارق. لذلك، ليس مستبعدا أن نشهد مباراة أخرى متقاربة، يكون فيها الصبر والانضباط مفتاحين أساسيين.

في النهاية، قيمة مباراة المغرب والباراغواي الودية لا تكمن فقط في نتيجتها النهائية. قيمتها الحقيقية في الدرس الذي قد تمنحه لأسود الأطلس. فالباراغواي ليست منتخبا سهلا، حتى وهي تعيد البناء. إنها فريق يعرف ماذا يريد حين يدافع، ويعرف كيف يوجع خصمه حين يهاجم بسرعة. وإذا نجح المغرب في فرض شخصيته أمام هذا النوع من المنافسين، فسيكون قد ربح أكثر من مجرد فوز ودي. سيكون قد ربح مؤشرا إضافيا على أن مشروعه يسير في الاتجاه الصحيح.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts