أدب الفانتازيا.. هل يهرب الشباب إلى الخيال أم يقرأون واقعهم بعيون أخرى؟

أدب الفانتازيا

يشهد أدب الفانتازيا والرعب والجريمة إقبالا متزايدا من الشباب، في تحول لافت داخل الذائقة القرائية العربية. ولم يعد هذا النوع مجرد ترف تخييلي أو قراءة جانبية، بل صار مدخلا لفهم قلق جيل جديد يعيش وسط الرقمنة والصور والأسئلة المربكة.

ويطرح هذا الإقبال سؤالا ثقافيا مهما. هل يهرب الشباب إلى الخيال؟ أم أنهم يستعملون العوالم المتخيلة لقراءة واقعهم بعيون أخرى؟ بين الرأيين، تظهر روايات الفانتازيا كمساحة سردية واسعة، تسمح بقول ما يصعب قوله داخل الأشكال التقليدية.

ومن داخل أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، برز هذا التحول بوضوح. فقد حضر الشباب بقوة أمام رفوف الروايات التخيلية، وأعمال الرعب والجريمة، في مشهد يعكس تغيرا في علاقة القارئ الشاب بالكتاب.

أدب الفانتازيا يجذب جيلا رقميا

تقول فاطمة محمدي، عن دار “عصير الكتب للترجمة والنشر والتوزيع”، إن أدب الخيال أصبح من أكثر الأنماط المقروءة عربيا. ولا يقتصر الإقبال عليه على فئة عمرية واحدة. بل يشمل اليافعين والشباب، ويمتد أحيانا إلى قراء أكبر سنا.

ويشمل هذا الاهتمام الأعمال المترجمة، كما يشمل روايات عربية حققت انتشارا واسعا خلال السنوات الأخيرة. ومن بين الأسماء التي تبرز في هذا السياق عمرو عبد الحميد وحنان لاشين، وغيرهما من الكتاب الذين وجدوا جمهورا واسعا لدى الشباب.

وتربط المتحدثة هذا التحول بالانفتاح الرقمي. فالأجيال الجديدة باتت أكثر اتصالا بما ينشر في العالم. كما أصبحت أكثر متابعة للتيارات الأدبية الجديدة، وللإصدارات التي تتصدر النقاش داخل منصات القراءة.

وهذا يضع الناشر العربي أمام تحد جديد. فلم يعد القارئ ينتظر ما يعرض عليه فقط. بل صار يعرف ما يريد، ويتابع السوق العالمية، ويقارن بين الأنواع والأساليب والمواضيع.

روايات الجريمة والرعب في صدارة الاهتمام

من جهته، يرى محمد علي، عن دار “سما للنشر والتوزيع”، أن الإقبال على روايات الجريمة والرعب يرتبط بما توفره من تشويق وإثارة. فالقارئ الشاب يبحث داخل الرواية عن تجربة ذهنية، لا عن حكاية عابرة فقط.

وتمنح روايات الغموض والجريمة القارئ مساحة للتحليل والتفكير. فهي تدفعه إلى تتبع التفاصيل، وربط الوقائع، وبناء الفرضيات. وهذا يجعل القراءة أقرب إلى لعبة عقلية مشوقة.

ويؤكد ممثل “سما” أن هذا النوع الأدبي أصبح يتصدر المبيعات. بل تقدم على أنماط كانت مهيمنة سابقا، مثل الروايات الرومانسية والاجتماعية.

ولا ينفصل هذا التحول عن تأثير السينما والمسلسلات الأجنبية والألعاب الرقمية. فقد رسخت هذه الوسائط لدى الشباب ميلا إلى الأكشن والغموض والعوالم المركبة. ثم انتقل هذا الميل إلى القراءة.

هل يبتعد الشباب عن الواقع؟

رغم هذا الحماس، لا يخلو التحول من أسئلة مقلقة. فبعض القراء والمتابعين يتخوفون من أن يؤدي الانبهار بالعوالم المتخيلة إلى ابتعاد الشباب عن الأدب المرتبط بالتجارب الإنسانية المباشرة.

ويظهر هذا التخوف خاصة عندما تصبح الفانتازيا مجرد مؤثرات وأفكار سطحية. حينها قد تفقد قيمتها الأدبية، وتتحول إلى استهلاك سريع لعوالم غريبة، دون عمق فكري أو جمالي.

لكن هذا الرأي لا يلغي أن جزءا مهما من أدب الفانتازيا الجيد يقوم على أسئلة فلسفية وإنسانية. فهو لا يهرب من الواقع دائما. بل يعيد تركيبه في صورة رمزية، تسمح برؤيته من زاوية مختلفة.

وهنا يكمن الفرق بين الخيال السطحي والخيال العميق. الأول يكتفي بالإبهار. والثاني يستعمل الإبهار لفتح سؤال أكبر حول الإنسان والمجتمع والمستقبل.

الفانتازيا كطريقة لمواجهة الواقع

يرفض الشاب عبد الله، الذي التقت به وكالة المغرب العربي للأنباء داخل المعرض، اختزال الفانتازيا في الهروب من الواقع. ويرى أن هذا الأدب قد يكون هروبا رمزيا لمواجهة الواقع، لا للابتعاد عنه.

فالروايات التي تتحدث عن عوالم منهارة أخلاقيا، أو مدن خاضعة للخوف، أو مجتمعات فقدت معناها، لا تفعل سوى إعادة صياغة مخاوف الشباب. لكنها تفعل ذلك بقالب تخييلي أكثر حرية.

وتسمح هذه الصيغة بطرح أسئلة قد تبدو قاسية داخل السرد الواقعي المباشر. مثل العزلة، والانهيار الفردي، والخوف من المستقبل، وفقدان الثقة في المؤسسات، وقلق الهوية.

لذلك يقترب هذا الأدب من الشباب. لأنه يخاطب مخاوفهم بلغة لا تقدمها الخطابات التقليدية. كما يمنحهم عالما بديلا يفكرون من خلاله في عالمهم الحقيقي.

تغير في شكل التلقي

لم يعد القارئ الشاب يتعامل مع الأدب بالطريقة نفسها. فقد تغير شكل التلقي مع المنصات الرقمية، ومقاطع الفيديو، والمراجعات السريعة، ومجموعات القراءة على الإنترنت.

وأصبح الكتاب جزءا من تجربة أوسع. قد تبدأ بترشيح على منصة اجتماعية، ثم تتحول إلى نقاش داخل مجموعة، ثم إلى اقتناء من معرض أو مكتبة.

وفي هذا السياق، تبدو روايات الفانتازيا والرعب والجريمة أكثر قدرة على الانتشار. فهي تملك عناوين جذابة، وعوالم قابلة للتداول، وشخصيات يمكن تحويلها إلى صور ونقاشات ومقاطع.

لكن هذا لا يعني أن الأدب الواقعي فقد مكانته. بل يعني أن السرد العربي يعيش مرحلة تنوع جديدة. فالقراء لم يعودوا كتلة واحدة. وكل فئة تبحث عن شكل يناسب أسئلتها وإيقاعها.

سؤال أدبي لا موضة عابرة

قد يبدو صعود أدب الفانتازيا مجرد موضة قرائية. لكنه في العمق يعكس تحولا أوسع في علاقة الشباب بالواقع. فالعوالم المتخيلة تمنحهم مسافة للتفكير. كما تسمح لهم بتسمية قلقهم بطريقة غير مباشرة.

وهذا ما يجعل هذا الأدب جديرا بالنقاش النقدي الجاد. لا يكفي الاحتفاء به لأنه يبيع كثيرا. كما لا يصح رفضه لأنه لا يشبه الأدب التقليدي.

المطلوب هو التمييز بين الأعمال التي تستعمل الخيال لصناعة أسئلة عميقة، وتلك التي تكتفي بالاستثارة السهلة. فالقيمة الأدبية لا تحددها الفئة وحدها. بل يحددها البناء، واللغة، والخيال، والقدرة على لمس الإنسان.

وبين الهروب والقراءة الجديدة للواقع، يبدو أن أدب الفانتازيا أصبح جزءا من خريطة القراءة لدى الشباب. إنه لا يقدم لهم عالما بديلا فقط. بل يمنحهم مرآة غريبة، يرون فيها خوفهم وأسئلتهم ومستقبلهم المحتمل.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts