توفي، صباح الخميس بالرباط، الممثل والمخرج المسرحي والسينمائي نبيل لحلو، عن سن تناهز 81 عاما، بعد معاناة مع المرض. وأعلنت التعاضدية الوطنية للفنانين المسرحيين نبأ رحيله، ناعية أحد الأسماء التي طبعت المسرح والسينما في المغرب بأسلوب خاص ورؤية فنية متميزة.
ولد نبيل لحلو بمدينة فاس سنة 1945. وراكم مسارا فنيا طويلا، جمع فيه بين التمثيل، والتأليف، والإخراج المسرحي والسينمائي. وظل شغفه بالإبداع حاضرا في تجربته إلى أيامه الأخيرة.
ويعد نبيل لحلو من الفنانين الذين اختاروا طريقا مختلفا داخل المشهد الدرامي المغربي. فقد اشتغل على نصوص وأساليب خارج القوالب السائدة. كما ظل وفيا لنزعة تجريبية واضحة، سواء فوق الخشبة أو خلف الكاميرا.
نبيل لحلو ومسار بدأ من التكوين المسرحي
أتم نبيل لحلو تكوينه المسرحي في فرنسا. وبعد عودته إلى المغرب، انخرط في الكتابة والإخراج، واشتغل على نصوص مسرحية بالعربية والفرنسية.
ولم يكن تعامله مع المسرح مجرد ممارسة فنية عادية. فقد رأى فيه فضاء للتجريب، والسخرية، والقلق، وطرح الأسئلة. لذلك حملت أعماله بصمة شخصية واضحة، يصعب فصلها عن مزاجه الفني والفكري.
ومنذ نهاية الستينات، بدأ لحلو يضع اسمه داخل الساحة المسرحية. فقد قدم مسرحية “الميليارديرات” سنة 1968. كما قدم في السنة نفسها مسرحية “أوفيليا لم تمت”.
وحملت هاتان التجربتان ملامح مبكرة لاختياراته الفنية. فقد انفتح على كتابة غير تقليدية، وعلى فرجة تبحث عن لغة خاصة، لا تكتفي بمحاكاة السائد.
مسرح تجريبي لأكثر من نصف قرن
يرى نقاد أن الإسهام الأكبر لنبيل لحلو تحقق في المسرح. فقد كرس له أكثر من نصف قرن من حياته، وقدم أعمالا حافظت على نفس تجريبي واضح.
ومن بين أعماله المسرحية “السلاحف”، و”الإمبراطور شريشماتوري”، و”يوميات أحمق”، و”محاكمة سقراط”. وتكشف هذه العناوين عن عالم فني يميل إلى المفارقة، والرمز، والسؤال الفلسفي.
لم يكن لحلو يطارد الإرضاء السهل للجمهور. كان يبحث عن مسرح يوقظ المتلقي، ويدفعه إلى التفكير. كما كان يميل إلى بناء شخصيات ومواقف تحمل سخرية مرة من الواقع.
وهذا ما جعل تجربته مختلفة داخل المسرح المغربي. فقد ظل خارج التصنيفات البسيطة، وفضل الاشتغال على هامش التيارات الجاهزة. لكنه ترك أثرا واضحا في ذاكرة المسرحيين والمتابعين.
من الخشبة إلى السينما
لم يتوقف نبيل لحلو عند المسرح. فقد خاض تجربة السينما ممثلا ومؤلفا ومخرجا. وقدمت أفلامه مزيجا بين الكوميديا والفانتازيا، مع ميل واضح إلى الغرابة والسخرية.
بدأ حضوره السينمائي، نهاية السبعينات، بفيلم “القنفودي” سنة 1978. ثم قدم خلال الثمانينات مجموعة من الأعمال، من بينها “الحاكم العام” سنة 1980، و”إبراهيم ياش” سنة 1984، و”نهيق الروح” سنة 1984.
كما قدم فيلم “كوماني” سنة 1989. وختم مساره السينمائي سنة 2002 بفيلم “سنوات المنفى”.
وتعكس هذه الأعمال رغبته في نقل بعض هواجسه المسرحية إلى الشاشة. فقد حافظ على حس فانتازي، وعلى نزوع إلى خلط الكوميديا بالأسئلة الوجودية والاجتماعية.
أسلوب خاص في الدراما المغربية
طبع نبيل لحلو الإنتاج الدرامي المغربي بأسلوب لا يشبه غيره. فقد حملت أعماله نبرة ساخرة، وفضاء غرائبيا، وشخصيات تعيش على حافة العبث.
ولم يكن هذا الاختيار سهلا دائما. فالتجريب قد يخلق مسافة بين الفنان والجمهور الواسع. لكنه يمنح العمل الفني عمقا وخصوصية. وهذا ما ميز جزءا كبيرا من تجربة لحلو.
كما ظل الفنان الراحل يكتب ويخرج بروح الباحث عن شكل جديد. فلم يتعامل مع المسرح والسينما باعتبارهما مجرد وسائل للترفيه. بل جعلهما مجالا للتفكير في الإنسان والسلطة والمجتمع.
ولذلك بقي اسمه حاضرا عند الحديث عن التجارب التي حاولت توسيع حدود الفرجة المغربية. فقد آمن بمسرح مختلف، وبسينما تحمل توقيع صاحبها، لا مجرد وصفة جاهزة.
رحيل اسم من ذاكرة الفن المغربي
برحيل نبيل لحلو، يفقد المشهد الفني المغربي واحدا من وجوهه المتميزة. فقد انتمى إلى جيل ساهم في بناء أسئلة المسرح والسينما بعد الاستقلال. كما ترك أعمالا تشهد على مرحلة كاملة من البحث والتجريب.
ولم يكن لحلو مجرد مخرج أو ممثل. كان صاحب رؤية. وهذا ما جعل تجربته محط نقاش بين من اقتربوا من عوالمه الفنية، وبين من تابعوا مساره الطويل.
وتأتي وفاته لتعيد التذكير بأهمية صون الذاكرة الفنية الوطنية. فالمسرح والسينما لا يتقدمان فقط بالأعمال الجديدة. بل أيضا بالاعتراف بمن صنعوا مسارات صعبة، وفتحوا طرقا مختلفة للأجيال اللاحقة.
وسيظل نبيل لحلو اسما مرتبطا بالمغامرة الفنية. كما سيبقى حاضرا في ذاكرة المسرح المغربي، باعتباره فنانا لم يختر الطريق السهل، وراهن على الخيال والتجريب والاختلاف.