أحمد نشاطي
ثمة قوة فكرية خاصة في اختيار أو نحْت الدكتور محمد العودي لعبارة أو مصطلح “مقاولو أو مقاولات الفقر” عنوانا لكتابه. فالتعبير، منذ الوهلة الأولى، يثير شيئا من المفارقة، وربما من الصدمة أيضا. كيف يمكن للفقر، بما يحمله من نقص وحرمان، أن يتحول إلى “مقاولة”؟ كيف يمكن للعوز، الذي ينتج المعاناة، أن يخلق، أيضا، أشكالا من التنظيم، والتدبير، والابتكار اليومي؟
الفقر.. طريقة في تدبير البقاء
في تحليل الدكتور محمد العودي، فإن “الأنشطة الصغرى التي تملأ شوارع الحاضرة” لا تمثل “أنشطة بالمعنى الإبداعي لمجال منتج”، لكنها، في الوقت نفسه، ليست مجرد أنشطة “طفيلية” يجب احتقارها. إنها، كما يحددها الدكتور العودي “نظام من الأنشطة المدرة للدخل خارج الإطار التقليدي”، يتكون من “مجموعة من صغار رواد الأعمال الفقراء”. هؤلاء يُنشئون “شبكات وحركية ومسارات لتبادل السلع والخدمات عبر الشوارع”. وهكذا، فإن “الفقر” هنا ليس مجرد عوز. إنه “مقاولة”، لكنها مقاولة “بلا تنظيمات إدارية”. بمعنى آخر: بلا حماية ولا اعتراف.
لكن هذه المفارقة هي بالضبط ما يمنح الكتاب عمقه. فالباحث لا ينظر إلى الفقر باعتباره حالة جامدة أو قدرا اجتماعيا ساكنا. بل إنه يقرأه بوصفه دينامية معيشة، ومجالا يتحرك داخله آلاف الأفراد والأسر في بحث دائم عن وسائل للبقاء. إضافة لذلك، يبحثون عن أساليب اضطرارية وحلول مؤقتة لتدبير الحياة داخل مدينة لا تمنح الجميع فرصا متكافئة.
حين تتحول الهشاشة إلى مشروع يومي
في صفحات عديدة من الكتاب، يبدو النشاط غير المهيكل أكثر من مجرد بديل عن الشغل الرسمي. إذ يتحول إلى شكل من أشكال بناء الاقتصاد من القاعدة الاجتماعية، انطلاقا من مبادرات الفئات الأكثر هشاشة. هذه مبادرات يبتكر بها كثير من الناس وسائلهم الخاصة لمواجهة الإقصاء وتأمين العيش. هنا، لا يعود البائع المتجول مجرد شخص يبيع ما تيسر، ولا الحرفي غير المصرح به مجرد عامل خارج القانون، فكل واحد منهم يتحول إلى صاحب “مقاولة” صغيرة بالمعنى الوجودي للكلمة. رأس مالها الهشاشة، وأداتها الخبرة اليومية، وأفقها النجاة… إنها، إذا صح التعبير، مقاولات بلا حماية، بلا ضمانات، بلا اعتراف كامل… لكنها مقاولات مع ذلك… وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الكتاب إثارة: أن الفقر، الذي يرتبط عادة بإنتاج الحاجة، ينتج أيضا مهارات البقاء.
ويضيف الدكتور محمد العودي، في تحليل دقيق لـ”شبكة الدخل”، أن “تمايز المداخيل يُقسّم البنية الاجتماعية-الاقتصادية إلى شرائح متعددة”، وأن “مستوى المعيشة الفعلي يبقى مرهونا بإجمالي دخل الأسرة أكثر من ارتباطه بالدخل الفردي”. وهذا يعني أن “المقاولة” ليست فردية بالمعنى الصارم. بل “مضاعفة جهود البقاء من خلال تضافر أفراد الأسرة”، حيث “يشارك الجميع، بمن فيهم الأطفال”، تجعل من “المقاولة” مشروعا جماعيا. بل إن “العدد الكبير من الأطفال قد يمثل عبئا اقتصاديا، لكنه يشكل أيضا مصدر دخل إضافي”… إنها مفارقة تعيد تعريف “المقاولة” من جديد. المقاولة بما هي “ابتكار يومي”، هي أيضا “تضافر” و”تكيّف” و”بقاء” بأدوات غير متوقعة…
ففي قلب الأحياء الشعبية، وعلى أطراف الأسواق، وفي زوايا الشوارع، التي لا تلتفت إليها السياسات العمومية بما يكفي، تتشكل كل يوم شبكات معقدة من التبادل، والتعاون، والمنافسة، والتكيف… وكأن الهامش، الذي يبدو من بعيد مجرد فضاء للفوضى، يخفي في داخله نظاما خاصا به…
اقتصاد من الداخل.. لا من هامش المجتمع
وهذا ما يفسر أن الدكتور محمد العودي لا يتعامل مع هذه الظواهر بوصفها اختلالات عابرة. فهو ينظر إليها كجزء من بنية اجتماعية واقتصادية متماسكة. وبالتالي، نجد أن الفقر، هنا، لا يعني السقوط خارج المجتمع. إنه يعني غالبا الاندماج القاسي في المجتمع، بشروط غير عادلة…
هذا التمييز مهم جدا، لأن كثيرا من الخطابات العامة تنظر إلى الفقراء كمن هم خارج الدورة الاقتصادية، بينما يكشف الكتاب أن الحقيقة قد تكون معاكسة تماما: إنهم في قلبها، لكن من موقع هشّ. يشتغلون، يبادلون، يغامرون، يتحملون المخاطر، ويضمنون لأنفسهم ولغيرهم حدا أدنى من الاستمرارية، من دون أن يحصلوا في المقابل على الحد الأدنى من الأمان…
وهنا يفرض سؤال العدالة نفسه بقوة: إذا كان الفقراء قد نجحوا في تحويل الهشاشة إلى نوع من “المقاولة”، فهل ينبغي أن نُعجب بقدرتهم على الصمود؟ أم أن الأولى أن ننشغل بالسؤال الأكثر إلحاحا: لماذا يُترك هذا العدد من الناس أصلا ليخترعوا، وحدهم، وسائل نجاتهم؟
هذا هو الفخ، الذي يتجنّبه الكتاب بذكاء. فالكتاب، كما أسلفنا، لا يسقط في تمجيد “عبقرية الفقراء” كما لو أن قدرتهم على التكيف تُعفي الدولة والمجتمع من مسؤوليتهما. وهو لا يحتفي بتحويل البؤس إلى مهارة. إنه يذكّرنا، ضمنا، بأن الحاجة إلى هذه المهارة هي، في حد ذاتها، علامة خلل… فليس طبيعيا أن يتحول الشارع إلى فضاء عمل دائم لمن لا يجدون مكانا داخل الاقتصاد الرسمي. كذلك، ليس طبيعيا أن يصبح عدم الاستقرار نمط حياة. وأيضاً، ليس طبيعيا أن تُبنى استراتيجيات البقاء على أساس غياب البدائل…
مقاولو الفقر.. سؤال الاعتراف قبل سؤال الرزق
وفي ختام هذا التحليل، يطرح الدكتور محمد العودي سؤالا يُغلق الحجة ويفتحها في آن واحد: إن “مقاولي الفقر”، كما يسميهم، “يدركون أنهم موجودون في أدنى مراتب السلم الاجتماعي”، لكنهم لا يملكون “تسمية” واضحة لما هم عليه. فهم عالقون في “مخطط غامض يتعلق بتجمع كتل اجتماعية وسلسلة من الطبقات الاجتماعية ذات المكانة غير المتساوية”. وهذا “الغموض” هو جزء من “المقاولة” نفسها: فـ”الاعترافات الهوياتية”، التي قد تمنحهم “مكانة” أو “وضعا اعتباريا”، غائبة، و”الشارع” -بعيدا عن “تفاهاته المعتادة”- يظل المكان الوحيد، الذي يُنتج لهم “مضمونا اجتماعيا”. وهكذا، فإن “مقاولات الفقر” ليست فقط ابتكارا يوميا للبقاء، إنها أيضا سؤال هوياتي مفتوح: كيف يعترف المجتمع “الحضري الذي يبحث عن هويته” بـ”هؤلاء المقاولين”، الذين يحملون المدينة على أكتافهم؟
إن تعبير “مقاولي الفقر” أبعد من أن يكون مجرد عنوان ذكي، إنه وصف دقيق لعلاقة معقدة بين الإنسان والعوز، بين المدينة والهامش، بين الدولة وما تعجز عن احتضانه… وبهذا المعنى، لا يطلب منا كتاب الدكتور محمد العودي أن نشفق على الفقراء، وإنما أن نفهمهم… أن نرى في صمودهم قوة، نعم، لكن أيضا أن نرى في اضطرارهم إلى هذا الصمود سؤالا سياسيا وأخلاقيا لا يجوز أن يبقى بلا جواب…