تتجه العلاقات الاقتصادية بين المغرب ومصر نحو مرحلة جديدة من التعاون التجاري والاستثماري، مع تحرك مشترك لتوسيع الصادرات المغربية نحو السوق المصرية وتشجيع المشاريع الصناعية المشتركة.
وفي هذا السياق، بحث السفير المصري بالرباط أحمد نهاد عبد اللطيف، مع رئيسة الكونفدرالية المغربية للمصدرين سونيا مزور، سبل تعزيز دور القطاع الخاص في تطوير المبادلات التجارية وفتح آفاق استثمارية جديدة بين البلدين.
وجاء اللقاء، الذي احتضنه مقر الكونفدرالية المغربية للمصدرين بالدار البيضاء يوم 22 أكتوبر 2026. وذلك في إطار جهود البلدين للارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى شراكة متكاملة.
وشارك فيه أعضاء من مجلس إدارة الكونفدرالية، إلى جانب رئيس مكتب التمثيل التجاري بالسفارة المصرية معتز بالله علي وعدد من أعضاء البعثة الدبلوماسية.
وركزت المباحثات على تجاوز الطابع التقليدي للمبادلات التجارية. وذلك من خلال تشجيع الاستثمارات المتبادلة وإقامة شراكات صناعية تستفيد من مؤهلات الشركات المغربية والمصرية. كما تناول الطرفان فرص توظيف التكامل بين السوقين لتعزيز حضور منتجات البلدين في الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.
الصادرات المغربية إلى مصر تتجاوز 123 مليون دولار
وكشف السفير المصري خلال اللقاء عن تطور ملحوظ في قيمة الصادرات المغربية نحو السوق المصرية. فقد ارتفعت من 59 مليون دولار سنة 2024 إلى 123 مليون دولار سنة 2025، مسجلة بذلك أكثر من ضعف قيمتها خلال عام واحد.
واعتبر عبد اللطيف أن هذا التطور يعكس الإمكانات التي يوفرها السوق المصري أمام المنتجات المغربية، شريطة استجابتها لمتطلباته. لكنه أشار في المقابل إلى استمرار تركّز الصادرات المغربية في فئتين من المنتجات، تمثلان نحو 66 في المائة من إجمالي الصادرات، وهو ما يجعل تنويع العرض المغربي أولوية لتعزيز المبادلات.
وسجل قطاع السيارات حضورا بارزا ضمن هذه الصادرات، بعدما بلغت قيمة صادرات السيارات المغربية إلى مصر 49 مليون دولار سنة 2025. ويمثل هذا الرقم أربعة أضعاف القيمة المسجلة خلال السنة السابقة، ما يعكس توسع حضور الصناعة المغربية في السوق المصرية.
وتفتح هذه المؤشرات المجال أمام توسيع قائمة المنتجات المغربية الموجهة إلى مصر. خاصة في القطاعات التي تتوفر فيها المملكة على قدرات إنتاجية وتنافسية. لذلك، ركز اللقاء على تحديد منتجات جديدة يمكنها الاستفادة من فرص الطلب داخل السوق المصرية.
السيارات والأسمدة وزيت الأركان ضمن المنتجات المستهدفة
وتضمنت القائمة الأولية التي ناقشها الطرفان السيارات وقطع الغيار، باعتبارها بالفعل الفئة الرئيسية ضمن الصادرات المغربية إلى مصر. كما شملت الأسمدة والمنتجات الفوسفاتية، والمنتجات البحرية المعلبة أو المجمدة، إلى جانب زيت الزيتون.
وامتدت المقترحات إلى مستحضرات التجميل، خصوصا المنتجات القائمة على زيت الأركان، الذي يمثل أحد المنتجات المغربية المميزة. كما شملت المنتجات الغذائية المصنعة، في إطار البحث عن فرص جديدة لتنويع الصادرات وتعزيز حضور المقاولات المغربية في السوق المصرية.
وفي هذا الإطار، أعلن الجانب المصري التحضير لتنظيم بعثة اقتصادية إلى المغرب، تضم مستوردين ومستثمرين مصريين. وتهدف هذه الزيارة إلى التعرف على المنتجات المغربية القابلة للتسويق في مصر، وبحث فرص التعاون المباشر مع الشركات الوطنية.
ورحبت الكونفدرالية المغربية للمصدرين بهذه المبادرة، وأبدت استعدادها لتعبئة الشركات المصدرة وتنظيم لقاءات أعمال موجهة. ويرمي هذا التحرك إلى تقريب المصدرين المغاربة من المستوردين المصريين. وتحويل فرص التبادل إلى عقود تجارية وصفقات فعلية.
وأكدت رئيسة الكونفدرالية سونيا مزور أن دور المؤسسة يتمثل في نقل التحديات التي تواجه الشركات، وتقديم المقترحات ومواكبة المقاولات في مساعيها لدخول أسواق جديدة. وشددت على أن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل الفرص المحددة إلى عقود وصفقات وصادرات إضافية.
استثمارات مصرية تتجاوز مليار دولار بالمغرب
ولم تقتصر المباحثات على المبادلات التجارية، بل تناولت أيضا حجم الاستثمارات المصرية بالمغرب، التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، بحسب المعطيات التي عرضها السفير المصري.
وتتركز هذه الاستثمارات، على الخصوص، في قطاعات السياحة والصناعات الغذائية والتنقل الكهربائي. كما بحث الجانبان فرص تطوير مشاريع إنتاجية مشتركة، اعتمادا على تكامل القدرات الصناعية والخبرات المتوفرة لدى شركات البلدين.
ويتيح هذا التوجه إمكانية استغلال السوقين المغربية والمصرية كمنصتين للإنتاج والتصدير نحو أسواق أخرى. كما ناقش الطرفان فرص الاستفادة من الأطر التجارية التي تجمع البلدين بمحيطهما الإقليمي والدولي.
وشملت المباحثات منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، واتفاقية أغادير، وقواعد المنشأ الأورومتوسطية. وتوفر هذه الأطر، وفق ما تناوله اللقاء، فرصا لإقامة عمليات إنتاج أو تصنيع في أحد البلدين، مع الاستفادة من الامتيازات التجارية التفضيلية التي تتيحها الاتفاقيات المعمول بها.
ويعزز هذا التوجه فرص إقامة شراكات صناعية تتجاوز التبادل المباشر للسلع، من خلال توزيع مراحل الإنتاج والتصنيع بين الشركات المغربية والمصرية. كما يتيح للمقاولات استثمار موقع البلدين وشبكة اتفاقياتهما التجارية لتوسيع نطاق التصدير.
تسهيلات مصرية لمعالجة ملفات المصدرين المغاربة
وفي جانب آخر، ناقش الطرفان الصعوبات الإدارية التي تواجه الشركات المغربية الراغبة في دخول السوق المصرية. خصوصا إجراءات التسجيل لدى الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات المصرية (GOEIC).
وأبدى الجانب المصري استعداده لتسهيل هذه الإجراءات، مذكرا بالتزام وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري بتسريع معالجة ملفات التسجيل العالقة الخاصة بالشركات المغربية.
كما أكد مكتب التمثيل التجاري بالسفارة المصرية استعداده للتواصل مع المقاولات التي تواجه تأخيرات أو تحتاج إلى مواكبة إدارية لاستكمال ملفاتها. وفي المقابل، ستعمل الكونفدرالية المغربية للمصدرين على تجميع الإشكالات التي يطرحها أعضاؤها وإحالتها إلى المكتب التجاري لمتابعتها.
ويستهدف هذا التنسيق تقليص العقبات التي تعترض المصدرين، وتحسين ظروف ولوج المنتجات المغربية إلى السوق المصرية. كما يربط بين الترويج التجاري ومعالجة الصعوبات العملية التي تواجه الشركات خلال إجراءات التصدير.
ويأتي هذا التحرك في سياق الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية، عقب انعقاد الدورة الأولى للجنة التنسيق والمتابعة المصرية المغربية برئاسة رئيسي حكومتي البلدين في القاهرة خلال أبريل الماضي. وشهدت تلك الدورة توقيع 14 اتفاقية شملت التعاون الصناعي والاستثماري والجمركي، إلى جانب اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي.
واتفق الجانبان، في ختام اللقاء، على مواصلة التواصل والتنسيق بشكل منتظم، ومتابعة التدابير التي جرى بحثها. ويستهدف هذا المسار تحويل الإمكانات التجارية والاستثمارية بين المغرب ومصر إلى مشاريع ملموسة. ورفع مستوى الشراكة بين القطاع الخاص في البلدين.