تتجه الهند إلى توسيع دائرة مورديها من الأسمدة عبر فتح مشاورات مع عدد من الدول، من بينها المغرب، في خطوة استباقية تروم تأمين حاجياتها قبل انطلاق الموسم الزراعي الصيفي. وتبرز مشاورات الهند مع المغرب بشأن الأسمدة باعتبارها مؤشرا على المكانة التي يحتلها المغرب في السوق العالمية. خاصة في مجال الأسمدة الفوسفاتية. في وقت تحاول فيه نيودلهي الحد من تأثير التوترات الجيوسياسية والقيود التجارية على أمنها الزراعي.
وبحسب المعطيات الواردة في تقرير لوكالة رويترز، فإن السلطات الهندية والفاعلين في القطاع يتابعون عن قرب تطورات الإمدادات العالمية للأسمدة، في ظل عاملين رئيسيين يثيران القلق داخل السوق الهندية. يتعلق الأمر، من جهة، بالتوترات القائمة في الشرق الأوسط. ومن جهة ثانية، بتشديد الصين القيود على صادرات الأسمدة. وهو ما يطرح مخاوف من تقلص العرض الدولي خلال الفترة التي تسبق ارتفاع الطلب الموسمي داخل الهند.
في هذا السياق، جاء التحرك الهندي نحو عدد من الموردين، من بينهم المغرب وروسيا وبيلاروسيا، ضمن مقاربة تقوم على تنويع مصادر التوريد وتفادي الارتهان لمناطق بعينها. ولا يعني هذا التوجه بالضرورة التخلي عن الشركاء التقليديين. لكنه يعكس سعيا واضحا إلى توزيع المخاطر وضمان استمرارية الإمدادات في حال استمرار التوترات الإقليمية أو اتساع آثارها على الإنتاج والنقل والأسعار.
مشاورات الهند مع المغرب بشأن الأسمدة تعكس وزنا دوليا متناميا
إدراج المغرب ضمن هذه المشاورات ليس معطى عاديا، بالنظر إلى الموقع الذي يحتله في التجارة الدولية للأسمدة، خصوصا في ما يرتبط بالفوسفاط ومشتقاته. فالهند تعد من أكبر مستهلكي الأسمدة في العالم. وتحتاج بشكل مستمر إلى تأمين كميات كبيرة من المواد الأساسية الموجهة لدعم إنتاجها الزراعي. لاسيما خلال مرحلة التحضير للموسم الصيفي.
وتستورد الهند كميات معتبرة من ثنائي فوسفات الأمونيوم واليوريا وكلوريد البوتاسيوم. هذه مواد ترتبط مباشرة بموسم الزرع الذي ينطلق عادة خلال شهري يونيو ويوليوز. حيث تبدأ زراعة محاصيل رئيسية مثل الأرز والذرة والقطن والبذور الزيتية. ومن هذا المنطلق، فإن حضور المغرب في المشاورات الحالية يعكس وزنه في منظومة الإمداد العالمية. خاصة في قطاع الأسمدة الفوسفاتية الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية للإنتاج الزراعي.
كما أن هذا الحضور يرتبط بالقدرة الصناعية واللوجستية التي يتوفر عليها المغرب في هذا المجال. فحين تبحث دولة بحجم الهند عن موردين قادرين على توفير كميات مستقرة وفي توقيت مناسب، فإنها تتجه بطبيعة الحال إلى الفاعلين الذين يملكون موقعا راسخا في السوق الدولية. كذلك يملكون قدرة على الاستجابة لطلب كبير ومنتظم.
لماذا تتحرك الهند مبكرا؟
المعطيات نفسها تفيد بأن الهند لا ترغب في انتظار اقتراب ذروة الطلب قبل التحرك. ورغم أن مخزونها الحالي يفوق مستويات السنة الماضية، فإن السلطات تبدو حريصة على تحصين وضعها التوريدي منذ الآن. ذلك تفاديا لأي مفاجآت محتملة خلال الأشهر الحاسمة السابقة للموسم الزراعي.
هذا التوجه يعكس فهما هنديا لطبيعة السوق العالمية للأسمدة، التي تتأثر بسرعة بالعوامل السياسية واللوجستية والتجارية. فالهند تعتمد بدرجة مهمة على الاستيراد لتغطية حاجياتها. خاصة أن الشرق الأوسط يؤمن نحو نصف وارداتها من اليوريا وثنائي فوسفات الأمونيوم. لذلك، فإن أي اضطراب في تلك المنطقة يمكن أن يترك أثرا مباشرا على السوق الهندية. سواء من حيث الكميات أو من حيث الأسعار.
ومن هنا، تبدو المشاورات مع المغرب جزءا من خطة وقائية، هدفها توسيع هامش المناورة أمام نيودلهي، بدل البقاء رهينة لمسار واحد في التزويد. فالمطلوب ليس فقط تأمين المادة، بل أيضا ضمان وصولها في الوقت المناسب. ينبغي أن يكون ذلك بشروط تتيح الحفاظ على استقرار السوق المحلية.
المخزون مرتفع.. لكن الحذر مستمر
تقرير رويترز أشار أيضا إلى أن الهند تتوفر حاليا على مخزونات أعلى من السنة الماضية، وهو ما قد يوحي ظاهريا بأن الوضع مطمئن. فقد ارتفع مخزون اليوريا بنسبة 10.7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. بينما سجل مخزون ثنائي فوسفات الأمونيوم ارتفاعا أكبر بلغ 105 في المائة.
لكن هذا الارتفاع لم يدفع السلطات الهندية إلى التراخي، بل على العكس، يبدو أنه شجعها على استكمال التحضير مبكرا قبل دخول السوق مرحلة الطلب المرتفع. فجزء مهم من الشحنات يصل عادة بين مارس وماي. هذه فترة توصف بأنها حاسمة للتحضير للموسم الزراعي. ولهذا، فإن فتح قنوات الاتصال مع موردين إضافيين، من بينهم المغرب، يندرج في إطار ضمان وفرة الإمدادات خلال الوقت المناسب. وليس فقط عند ظهور أزمة فعلية.
وتؤكد المؤشرات الواردة في التقرير هذا المنحى، إذ أوضحت وزارة الخارجية الهندية أن البلاد تعتمد مقاربة متنوعة في استيراد الأسمدة، مع استمرار التواصل مع أكثر من بلد. كما نقل التقرير أن إدارة الأسمدة طرحت طلبات عروض تحسبا للوضع الراهن. هذه الطلبات لقيت استجابة قوية، ما يعني أن نيودلهي تتعامل مع المعطيات الحالية باعتبارها إنذارا يستدعي التحرك المبكر، لا أزمة قائمة بالفعل.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى المغرب؟
بالنسبة إلى المغرب، فإن إدراجه ضمن دائرة المشاورات الجارية مع واحدة من أكبر الأسواق الزراعية في العالم يحمل دلالة تجارية واستراتيجية واضحة. فهو يعزز صورة المغرب كمورد موثوق في سلاسل الإمداد الدولية. خاصة في قطاع الأسمدة الفوسفاتية. ويؤكد أن الطلب العالمي على المنتجات المرتبطة بالفوسفاط يظل مرتبطا بقدرته على الاستجابة المستقرة والمنتظمة.
كما أن هذا الحضور يمنح مؤشرا إضافيا على أهمية المغرب في موازين السوق العالمية للأسمدة، في وقت باتت فيه الدول المستوردة تبحث عن الشركاء القادرين على التكيف مع التحولات الجيوسياسية والقيود التجارية والتقلبات اللوجستية. وعندما يتعلق الأمر بسوق واسعة مثل الهند، فإن أي انفتاح على مورد جديد أو توسيع للتعاون معه يكتسب بعدا يتجاوز المبادلات التجارية المباشرة. بل يشمل مكانة البلد داخل منظومة الأمن الزراعي العالمي.
في المحصلة، تكشف هذه المشاورات أن الهند تتحرك وفق منطق استباقي لتأمين موسمها الزراعي. فيما يظهر المغرب كأحد الأطراف القادرين على لعب دور مهم في هذا التوازن. ذلك بفضل حضوره القوي في سوق الأسمدة الفوسفاتية وموقعه الثابت داخل خريطة الإمداد الدولية.