ارتفعت الثروة الشخصية العالمية بنسبة 10.8% خلال سنة 2025، وفق تقرير الثروة العالمية 2026 الصادر عن اتحاد الأبناك السويسرية UBS.
وجاء هذا الارتفاع بعد زيادة بلغت 4.6% خلال 2024، مدفوعا بتحسن أداء الأسواق المالية وارتفاع قيمة الأصول غير المالية، خصوصا العقارات.
ويفتح التقرير، في المقابل، نقاشا أوسع حول معنى ارتفاع الثروة وحدود استخدامه مؤشرا على التحسن الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يناقش المحلل الاقتصادي والوزير السابق عبد السلام الصديقي دلالات التقرير في مقال رأي، مركزا على العلاقة بين تراكم الأصول وتوزيع الثروة.
الثروة العالمية.. ارتفاع لا يعكس وحده مستوى المعيشة
يقيس تقرير UBS صافي ثروة الأفراد، بعد احتساب قيمة الأصول المالية وغير المالية وخصم الديون.
وتختلف هذه الثروة عن الناتج الداخلي الإجمالي والدخل والإنتاج السنوي للاقتصادات. لذلك، لا يعني ارتفاع قيمة الأصول بالضرورة زيادة مماثلة في الإنتاج الاقتصادي.
وقد ترتفع قيمة العقارات أو الأسهم بشكل كبير، فتزداد ثروة أصحابها دون إنتاج جديد بالقيمة نفسها. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الثروة المتراكمة في شكل أصول والثروة الناتجة عن النشاط الاقتصادي.
ويكتسب هذا التمييز أهمية أكبر عند قراءة التقرير من زاوية اجتماعية. فارتفاع قيمة الأصول لا يعني تلقائيا تحسن القدرة الشرائية لجميع السكان.
الثروة العالمية.. قراءة الصديقي تتجاوز الأرقام
ويلفت المحلل الاقتصادي والوزير السابق عبد السلام الصديقي الانتباه إلى ضرورة قراءة أرقام الثروة ضمن سياقها الاقتصادي.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة، لأن ارتفاع الثروة قد يرتبط بتطورات الأسواق وأسعار الأصول. وبالتالي، فإن الرقم الإجمالي لا يكشف وحده كيفية توزيع المكاسب بين مختلف الفئات.
كما أن تراكم الثروة في العقارات والأسواق المالية لا يعني بالضرورة خلق فرص شغل أو زيادة مماثلة في الإنتاج. لذلك، يصبح السؤال حول طبيعة هذه الثروة ومصادرها أكثر أهمية من حجمها الإجمالي فقط.
ويطرح الصديقي، من خلال مقاله، نقاشا حول العلاقة بين تراكم الثروة وآليات توزيعها داخل الاقتصادات. وبذلك، ينتقل النقاش من قياس حجم الثروة إلى تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
الثروة العالمية تتركز في عدد محدود من الدول
تكشف معطيات التقرير عن تركّز واضح للثروة الشخصية على المستوى العالمي. وتستحوذ الولايات المتحدة وحدها على 35.7% من الثروة الشخصية التي يغطيها التقرير.
وتأتي الصين في المرتبة الثانية بحصة تبلغ 18.5%. وبذلك، يجمع البلدان أكثر من نصف الثروة المشمولة في التقرير.
كما تستحوذ أوروبا الغربية على 21.9% من هذه الثروة. وتظهر الفوارق بشكل أكبر عند احتساب الثروة لكل شخص بالغ.
غير أن الاعتماد على المتوسط وحده قد يخفي تفاوتات واسعة داخل المجتمع الواحد. ففي الولايات المتحدة، تبلغ الثروة المتوسطة للفرد البالغ 696,277 دولارا، مقابل 68,998 دولارا للثروة الوسيطة.
ويبرز الفرق بين المؤشرين حجم التفاوت في توزيع الثروة. لذلك، يحتاج تقييم الثروة إلى الجمع بين المتوسط والوسيط ومؤشرات التفاوت.
تمثيل جغرافي غير متوازن للثروة العالمية
يغطي تقرير UBS نحو 56 سوقا، تقول المؤسسة إنها تمثل أكثر من 92% من الثروة العالمية المقدرة.
وتشمل العينة مناطق أوروبا والأمريكتين وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وإفريقيا. ومع ذلك، يظل التمثيل الجغرافي متفاوتا بين المناطق.
ففي إفريقيا، تقتصر العينة على جنوب إفريقيا، بينما تغيب دول شمال إفريقيا وغربها ووسطها. لذلك، يفرض هذا المعطى الحذر عند تعميم نتائج التقرير على كامل القارة.
ولا يلغي هذا القيد أهمية التقرير. لكنه يوضح أن قراءة الأرقام تحتاج إلى مراعاة نطاق العينة والمنهجية المعتمدة.
الثروة المالية لا تعني دائما ثروة منتجة
تختلف الثروة المقاسة في شكل أصول عن الناتج الداخلي الإجمالي الذي يعكس الإنتاج السنوي. وفي هذا الإطار، تؤدي الأسواق المالية دورا أساسيا عندما توجه الادخار نحو الاستثمار وتمول المؤسسات والابتكار.
لكن ارتفاع أسعار الأصول قد ينتج أيضا عن إعادة تقييم الممتلكات أو المضاربة عليها. وقد ترتفع قيمة الشركات أو العقارات دون زيادة مماثلة في الإنتاج أو التشغيل.
كما تتأثر الأرقام المقومة بالدولار بتغيرات أسعار الصرف. وبالتالي، قد يعكس جزء من ارتفاع الثروة إعادة تقييم للأصول أو العملات، وليس بالضرورة إنتاج ثروة جديدة بالمعنى الاقتصادي.
السؤال يتجاوز حجم الثروة إلى توزيعها
تكشف أرقام التقرير أن ارتفاع الثروة العالمية لا يكفي وحده لقياس التحسن الاقتصادي والاجتماعي. وتظل مؤشرات الدخل والإنتاجية والتشغيل والأجور والقدرة الشرائية والفقر ضرورية لفهم أثر الثروة على حياة السكان.
ومن هذا المنظور، يكتسب النقاش الذي يطرحه عبد السلام الصديقي أهمية خاصة. فارتفاع الثروة يطرح سؤالا موازيا حول كيفية توزيعها ومدى تحولها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
فالهدف من التنمية الاقتصادية لا يرتبط فقط بارتفاع قيمة الأصول. بل يرتبط أيضا بخلق ثروة منتجة ومستدامة وشاملة.
وبالتالي، لا يكمن السؤال الأساسي في عدد أصحاب الملايين فقط. بل يتعلق أيضا بمن يستفيد من النمو في قيمة الثروة وكيف ينعكس ذلك على المجتمع ومستوى عيش أفراده.