عبد السلام الصديقي (عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق)
أعلن تقرير الثروة العالمية 2026 الصادر عن اتحاد الأبناك السويسرية (UBS) ارتفاع الثروة الشخصية العالمية بنسبة 10.8% خلال سنة 2025.
وجاء هذا الارتفاع بعد زيادة بلغت 4.6% سنة 2024. وساهم تحسن أداء الأسواق المالية وارتفاع قيمة الأصول غير المالية، خصوصا العقارات، في هذه الزيادة.
لكن قبل الاحتفاء بهذا الارتفاع، يطرح سؤال أساسي نفسه: عن أي ثروة نتحدث؟
فثروة البلد تختلف عن دخل سكانه وإنتاجه السنوي. كما تختلف هذه المؤشرات عن الثروة التي يملكها الأفراد في شكل أصول.
والخلط بين هذه المفاهيم قد يقود إلى استنتاجات بعيدة عن حقيقة مستوى معيشة السكان.
الثروة العالمية.. ماذا يقيس تقرير UBS؟
يقيس تقرير UBS أساسا صافي ثروة الأفراد. وتشمل هذه الثروة الأصول المالية وغير المالية التي تملكها الأسر بعد خصم ديونها.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها لأنها لا تكتفي بقياس الدخل. بل تأخذ أيضا في الاعتبار تراكم الثروة عبر الزمن.
غير أن ارتفاع قيمة الأصول لا يعني بالضرورة تحقق إنتاج جديد بالقيمة نفسها.
فعندما ترتفع قيمة منزل من 500 ألف إلى 700 ألف دولار، تزداد ثروة مالكه بـ200 ألف دولار.
لكن هذا الارتفاع لا يعني أن الاقتصاد أنتج سلعا أو خدمات جديدة بالقيمة ذاتها. وينطبق الأمر نفسه على الأسهم عندما ترتفع أسعارها في الأسواق المالية.
تمثيل جغرافي غير متكافئ
تتطلب قراءة التقرير أيضا الانتباه إلى نطاقه الجغرافي. فهو يغطي 56 سوقا تمثل، بحسب UBS، أكثر من 92% من الثروة العالمية المقدرة.
وتشمل العينة أوروبا والأمريكتين وآسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وإفريقيا.
لكن التغطية لا تتمتع بالتوازن الجغرافي نفسه في مختلف المناطق. ففي إفريقيا، لا تشمل العينة سوى جنوب إفريقيا.
ولا نجد ضمنها أي بلد من شمال إفريقيا أو غربها أو وسطها. ولا يقلل هذا المعطى من قيمة التقرير، لكنه يفرض قدرا من الحذر في قراءة نتائجه.
فنحن أمام تقدير يستند إلى عينة واسعة، لكنها تظل غير متكافئة من حيث التمثيل الجغرافي.
ثروة كبيرة ولكن شديدة التركّز
تكشف أرقام التقرير عن تركّز كبير للثروة على المستوى العالمي. فالولايات المتحدة تستحوذ وحدها على 35.7% من الثروة الشخصية.
وتأتي الصين بحصة تبلغ 18.5%. ويجمع البلدان بذلك أكثر من نصف الثروة التي يغطيها التقرير.
كما تستحوذ أوروبا الغربية على 21.9% من الثروة المشمولة في التقرير.
وتظهر الفوارق بشكل أوضح عند احتساب الثروة لكل شخص بالغ. غير أن المتوسط قد يكون مضللا في المجتمعات التي تعرف تفاوتا كبيرا.
ففي الولايات المتحدة، تبلغ الثروة المتوسطة للفرد البالغ 696,277 دولارا. بينما لا تتجاوز الثروة الوسيطة 68,998 دولارا.
ويكشف هذا الفرق أهمية عدم الاكتفاء بالمتوسط عند تحليل توزيع الثروة. كما يصبح من الضروري الاستناد إلى الوسيط ومعامل جيني لقياس التفاوت.
فالثراء ليس مسألة حجم فقط، وإنما هو أيضا مسألة توزيع.
الثروة المالية ليست بالضرورة ثروة منتجة
نصل هنا إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بطبيعة الثروة التي يقيسها التقرير.
فهذه الثروة تمثل رصيدا من الأصول، بينما يعكس الناتج الداخلي الإجمالي تدفق الإنتاج خلال سنة.
وترتبط الدخول بهذا الإنتاج وبكيفية توزيعه داخل الاقتصاد. ولا ينبغي، بطبيعة الحال، وضع التمويل والاقتصاد الحقيقي في تعارض مصطنع.
فالأسواق المالية تؤدي وظيفة أساسية عندما توجه الادخار نحو الاستثمار المنتج. كما تتيح للمؤسسات تعبئة رأس المال وتمويل الابتكار.
لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الأسواق أساسا إلى مجال لإعادة تقييم الأصول الموجودة والمضاربة عليها.
فقد ترتفع قيمة شركة مدرجة بنسبة 20%، فتظهر مليارات الدولارات من الثروة الإضافية على الورق.
ولا يعني ذلك بالضرورة ارتفاعا مماثلا في إنتاج السلع والخدمات. كما لا يعني بالضرورة زيادة مماثلة في فرص الشغل أو الدخول.
وينطبق الأمر نفسه على العقار. فقد ترتفع أسعار المساكن بشكل كبير، فتزداد ثروة المالكين دون ارتفاع مماثل في قيمة الإنتاج الوطني.
لذلك، ينبغي التمييز بين الثروة المتراكمة في شكل أصول والثروة التي ينتجها الاقتصاد.
كما يجب الانتباه إلى أثر أسعار الصرف على الأرقام المقومة بالدولار. فقد يعود جزء من ارتفاع الثروة إلى إعادة تقييم الأصول أو تغيرات سعر الصرف.
السؤال الحقيقي: من يزداد ثراء وكيف؟
في النهاية، ليست المسألة معرفة ما إذا كانت ثروة العالم قد ازدادت. فتقرير UBS يقدم معطيات كافية للإجابة بالإيجاب.
السؤال الأهم يتعلق بنوع الثروة التي ارتفعت وبالأشخاص الذين استفادوا منها. كما يتعلق بمدى انعكاس هذا الارتفاع على ظروف عيش السكان.
فقد ترتفع قيمة الأصول بقوة دون ارتفاع مماثل في الأجور. وقد يزداد عدد أصحاب الملايين بينما تستمر مستويات الفقر في الارتفاع.
وقد يكون متوسط الثروة في بلد ما مرتفعا، مع استمرار تفاوتات كبيرة في توزيعها.
لذلك، لا ينبغي اعتبار الثروة المتراكمة في الأصول مؤشرا سيئا في حد ذاته. لكنها تظل مؤشرا واحدا ضمن مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
وينبغي ربطها بالدخل والناتج الداخلي والإنتاجية والتشغيل والأجور والقدرة الشرائية والفقر.
فالهدف من التنمية الاقتصادية لا يمكن أن يكون مجرد الرفع المتواصل لقيمة الأصول المالية والعقارية.
الهدف الحقيقي هو خلق ثروة منتجة ومستدامة وشاملة. وهذه الثروة ينبغي أن تتحول إلى مناصب شغل لائقة ودخول أفضل وخدمات عمومية أكثر جودة.
كما ينبغي أن تساهم في تقليص الفقر والتفاوتات وتعزيز الرفاه الاجتماعي.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون وظيفتنا مجرد عد أصحاب الملايين. ولا يكفي أيضا قياس حجم الثروة المتراكمة.
الأهم هو معرفة ما الذي تنتجه هذه الثروة للمجتمع وللناس الذين يعيشون فيه.
وهذه هي المفارقة التي يضعنا أمامها تقرير «الثروة العالمية». فهو يقول إن العالم أصبح أكثر ثراء، لكنه يدفعنا إلى سؤال أكثر أهمية.
هل أصبحنا أكثر ثراء فعلا، أم أصبحنا فقط أكثر ثراء في الأصول؟
هنا تكمن المسافة بين إغناء الممتلكات وإغناء المجتمع.