التجمع الوطني للأحرار والاستقطاب السياسي.. حين يرتد السلاح إلى الخلف لملاحقة الحزب

محمد شوكي
محمد شوكي

أثار بلاغ المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار حول طاهرة الترحال السياسي أو الحزبي “الاستدراج والاستمالة” سؤالاً يتجاوز مضمون البلاغ نفسه. فالحزب الذي بنى جانباً مهما من تاريخه وتوسعه الانتخابي على استقطاب وجوه من أحزاب أخرى، يجد نفسه اليوم يشتكي من الظاهرة ذاتها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن انتقال السياسيين بين الأحزاب. فالظاهرة رافقت الحياة السياسية المغربية مع مختلف الاستحقاقات الانتخابية. ولم يسلم منها حزب، مهما كان توجهه، يسارياً أو ليبرالياً أو يمينياً. كما أن الانتقال يظل حقاً سياسياً، ما دام يحترم القانون.

لكن المفارقة تظهر عندما يكون الاستقطاب أداة لتوسيع الحزب يكون مقبولا بل ومرحب به، بل والدعاية له. لكن في المقابل تصبح الممارسة نفسها تهديداً لـ”أخلاقيات التنافس” عندما تقع في الاتجاه المعاكس.

من الاستقطاب إلى الشكوى

حذر المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار من ممارسات قال إنها تستهدف منتخبيه وبرلمانييه وقياداته. وربط الحزب هذه الممارسات بقواعد التنافس الديمقراطي قبل انتخابات شتنبر 2026.

وقال الأحرار، بلاغ المكتب السياسي بتاريخ 25 غشت 2026، إن الاستحقاقات المقبلة يجب أن تقوم على البرامج والأفكار والمشاريع. كما رفض أن تتحول الانتخابات إلى سباق لاستقطاب الأشخاص والمرشحين من الأحزاب الأخرى.

هذا الموقف يبدو، من حيث المبدأ، منطقياً إذا قرئ منعزلاً عن السياق التاريخي. لأان التنافس السياسي يفترض، فعلاً، أن يرتكز على البرامج والحصيلة والاختيارات.

لكن السياسة لا تُقرأ دائماً من خلال البلاغ الأخير فقط. بل تُقرأ أيضاً من خلال التاريخ والذاكرة القريبة للممارسة الحزبية.

وهنا تبدأ المفارقة.

الأحرار استفادوا من وافدين في انتخابات 2021

لن نعود هنا إلى تاريخ تأسيس الحزب أو مراحل تطوره الأولى. سنكتفي بالاستحقاقات الأخيرة، وبالخصوص انتخابات 2021.

فخلال تلك الانتخابات، اعتمد التجمع الوطني للأحرار على عدد من الوجوه القادمة من أحزاب أخرى. ومن أبرز الحالات التي يمكن تسيجلها، دون النبش أو البحث، انتقال يونس بنسليمان من حزب العدالة والتنمية إلى الأحرار.

غادر بنسليمان حزب العدالة والتنمية في فبراير 2021. ثم التحق بالتجمع الوطني للأحرار وترشح باسمه في دائرة مراكش المدينة.

كما انتقل نور الدين قشيبل من حزب العدالة والتنمية إلى التجمع الوطني للأحرار. واختاره الحزب لقيادة لائحته في دائرة القرية-غفساي خلال انتخابات 2021.

يمكن أيضاً استحضار حالة اعتماد الزهيدي. فقد كانت نائبة برلمانية عن حزب العدالة والتنمية قبل انتقالها إلى التجمع الوطني للأحرار.

وبعد انتقالها، أصبحت مرشحة عن الأحرار لرئاسة مجلس عمالة الصخيرات-تمارة. وانتُخبت لاحقاً رئيسة للمجلس عن الحزب.

44 في المائة من وكلاء لوائح الأحرار في انتخابات 2021 من الترحال

ولم تكن هذه الحالات معزولة، إذ نشر الأستاذ الجامعي المتخصص في الشأن الانتخابي عبد المنعم لزعر معطى لافتاً.

وقال لزعر إن نحو 44 في المائة من وكلاء لوائح الأحرار في انتخابات 2021 قدموا من أحزاب سياسية أخرى. وأضاف أن حزب الأصالة والمعاصرة كان أبرز مصادر هؤلاء الوافدين، بنسبة بلغت 15 في المائة.

إذا، هنا تتضح الصورة، كيف لحزب الأحرار أن يشتكي من “ممارسات” حزب الأصالة والمعاصرة، وهو الذي عانى من الظاهرة نفسها، وبنسبة كبيرة في استحقاقات 2026؟.

السؤال مختلف.

لماذا يصبح انتقال السياسيين مشكلة أخلاقية عندما يستفيد منه الخصوم؟ ولماذا كان الاستقطاب مقبولاً عندما خدم توسع الحزب؟

هل تغير المبدأ أم تغير الموقع؟

هنا تكمن النقطة الأساسية في هذه المفارقة.

يمكن لأي حزب أن يراجع موقفه من ظاهرة سياسية. ويمكنه أن يكتشف لاحقاً أن الاستقطاب المفرط يضر بالحياة الحزبية.

لكن المراجعة تحتاج إلى قدر من الاتساق.

إذا كان انتقال المنتخبين بين الأحزاب يضعف استقلالية التنظيمات، فهذه قاعدة ينبغي الدفاع عنها دائماً. وإذا كان انتقال السياسيين ممارسة طبيعية داخل نظام تعددي، فلا ينبغي تحويلها إلى أزمة أخلاقية فقط عندما يتضرر طرف معين.

أما الجمع بين الموقفين، فيخلق مشكلة ثقة.

والأهم أن الاستقطاب ليس ظاهرة اخترعها حزب واحد. فقد شهدت الساحة السياسية المغربية انتقال شخصيات بين أحزاب متعددة خلال السنوات الماضية.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست حول حق السياسي في تغيير انتمائه. بل حول قدرة الأحزاب على بناء تنظيمات مستقرة، بدل تشكيلات انتخابية تتغير خرائطها قبل كل استحقاق.

حزب يستقطب النخب ثم يشتكي من الاستقطاب

تبدو المفارقة أوضح عند النظر إلى المسار السياسي الحديث للتجمع الوطني للأحرار.

فالحزب وسع نفوذه خلال السنوات الماضية عبر استقطاب شخصيات ومنتخبين من مشارب حزبية مختلفة. وشملت هذه العملية وجوهاً قادمة من أحزاب ليبرالية ويسارية، بل ومن أحزاب ذات مرجعية إسلامية.

وكان هذا التوسع يقدم في كثير من الأحيان باعتباره دليلاً على جاذبية الحزب. كما كان يعكس قدرته على استقطاب الكفاءات والمنتخبين.

لكن المعادلة تبدو اليوم معكوسة.

فالحزب الذي استفاد من الاستقطاب يجد نفسه قلقاً من استقطاب مضاد يستهدف منتخبيه وقيادييه. وقد ينعكس ذلك على موقعه السياسي في الاستحقاقات المقبلة.

ومن هنا يمكن فهم حساسية البلاغ الأخير. فالمسألة لا تتعلق فقط بانتقال أشخاص. بل تتصل أيضاً بمخاوف سياسية وانتخابية مع اقتراب موعد الاستحقاقات.

عزيز أخنوش ووجوه من خارج المسار التنظيمي التقليدي

تتسع المفارقة أكثر عند الحديث عن طبيعة النخب التي ارتبطت بالحزب.

فعزيز أخنوش لم يكن نتاج مسار تنظيمي طويل داخل التجمع الوطني للأحرار قبل أن يتحول إلى أحد أبرز وجوهه. ثم تولى رئاسة الحزب.

كما استفاد التجمع، خلال مشاركاته الحكومية المتعاقبة، من شخصيات تكنوقراطية ورجال أعمال دخلوا إلى المجال الحكومي من بوابة الحزب.

ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه التجارب مولاي حفيظ العلمي ومحمد بنشعبون. وقد ارتبط حضور شخصيات من هذا النوع بالعمل الحكومي أكثر من ارتباطه بحياة حزبية تنظيمية كلاسيكية.

وهذا لا يمثل، في حد ذاته، عيباً سياسياً. فالأحزاب يمكن أن تستقطب الكفاءات من خارج هياكلها.

لكن الإشكال يظهر عندما يتحول استقطاب الكفاءات إلى قيمة إيجابية في اتجاه واحد فقط.

محمد شوكي وسعيد شبعتو.. مفارقة إضافية

ولكي نقف هنا عند هذه المفارقة، فالتاريخ لا يمحى، ولنستضره هنا بين الماضي والحاضر، في مفارقة أخرى مرتبطة بقيادة الحزب وتركيبته.

فمحمد شوكي، رئيس الحزب، الذي خاطب المكتب السياسي مدينا هذه الظاهرة، حسب البلاغ، فهو بدوره قادم من مسار سياسي خارج التجمع الوطني للأحرار، وبالضبط من الأصالة والمعاصرة. كما تضم هياكل الحزب ومكتبه السياسي شخصيات قدمت من تجارب حزبية أخرى.

وتبرز هنا حالة من التاريخ، سعيد شبعتو، والد مروان شبعتو، الذي أثار انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة النقاش الحالي.

إن الكل يعرف أن سعيد شبعتو ابن المدرسة الاتحادية، بل وكان عضواً في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قبل أن ينتقل إلى التجمع الوطني للأحرار ويصبح أحد قيادييه.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الترحال السياسي. بل بطرح سؤال أكثر بساطة:

هل يمكن أن يتحول الانتقال من حزب إلى آخر إلى “خطيئة سياسية” عندما يغادر السياسي حزباً معيناً، بينما يصبح استقطاب السياسيين من أحزاب أخرى مقبولاً عندما يخدم الحزب نفسه؟

المشكلة في ازدواجية النظر إلى الترحال

إذا كان الانتقال بين الأحزاب مرفوضاً من حيث المبدأ، فينبغي أن يكون الموقف واحداً تجاه الجميع.

أما إذا كان الحزب يعتبر استقطاب السياسيين من المنافسين حقاً سياسياً مشروعاً، فعليه أن يفسر لماذا يصبح الأمر نفسه، عندما يحدث في الاتجاه المعاكس، دليلاً على أزمة أخلاقية أو سياسية.

المشكلة إذن ليست في الترحال وحده. بل في ازدواجية النظر إليه، وبالتالي في ازدواجية الخطاب.

أن يكون الانتقال “استقطاباً للكفاءات” عندما يأتي السياسي إلى التجمع الوطني للأحرار، ثم يصبح “ترحالاً سياسياً” عندما يغادره، يضع الخطاب الحزبي أمام اختبار الاتساق.

وإذا كان هذا لا يمنع حق الأحرار في الدفاع عن تنظيمهم. لكن في المقابل لا يمنح أي حزب حصانة من فقدان منتخبيه.

لكن المصداقية السياسية تتطلب أن تكون القاعدة التي نطالب بها الآخرين هي نفسها القاعدة التي نلتزم بها عندما تكون مصلحتنا في الاتجاه المعاكس.

حين ينقلب سلاح الاستقطاب على أصحابه

المفارقة الأخيرة أن حزباً راكم جزءاً من قوته عبر استقطاب النخب والمنتخبين من خارج صفوفه، يجد نفسه اليوم أمام الوجه الآخر للسياسة نفسها.

فالحزب الذي استفاد من جذب شخصيات من أحزاب منافسة يواجه الآن احتمال فقدان بعض منتخبيه لصالح المنافسين.

وقد يؤثر ذلك على موقعه في انتخابات شتنبر 2026. وقد يفتح، في حال تغير موازين القوى، نقاشاً حول موقعه المقبل بين قيادة الحكومة والمعارضة.

لكن الحكم النهائي لن تصنعه انتقالات السياسيين وحدها.

فالانتخابات، في النهاية، اختبار للبرامج والحصيلة والقدرة على إقناع الناخبين. وإذا كان بلاغ الأحرار يدعو إلى الاحتكام إلى هذه العناصر، فإن أفضل اختبار لموقف الحزب سيكون مدى التزام جميع الأطراف بالقواعد نفسها.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من يستقطب من؟

السؤال الأهم هو: هل تستطيع الأحزاب المغربية بناء نخب سياسية مستقرة، قادرة على البقاء داخل التنظيمات، أم ستظل الانتخابات تعيد تشكيل الخريطة الحزبية عبر انتقال الأشخاص أكثر مما تعيد تشكيلها عبر البرامج؟

وهذا سؤال لن يحسمه أي بلاغ حزبي.

وحدها الممارسة السياسية، ثم صناديق الاقتراع، ستعطي الجواب.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts