أُعلن يوم أمس عن وفاة البابا فرنسيس، القائد الروحي لما يقرب من مليار ونصف المليار كاثوليكي حول العالم، ما يفتح صفحة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ويطلق سلسلة من الطقوس الدقيقة والمراسم المعقدة التي تُعرف باسم “فترة الكرسي الرسولي الشاغر”.
إغلاق الباباوية وبداية مرحلة الانتقال
وفقًا للدستور الرسولي، فإن تأكيد وفاة البابا يتم من قبل الكاردينال الكاميرلينغو، وهو أحد كبار مساعدي البابا. بعد ذلك، تُغلق الغرفة الخاصة والبيت البابوي، ويُعتبر الكرسي الرسولي شاغرًا رسميًا. خلال هذه الفترة، تُعلق مهام جميع وزراء الدولة في الفاتيكان، باستثناء الكاميرلينغو، الذي يتولى إدارة الشؤون العاجلة والمؤقتة.
دعوة الكرادلة إلى روما
يُطلب من الكرادلة من جميع أنحاء العالم التوجه فورًا إلى روما. الغاية من هذا التجمع هي تنظيم جنازة البابا، مناقشة التحديات التي تواجه الكنيسة، وتحديد ملامح القائد المقبل للكنيسة الكاثوليكية. كما تُعد هذه الاجتماعات المغلقة فرصة لتعزيز التعارف والتقارب بين الكرادلة، خاصةً أن التصويت سيتم من قبلهم لاختيار البابا الجديد من بين صفوفهم.
جنازة البابا ووداعه الأخير
يُقام الحداد في الفاتيكان لمدة تسعة أيام متتالية، يُعرف بـ”Novemdiales”، يتخلله قداسات يومية على روح البابا الراحل. وبحسب التقاليد، تتم الجنازة ما بين اليوم الرابع والسادس بعد الوفاة، ما يمنح المؤمنين فرصة لتوديع الجثمان الذي يُعرض في بازيليك القديس بطرس.
الجنازة الرسمية تُقام برئاسة عميد مجمع الكرادلة، حيث يُدفن الجثمان داخل تابوت من خشب السرو، يرافقه عدد من الرموز الشخصية والليتورجية، منها عملات ضربت في فترة حبريته، وثوب كهنوتي، ووثيقة تلخص أهم أحداث حبريته. على خلاف سابقيه، فإن البابا فرنسيس أوصى بأن يُدفن في بازيليك سانتا ماريا ماجوري، بدلاً من القبو التقليدي في كنيسة القديس بطرس، تعبيرًا عن حبه العميق للعذراء مريم.
الدخول في مجمع الكرادلة (الكونكلاف)
بعد الجنازة، تبدأ المرحلة الأهم وهي انتخاب البابا الجديد في مجمع يُعرف باسم الكونكلاف، وينعقد خلال فترة تمتد من 15 إلى 20 يومًا بعد الوفاة. فقط الكرادلة الذين تقل أعمارهم عن 80 سنة يحق لهم التصويت.
يُعقد الكونكلاف في الكنيسة السيستينية تحت سقفها المزخرف بلوحة “يوم القيامة” لمايكل أنجلو. قبل بدء عملية التصويت، يؤدي الكرادلة قَسَمًا صارمًا بالحفاظ على السرية التامة. تُغلق الأبواب ويُمنع أي تواصل مع العالم الخارجي، فلا هواتف، ولا صحف، ولا تلفاز. يُعزل الكرادلة تمامًا حتى تخرج من مدخنة الكنيسة السيستينية “الدخان الأبيض”، إيذانًا بانتخاب بابا جديد.
الكنيسة على أعتاب مرحلة جديدة
رحيل البابا فرنسيس يترك فراغًا كبيرًا في القيادة الروحية والسياسية للكنيسة. وبينما يستعد الكرادلة لاختيار خليفة له، تتجه أنظار العالم إلى الفاتيكان، مترقبة بقلق وأمل من سيكون الشخص الذي سيقود الكنيسة في مواجهة تحديات عالم متغير: من الانقسامات الداخلية، إلى قضايا الفقر والهجرة، والمواقف من القضايا الاجتماعية والأخلاقية.
مع كل هذا، تظل رمزية اللحظة راسخة: مشهد الدخان الأبيض الذي يرتفع من مدخنة الكنيسة السيستينية سيحمل معه ليس فقط اسم البابا الجديد، بل رؤى وآمال الملايين الذين ينتظرون من الروح القدس أن يلهم الاختيار الصحيح في لحظة مفصلية من تاريخ الإيمان الكاثوليكي.