تتوزع كلفة الحرب في الشرق الأوسط بشكل غير متساو بين دول العالم. لكن الدول الأكثر تضررا اقتصاديا اليوم هي تلك التي تجمع بين ثلاثة عوامل: اعتماد مرتفع على واردات الطاقة، انكشاف مباشر على مضيق هرمز، وضعف القدرة على امتصاص الصدمة عبر الموازنة أو الاحتياطات أو السياسة النقدية. ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، بدأت المؤشرات الأولى تظهر في تباطؤ النشاط. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مؤشرات على ارتفاع التضخم وتزايد الضغوط على العملات وأسعار الفائدة في عدد من الاقتصادات الكبرى والناشئة.
الدول الأكثر تضررا اقتصاديا من الحرب في الشرق الأوسط
إذا جرى ترتيب الدول بحسب حجم الخطر الاقتصادي المباشر، فإن الفئة الأكثر هشاشة تضم مصر وباكستان وسريلانكا وتركيا. تليها الهند واليابان، ثم بعض اقتصادات أوروبا الصناعية مثل ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا. أما دول الخليج، فهي تواجه خطرا من نوع مختلف، إذ أن ارتفاع الأسعار يفيدها نظريا. مع ذلك، اضطراب الملاحة في هرمز يهدد الصادرات نفسها، خصوصا الغاز والنفط المنقولين بحرا.
مصر وباكستان وسريلانكا: الصدمة الأقسى
تبدو مصر من أكثر الدول العربية عرضة للضرر، لأن الصدمة لا تقف عند الوقود. الاقتصاد المصري حساس أيضا لتراجع السياحة، وتكاليف الغذاء، وضغوط خدمة الدين الدولاري. ومع ضعف العملة، تصبح أي زيادة في أسعار الطاقة أو الشحن أكثر كلفة على الموازنة وعلى الأسر. هذا يجعل أثر الحرب مضاعفا، حتى لو لم تكن مصر من كبار مستوردي النفط مقارنة باقتصادات آسيوية أكبر.
باكستان وسريلانكا تبدوان أيضا في قلب الخطر. فهاتان الدولتان خرجتا حديثا من ضغوط اقتصادية قاسية، ولا تملكان هامشا كبيرا لامتصاص صدمة جديدة في الوقود والطاقة. رويترز أشارت إلى أن باكستان رفعت أسعار البنزين وخفضت الاستهلاك الحكومي، بينما فرضت سريلانكا إجراءات تقشف طاقي شملت إغلاقات وتعليق خدمات غير ضرورية. هذا النوع من التدخلات يعكس أن الأزمة لم تعد نظرية. بل بدأت تمس الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي مباشرة.
تركيا: أزمة طاقة فوق تضخم قائم
تركيا من أكثر الاقتصادات الناشئة حساسية لأي اضطراب إقليمي كبير. فهي تواجه بالفعل تضخما مرتفعا وضغوطا مستمرة على الليرة. أي صدمة طاقة جديدة تدفع البنك المركزي إلى تشديد إضافي أو إلى استنزاف الاحتياطات للدفاع عن العملة. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها شديدة التأثر أمنيا وسياسيا بتوسع النزاع أو موجات نزوح جديدة. لهذا السبب، فإن الضرر التركي لا يأتي فقط من النفط والغاز. بل يأتي أيضا من تداخل الطاقة مع السياسة النقدية والتمويل الخارجي وثقة المستثمرين.
الهند واليابان: الاعتماد الكبير على هرمز
الهند واليابان من أكثر الاقتصادات الكبرى انكشافا على مضيق هرمز. وتستورد الهند حصة ضخمة من احتياجاتها النفطية، ويمر جزء مهم من وارداتها عبر المضيق. وقد بدأت بالفعل باتخاذ خطوات لتعزيز البنية التحتية للغاز مع تزايد قيود الإمداد. كما أشارت رويترز إلى أن النمو في الهند تباطأ إلى أدنى مستوى في ثلاث سنوات. بالإضافة إلى ذلك، تعرضت الروبية لضغوط قوية.
أما اليابان، فهي معرضة بقوة بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. ووفق رويترز، كان نحو 90% من وارداتها النفطية يمر عبر هرمز. كما أن أي اضطراب في النافثا أو الغاز ينعكس بسرعة على الصناعة والبتروكيماويات. صحيح أن اليابان تملك مؤسسات قوية واحتياطات أفضل من الاقتصادات الهشة. لكن حجم اعتمادها الطاقي يجعلها من أكثر المتضررين بين الدول المتقدمة.
ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا: أوروبا الصناعية تحت الضغط
في أوروبا، تتصدر ألمانيا قائمة الاقتصادات المعرضة للضرر بسبب ثقل الصناعة وحساسية التصنيع لأسعار الطاقة. وقد أظهرت مسوح الأعمال الأخيرة تباطؤا في النشاط وارتفاعا في توقعات التضخم في منطقة اليورو. يعيد ذلك إلى الأذهان صدمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا. إيطاليا تواجه مشكلة مشابهة، لأن مزيجها الطاقي يظل حساسا لأسعار النفط والغاز، بينما تجد بريطانيا نفسها أمام ضغط مزدوج. ويعود ذلك بسبب اعتماد أكبر على الغاز في إنتاج الكهرباء وخطر بقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول.
هذه الاقتصادات ليست الأضعف ماليا، لكنها قد تتكبد خسائر كبيرة في النمو الصناعي والتنافسية وكلفة الإنتاج. لذلك، يكون الضرر فيها أقل حدة اجتماعيا من مصر أو باكستان، لكنه أوسع حجما على مستوى الاقتصاد الكلي والأسواق والتجارة.
دول الخليج: رابحون بالأسعار وخاسرون بالممرات
قد يبدو لأول وهلة أن دول الخليج تستفيد من ارتفاع النفط والغاز. لكن هذا صحيح فقط إذا استمرت الصادرات في التدفق. المشكلة أن مضيق هرمز يظل شريانا أساسيا للنفط والغاز الخليجيين. وكالة الطاقة الدولية تؤكد أن نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا تمر عبر المضيق. بالإضافة إلى ذلك، أن 93% من صادرات قطر و96% من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال تعبره أيضا. هذا يمثل قرابة خُمس تجارة الغاز المسال العالمية.
هذا يعني أن قطر والكويت والبحرين، ومعها الإمارات جزئيا، قد تتضرر بشدة إذا تعطل التصدير أو ارتفعت كلفة التأمين والشحن. كما أن تباطؤ النشاط في الخليج قد يضغط على التحويلات المالية نحو بلدان عربية وآسيوية تعتمد على عمالتها هناك. البنك الدولي يشير إلى أن أي ضعف في اقتصادات الخليج ينعكس على تحويلات بلدان مستوردة للنفط في المنطقة.
من الأكثر تضررا فعلا؟
إذا كان المعيار هو الهشاشة، فمصر وباكستان وسريلانكا وتركيا تبدو في مقدمة المتضررين. وإذا كان المعيار هو الاعتماد على هرمز والطاقة المستوردة، فاليابان والهند في مقدمة القائمة. وإذا كان المعيار هو الخسارة الصناعية والضغوط التضخمية، فألمانيا وإيطاليا وبريطانيا من أبرز المتأثرين. أما إذا كان المعيار هو خطر تعطل الصادرات نفسها، فبعض دول الخليج تقف في الواجهة.