تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيدا غير مسبوق منذ اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة ضد إيران، في حرب امتدت تداعياتها من الخليج العربي إلى إسرائيل ولبنان، وبلغت ذروتها مع اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده الراحل علي خامنئي.
وجاء هذا التحول السياسي في طهران في وقت تتوسع فيه رقعة المواجهات العسكرية، مع تبادل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة بين إيران وعدد من الدول، إلى جانب الضربات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد مواقع إيرانية، ما ينذر بمرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
انتقال السلطة في طهران.. ترسيخ نفوذ التيار المحافظ
شكّل اختيار مجلس خبراء القيادة في إيران لـمجتبى خامنئي مرشداً أعلى حدثاً سياسياً بارزاً داخل النظام الإيراني. فالرجل الذي ظل لسنوات فاعلاً مؤثراً داخل دوائر السلطة من دون منصب رسمي، أصبح اليوم على رأس هرم الحكم في الجمهورية الإسلامية.
ويرى مراقبون أن صعوده يعكس استمرار هيمنة التيار المحافظ المتشدد داخل مؤسسات الحكم، خاصة في ظل الدعم الذي يحظى به من المؤسسة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن مبايعته للمرشد الجديد.
كما يُعتقد أن هذا التحول قد يدفع طهران إلى تبني مقاربة أكثر صرامة في إدارة المواجهة مع خصومها الإقليميين والدوليين.
الخليج تحت النار.. هجمات بالصواريخ والمسيّرات
في موازاة التحولات السياسية داخل إيران، شهدت عدة دول خليجية، ومنطقة الشرق الأوسط، عموما، هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة نسبت إلى طهران.
ففي البحرين، أعلنت السلطات إصابة 32 مدنياً، بينهم أطفال ورضيع، إثر هجوم بطائرات مسيّرة استهدف منطقة سترة، وفق ما أعلنت وزارة الصحة البحرينية.
كما تعرضت السعودية لسقوط مقذوف عسكري في محافظة الخرج، ما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بحسب بيان الدفاع المدني السعودي.
وفي قطر والكويت، أعلنت السلطات اعتراض هجمات صاروخية ومسيرات إيرانية، في حين أكدت الإمارات أنها في حالة دفاع بعد تعرضها لهجمات واسعة استهدفت منشآت مدنية وبنى تحتية.
وأدانت وزارة الخارجية السعودية هذه الهجمات، معتبرة أنها تمثل تصعيداً خطيراً وتهديداً لأمن واستقرار المنطقة.
تصعيد عسكري مع الولايات المتحدة
في سياق متصل، أعلن الجيش الأمريكي وفاة جندي متأثراً بجروح أصيب بها خلال هجوم إيراني استهدف قوات أمريكية في السعودية، ما يرفع عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا منذ اندلاع الحرب إلى سبعة.
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الجندي أصيب في الهجمات الأولى التي شنها النظام الإيراني في أنحاء الشرق الأوسط مطلع شهر مارس.
كما شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مراسم إعادة جثامين ستة جنود أمريكيين قتلوا الأسبوع الماضي، في قاعدة دوفر الجوية بولاية ديلاوير.
إيران تفتح جبهة إسرائيل
وعقب اختيار المرشد الأعلى الجديد، أطلقت إيران رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل، حيث دوت صفارات الإنذار في تل أبيب والقدس ومناطق أخرى.
وأسفرت الهجمات عن إصابة ستة أشخاص على الأقل، بحسب منظمة الإسعاف الإسرائيلية.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجة غارات واسعة على أكثر من 400 هدف داخل إيران خلال 24 ساعة، شملت منصات صواريخ ومواقع لإنتاج وسائل قتالية.
لبنان يدخل المواجهة
امتدت المواجهة أيضاً إلى الساحة اللبنانية، حيث أعلن حزب الله أنه اشتبك مع قوات إسرائيلية نفذت عملية إنزال جوي في شرق لبنان عبر الحدود السورية.
وقال الحزب إن مقاتليه تصدوا لقوة إسرائيلية حاولت التقدم في جرود بلدة النبي شيت، بينما تحدثت تقارير عن اشتباكات عنيفة في المنطقة.
وفي المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي شن غارات على مواقع تابعة للحزب في بيروت وجنوب لبنان.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
أحد أخطر تداعيات الحرب تمثل في تصاعد الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
وبحسب تقارير دولية، تعرضت نحو عشر سفن لهجمات خلال أسبوع واحد، ما أدى إلى انخفاض حركة الملاحة في المضيق بنسبة تصل إلى 90 بالمئة.
ويمر عبر هذا الممر الحيوي نحو 20 في المئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يثير مخاوف من اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية.
تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد
في ظل هذا التصعيد، دعا الأمين العام لـ مجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي، الدول العربية إلى دعم مشروع قرار خليجي في مجلس الأمن الدولي لإدانة الهجمات الإيرانية.
كما أدان حمد بن عيسى آل خليفة الاعتداءات التي تعرضت لها بلاده ودول عربية أخرى، مؤكداً أنها “غير مسبوقة ولا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة”.
المنطقة أمام مرحلة مفصلية
تشير التطورات المتسارعة إلى أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من التوتر العسكري والسياسي، مع تعدد الجبهات وارتفاع منسوب المواجهة بين إيران وخصومها.
ومع انتقال السلطة إلى المرشد الأعلى الجديد في طهران، واستمرار الضربات المتبادلة في الخليج وإسرائيل ولبنان، تبدو المنطقة أمام معادلة معقدة قد تعيد رسم موازين القوى الإقليمية في السنوات المقبلة.