أثار مشهد يهود مغاربة وهم يؤدون صلاة جماعية في فضاء عام بمراكش جدلا واسعا. لكن جوهر المشكلة لم يكن في الصلاة نفسها. المشكلة كانت في نظرة بعض الأصوات إلى من صلوا. وكأن الإشكال ليس في الفضاء العام، بل في هوية الذين وقفوا داخله للصلاة.
إن أي شخص من حقه أن يناقش السياق. من حقه أن يختلف مع الشكل. من حقه أيضا أن يرفض أي توظيف سياسي محتمل لأي حدث. هذا نقاش مشروع. لكن غير المشروع هو أن يتحول البعض فجأة إلى حراس صارمين للفضاء العام، فلا يتذكرون “حرمته” إلا عندما يكون المصلون يهودا.
هنا يسقط النقاش من مستوى الرأي إلى مستوى الكيل بمكيالين. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حرية الصلاة في الفضاء العام لا تتجزأ
في كل بقاع العالم، يؤدي المسلمون صلواتهم في فضاءات عامة. نراهم في الشوارع والمطارات والجامعات والحدائق والساحات. نراهم فرادى وجماعات. وأحيانا في قلب المدن الأوروبية الكبرى، وفي نيويورك وواشنطن. وحين يحدث ذلك، يعتبر كثيرون المشهد طبيعيا. أو على الأقل مفهوما في سياقه الديني والإنساني.
بل إن أصواتا كثيرة تدافع، بحق، عن حق المسلمين في ممارسة شعائرهم حيثما وجدوا، ما دام ذلك يجري في احترام القانون والنظام العام.
فما الذي يتغير حين يكون الذين يؤدون الصلاة هذه المرة يهودا مغاربة؟ هل تغير الفضاء العام؟ أم معنى الصلاة؟ هل تبدلت قواعد الحرية؟ أو أن المشكلة الحقيقية عند البعض هي أن الواقف للصلاة ليس مسلما؟
إذا كان المعيار هو احترام النظام العام، فليطبق على الجميع. وإذا كان المعيار هو رفض الصلاة في الفضاءات المفتوحة، فليطبق على الجميع أيضا. أما أن يصبح الفعل نفسه عاديا مع فئة، ومستفزا مع فئة أخرى، فذلك ليس دفاعا عن مبدأ. هذا انتقائية صريحة.
ازدواجية تكشف خللا في فهم الحرية الدينية
هذه الازدواجية لا تكشف فقط عن توتر عابر. هي تكشف عن خلل أعمق في فهم الحرية الدينية نفسها. فالحق في العبادة لا يفقد شرعيته بتغير الديانة. إن من يدافع عن حق المسلمين في الصلاة حيثما وجدوا، ثم ينقلب على المبدأ نفسه عندما يتعلق الأمر بيهود، لا يدافع عن الحرية. هو يدافع عن امتياز حصري يريد احتكاره لهوية واحدة فقط.
الحرية ليست بندا انتقائيا. لا يمكن استعمالها حين تخدم هويتنا، ثم رفضها حين يستفيد منها غيرنا. ومن يفعل ذلك، لا يحمي الفضاء العام. هو فقط يعيد رسمه على مقاس انحيازه.
يهود المغرب ليسوا غرباء عن الوطن
ثم إن المغرب ليس بلدا بلا ذاكرة. اليهود المغاربة ليسوا جسما غريبا نزل فجأة إلى المدينة العتيقة. هم جزء من تاريخ هذا الوطن. جزء من نسيجه. وذاكرته. وروحه التي تشكلت عبر قرون من التعدد والتعايش.
قد يختلف الناس حول التوقيت. قد يختلفون حول الرمزية. وقد يطرحون أسئلة بشأن الرسائل الممكنة لأي مشهد يجري في سياق إقليمي حساس. كل هذا ممكن. لكن لا يمكن القفز على حقيقة واضحة: يهود المغرب ليسوا غرباء عن المغرب.
ومن الظلم أن يتحول هذا الانتماء التاريخي، عند أول مشهد يثير الجدل، إلى موضع شك أو ريبة أو اتهام ضمني.
من النقاش إلى التهجم وصناعة الريبة
الأخطر في ما وقع هو أن بعض النقاش لم يبق في حدود الاختلاف. تحول بسرعة إلى تهجم. ثم إلى تخوين. ثم إلى صناعة ريبة جماعية. وهذا مسار مقلق.
فبدل تحليل الحدث بهدوء، سار بعض الخطاب إلى التلميح والتخويف وربط المشهد بسرديات جاهزة. وبدل طلب المعطيات الدقيقة، جرى تضخيم الشكوك وبناء أحكام على روايات غير موثقة، أو على أسماء مستعارة، أو على منابر تدعي الموضوعية وهي تخلط بين الرأي والخبر.
حين يصبح الاسم المستعار دليلا، والتلميح حجة، والتأويل المسبق بديلا عن الوقائع، فنحن لا نمارس نقدا. نحن نلوث المجال العام. ونغذي التوتر. وندفع النقاش إلى منطقة خطيرة، حيث تصبح الهوية نفسها موضع إدانة.
بين النقد السياسي المشروع ومعاقبة الناس على دينهم
ليس مطلوبا من أحد أن يتخلى عن مواقفه السياسية. وليس مطلوبا من أحد أن يغير قناعاته تجاه قضايا المنطقة. لكن من واجب الجميع ألا يحولوا اليهودي، فقط لأنه يهودي، إلى متهم دائم حتى وهو يصلي.
هناك فرق واضح بين نقد أي توظيف سياسي محتمل لأي مشهد. وهناك فرق أكبر بين ذلك وبين معاقبة جماعة كاملة فقط على هويتها الدينية. هذا الخلط لا يخدم أي نقاش جاد. بل يفتح الباب أمام تعميم خطير، ويحول الدين إلى تهمة جاهزة.
والأخطر أن هذا الخطاب يقدم نفسه أحيانا بلباس الغيرة على القضايا العادلة. لكنه في العمق يضرب مبدأ العدالة نفسه. لأن العدالة لا تقوم على هوية من أمامك. بل على المعيار الذي تطبقه عليه.
المغرب في حاجة إلى الاتساق لا إلى الميزان المزدوج
ما يحتاجه النقاش العمومي اليوم هو قليل من الانفعال، وكثير من الإنصاف. ويحتاج أكثر إلى الاتساق.
من يرفض الصلاة في الفضاء العام، عليه أن يرفضها للجميع. ومن يقبلها باعتبارها ممارسة دينية طبيعية، عليه أن يقبلها للجميع. أما أن نصمت حين يصلي المسلمون في الساحات، ونثور حين يصلي اليهود في المكان نفسه، فذلك ليس دفاعا عن الفضاء العام. ذلك سقوط واضح في فخ الانتقائية.
المغرب أكبر من هذا التضييق الرمزي. وأعمق من هذه الانفعالات العابرة. قوته كانت دائما في قدرته على استيعاب تعدده، لا في محاكمته. وتاريخه لم يبن على محو اختلافاته، بل على تدبيرها داخل هوية واسعة تتسع للجميع.
كرامة الفضاء العام تحميها المساواة
كرامة الفضاء العام لا تصان بمنع فئة من الصلاة فيه. كرامته تصان حين يشعر الجميع أن لهم الحق نفسه. في الوجود. والتعبير. وأيضا، في العبادة. والحق في أن لا يتحولوا إلى هدف لمجرد أنهم ينتمون إلى دين مختلف.
أخيرا، ليست المشكلة في أن يهودا صلوا في فضاء عام. المشكلة في أن البعض رأى في صلاتهم ما لا يراه في صلاة غيرهم. وحين يصبح الحق نفسه مباحا لفئة، ومثيرا للغضب عند فئة أخرى، فالمشكلة ليست في الدين. المشكلة في الضمير الذي يزن الناس بميزانين.