أثار الجدل المتجدد حول الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران وحماس نقاشا سياسيا واسعا في المغرب. وجاء ذلك بعد تداول مقاطع وتعليقات تنتقد مواقف منسوبة لعبد الإله بنكيران، وتعتبر أن ربط النقاش الداخلي بتنظيمات أو قضايا خارجية يطرح أسئلة حساسة حول حدود الخطاب السياسي.
إن التشكيك في الوضع الأمني بالمغرب، وخاصة من طرف الرئيس الأسبق للحكومة، عبد الإله بنكيران، ومحاولة الترويج لمخاطر تهدد أمن البلد، وأن الحل هو ميليشيات مسلحة، على شاكلة حماس، لإنقاذه من مخاطر لا توجد إلا في مخيلة بنكيران. يجعل من حق الرأي العام أن يسائل هذا الخطاب السياسي، الذي يستحضر فاعلين خارجيين داخل سجال وطني، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمن المغرب واستقراره وصورته المؤسساتية.
المغرب بلد آمن برجاله ونسائه، وبمؤسساته، وبوعي مواطنيه. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى مزايدة. كما أن المغاربة، باختلاف مواقفهم السياسية، يجمعون على أن أمن البلاد خط أحمر، وأن النقاش الداخلي يجب أن يبقى محكوما بالمصلحة الوطنية.
بنكيران وحماس وحدود الخطاب السياسي
يفرض الجدل حول بنكيران وحماس سؤالا واضحا. هل يجوز لأي فاعل سياسي أن يستعمل قضايا خارجية لتقوية موقعه داخل النقاش الداخلي؟ الجواب يحتاج إلى تمييز هادئ.
فالتضامن مع قضايا إنسانية أو سياسية خارجية يبقى حقا في التعبير. كما أن القضية الفلسطينية تحظى بمكانة خاصة لدى المغاربة، دولة وشعبا. لكن تحويل هذا التضامن إلى أداة في الصراع الداخلي قد يربك النقاش، ويفتح الباب أمام تأويلات خطيرة.
السياسة الوطنية لها قواعدها. والخلاف بين الأحزاب يجب أن يبقى داخل المؤسسات، وداخل المجال العمومي المغربي. أما الاستقواء الرمزي بأي طرف خارجي، أو الإيحاء بأن قوة الخارج تصلح لتعديل موازين الداخل، فهو خطاب غير موفق.
المغرب لا يحتاج إلى دروس في الوطنية من أحد. كما لا يحتاج إلى نماذج أو ميليشيات مسلحة ذات خلفية دينية أو أو إيديولوجية أو تنظيمات خارجية لإثبات صلابته. قوته في دولته، وفي جيشه، وأمنه، ونسائه ورجاله، ومؤسساته المنتخبة، ومواطنيه الذين حافظوا على الاستقرار في لحظات صعبة.
المغرب آمن ومستقر بمؤسساته ومواطنيه
حين يقال إن المغرب آمن ومستقر برجاله ونسائه الوطنيين، فهذه ليست جملة إنشائية فقط. إنها تلخص حقيقة سياسية واجتماعية. فالاستقرار المغربي لم يأت من فراغ. بل جاء من تراكم مؤسساتي، ومن اختيارات وطنية، ومن وعي جماعي بخطورة الفوضى.
لذلك، يجب أن يكون خطاب المسؤولين السابقين والحاليين دقيقا. الكلمات في السياسة ليست عابرة. وقد تتحول عبارة واحدة إلى مادة تأويل واسع، خاصة في زمن المنصات الاجتماعية، حيث ينتشر المقطع قبل أن يشرح صاحبه قصده.
فالبلد الذي نريد الدفاع عنه يحتاج إلى خطاب مسؤول. كما يحتاج إلى معارضة مسؤولة، وأغلبية مسؤولة، وإعلام مسؤول. لا يمكن الدفاع عن الأمن الوطني بأسلوب يضعف الثقة، أو يفتح الباب أمام الشتائم والاتهامات غير المثبتة.
لا للتخوين ولا للاستقواء بالخارج
المشكل لا يرتبط بشخص واحد فقط. بل يرتبط بنمط يتكرر في السياسة المغربية. كلما اشتد الخلاف، تظهر لغة التخوين. وكلما ضاق النقاش، يلجأ البعض إلى الرموز الخارجية، أو إلى استدعاء صراعات لا تخدم المواطن في شيء.
هذا الأسلوب يضر بالجميع. فهو يضعف الأحزاب، ويشوش على النقاش العمومي، ويجعل المواطن يشعر أن السياسة مجرد صراع شعارات، لا مجالا لحل مشاكله اليومية.
القضايا الخارجية يجب أن تناقش بوعي. وموقف المغرب من فلسطين، مثلا، تؤطره ثوابت رسمية وشعبية معروفة. لكن استعمال هذه القضايا داخل تنافس حزبي ضيق يطرح مشكلة. فهو قد يخلط بين التضامن المشروع والمزايدة السياسية.
في المقابل، لا ينبغي أن يتحول انتقاد هذا الخلط إلى شيطنة للمتعاطفين مع فلسطين، خاصة المتضامنين دون خلفية تحكمها ارتباطات خارجية. فالمغاربة يميزون بين التضامن الإنساني، وبين استحضار أي تنظيم خارجي داخل نزاع سياسي داخلي.
المطلوب توضيح سياسي لا تصعيد لفظي
في مثل هذه القضايا، أفضل رد هو التوضيح. على أي مسؤول سياسي يثير كلامه جدلا أن يشرح قصده. وعلى خصومه أن يناقشوا مضمون كلامه، لا أن يحولوا النقاش إلى معركة شخصية، لكن في حالة بنكيران، ومن خلال تجارب سابقة، يزايد بالقضية الفلسطينية، خاصة في مراحل قرب الاستحقاقات الانتخابية.
كما أن الأحزاب مطالبة أيضا بتربية خطابها الداخلي. فلا أحد يربح من رفع منسوب التوتر. والبلد لا يحتاج إلى استيراد معاركه من الخارج، ولا إلى تحويل السياسة إلى معسكرات تخوين.
المغرب قوي لأنه اختار الاستقرار. وقوي لأنه حافظ على مؤسساته. وقوي لأن المواطنين، مهما اختلفوا، يعرفون أن الوطن أكبر من الحزب، وأكبر من الزعيم، وأكبر من اللحظة الانتخابية.
النقاش الوطني يحتاج إلى سقف واضح
يجب أن يكون سقف النقاش السياسي واضحا. نختلف حول البرامج. وأيضا نختلف حول الحكومة. نختلف حول الأحزاب. لكننا لا نختلف حول أمن المغرب ووحدته واستقراره.
ومن حق أي مواطن أن ينتقد بنكيران أو غيره. ومن حق أي فاعل سياسي أن يدافع عن رأيه. خاصة إذا كان هذا الفاعل السياسي تجاوز كل الحدود، وذهب إلى حد التلويح بزرع الفتنة، عبر التلويح بخلق ميليشيات مسلحة بديلة للجيش الملكي، نسخا لتجربتي حماس في قلسطين، وحزب الله في لبنان.
الخطاب الوطني لا يعني إسكات الخلاف. بل يعني تنظيمه داخل حدود واضحة. لا استقواء بالخارج. ولا تخوين للداخل. لا مزايدة على أمن البلاد. ولا استعمال للقضايا الكبرى لتصفية حسابات حزبية ضيقة.
بهذا المعنى، يكشف الجدل حول بنكيران وحماس عن حاجة ملحة إلى ترشيد الكلام السياسي. فالمغرب آمن فعلا برجاله ونسائه الوطنيين. وسيبقى أقوى كلما حافظ الفاعلون على نقاش مسؤول، يضع مصلحة البلاد فوق كل حساب، لا إلى نهج خطاب يزرع الفتنة، ويحاول خلق ميليشات موازية، على غرغر حماس لزرع الفتنة.