اعتبر وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، لا يمثل مفاجأة بالنسبة إلى المغرب.
وأوضح بوريطة، في حوار خاص بثته القناة الثانية (2M)، مساء السبت، أن الرباط كانت على علم مسبق بالتوجه الروسي. وذلك بعدما ظهرت مؤشرات معارضة موسكو للمشروع منذ أيام.
وأضاف أن المغرب اختار التعامل مع هذا التطور باعتباره فرصة لمراجعة قواعد تدبير الملف. بدلا من الاكتفاء بتعديل صياغة القرار لإرضاء الموقف الروسي.
وجاءت تصريحات المسؤول الحكومي خلال حوار خاص بثته القناة الثانية، مساء السبت. تناول فيه مستجدات قضية الصحراء المغربية، ونتائج التصويت داخل مجلس الأمن الدولي، وآفاق المرحلة المقبلة.
وأكد بوريطة أن هذه المقاربة تستند إلى التوجيهات الملكية الداعية إلى الانتقال من التدبير إلى التغيير. وشدد على أن الأمر لا يتعلق بشعار سياسي، بل بممارسة يومية وتعليمات واضحة في التعامل مع القضية الوطنية.
من تدبير النزاع إلى تغيير قواعد اللعبة
وأوضح وزير الخارجية أن تدبير الملف كان يتم وفق قواعد وضعت في سياق تاريخي معين. غير أن استمرار النزاع لنحو خمسة عقود يفرض اليوم إعادة النظر في مدى صلاحية تلك القواعد.
وأشار إلى أن التدبير يعني الاشتغال داخل قواعد قائمة، ومحاولة تحقيق نتائج ضمن الحدود التي تتيحها. أما التغيير، فيقتضي التساؤل عن مدى ملاءمة هذه القواعد للواقع الحالي، وقدرتها على دفع المسار نحو الحل.
وأضاف أن المغرب كان ينتظر صدور قرار حاسم عن مجلس الأمن، يستند إلى القرار 2797، ويوضح محددات المرحلة المقبلة.
وكانت الرباط تراهن على أن يتضمن القرار عناصر واضحة بشأن أساس المفاوضات، والأطراف المعنية بها، ومآل المسلسل السياسي، إلى جانب معالجة الجوانب المرتبطة بالوضع الإنساني في مخيمات تندوف.
واعتبر بوريطة أن القرار المنتظر كان ينبغي أن يتجاوز الغموض، وأن يقدم توجيهات واضحة للمسار الأممي. لذلك، لم يكن التوجه المغربي قائما على البحث عن صياغات توافقية تخفف من مضمون القرار.
وفي هذا السياق، كشف الوزير أن المؤشرات المتعلقة بإمكانية استخدام روسيا الفيتو ظهرت قبل موعد التصويت بأيام. وهو ما دفع المغرب إلى دراسة الخيارات المتاحة، بين الاستمرار في تدبير الخلاف وتقديم تنازلات تسمح بتمرير القرار. أو التعامل مع الموقف باعتباره فرصة لمراجعة قواعد المسار برمته.
وأوضح أن المغرب لم يختر الاكتفاء بتعديل بعض العبارات أو حذف مقتضيات من المشروع لتفادي الاعتراض الروسي. بل اتجه إلى اعتبار التطور مناسبة لطرح سؤال أعمق حول القواعد التي تحكم معالجة النزاع داخل الأمم المتحدة.
بوريطة: الفيتو الروسي لم يكن مفاجأة
وشدد بوريطة على أن الموقف الروسي لم يفاجئ الدبلوماسية المغربية، بعدما توصلت الرباط بإشارات واضحة بشأن نية موسكو معارضة المشروع الأمريكي.
وقال إن النقاش داخل المغرب انصب على كيفية التعامل مع هذا التطور، وليس على مجرد تفادي الفيتو بأي ثمن.
وأضاف أن المقاربة الملكية فتحت المجال أمام قراءة مختلفة للموقف الروسي. فبدلا من اعتباره تهديدا يستوجب تقديم تنازلات في مضمون القرار، رأى المغرب فيه فرصة لاختبار مدى قدرة القواعد الحالية على مواكبة التحولات الدولية.
واعتبر أن الحسم الذي كان ينتظره المغرب لم يكن محصورا في مضمون القرار وصياغاته. بل امتد إلى ضرورة مراجعة الإطار الذي يتحرك داخله المسار الأممي، بما يسمح بالانتقال إلى مرحلة جديدة.
الدينامية الدولية لا تسمح بالعودة إلى نقطة الصفر
وبخصوص طبيعة المرحلة الحالية، استبعد وزير الخارجية أن يكون المغرب بصدد العودة إلى نقطة البداية في مسلسل تسوية النزاع.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت نشوء دينامية دولية وصفها بأنها غير قابلة للتراجع. وتستند هذه الدينامية، بحسبه، إلى تنامي دعم عدد من القوى الدولية المؤثرة لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
وأشار إلى أن هذا الدعم شمل دولا كبرى وأعضاء دائمين في مجلس الأمن. إلى جانب دول أوروبية وإفريقية وعربية وأمريكية لاتينية.
وأكد أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية زخما دبلوماسيا مهما، من خلال علاقاته مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ودول أخرى.
واعتبر أن هذا التحول يفرض استثمار المكتسبات الثنائية في التأثير على المسار الأممي. كما يقتضي تحقيق الانسجام بين واقع دولي يتغير باستمرار، وقواعد أممية ظلت مرتبطة بسياق تاريخي سابق.
وأضاف أن المغرب طوى بالفعل صفحة من المراحل السابقة. ولا يمكن التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها عودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل عقود.
وشدد على أن استمرار الاشتغال بالقواعد القديمة، دون مراجعتها، لن يسمح بتحقيق تقدم يتناسب مع التحولات التي عرفتها القضية خلال السنوات الأخيرة.
11 دولة دعمت المشروع الأمريكي رغم الفيتو الروسي
وتوقف بوريطة عند نتائج التصويت داخل مجلس الأمن، معتبرا أنها تعكس اتساع الدعم الدولي للتوجه الذي يدافع عنه المغرب.
وحصل مشروع القرار الأمريكي على تأييد 11 عضوا من أصل 15، مقابل تصويت روسيا ضده، وامتناع الصين وباكستان والصومال عن التصويت.
ورغم حصول المشروع على أغلبية الأصوات، حال استخدام روسيا حق النقض دون اعتماده، باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن.
وفي المقابل، لم يحصل مشروع القرار الروسي البديل على العدد الكافي من الأصوات، بعدما أيده ثلاثة أعضاء فقط، مقابل معارضة الولايات المتحدة وامتناع 11 عضوا.
واعتبر بوريطة أن نتائج التصويت كشفت عن اتساع التأييد للمقاربة التي تستهدف تحريك المسار السياسي، بدل الإبقاء على الوضع القائم.
وأوضح أن الدعم لم يقتصر على منطقة جغرافية معينة. بل شمل ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، ودولا أوروبية وعربية وإفريقية وأمريكية لاتينية.
وأضاف أن هذه النتيجة تعكس تجاوبا مع الموقف المغربي القائم على ضرورة أن تكون قرارات مجلس الأمن رسائل سياسية واضحة، وليست مجرد نصوص إنشائية قابلة لتفسيرات متعددة.
المغرب يرفض تكريس الجمود داخل المسار الأممي
وفي قراءته للمشروع الروسي البديل، أوضح بوريطة أن موسكو حاولت تمرير صيغة تقنية تقتصر على تمديد ولاية بعثة المينورسو، دون إدخال تغييرات جوهرية على إطار اشتغالها.
غير أن المغرب، وفق توضيحاته، لم ير في هذا التوجه مخرجا مناسبا، لأنه يعيد إنتاج القواعد نفسها التي لم تنجح في دفع المسار نحو تسوية نهائية.
واعتبر أن النقاش لم يعد يتعلق بمجرد تمديد ولاية البعثة الأممية أو الإبقاء على تسميتها الحالية. بل أصبح مرتبطا بالاختيار بين تحريك مسار الحل والاستمرار في الوضع السابق.
وأضاف أن امتناع 11 دولة عن دعم المشروع الروسي البديل، مقابل تأييد المشروع الأمريكي من طرف 11 عضوا، يعكس اختلافا واضحا في التوجهات داخل المجلس.
وخلص بوريطة إلى أن المرحلة الحالية تفرض التعامل مع التحولات الدولية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة قواعد المسار الأممي.
وشدد على أن المغرب لا يريد الاكتفاء بتدبير الخلافات داخل الإطار القائم. بل يسعى إلى إحداث تغيير ينسجم مع الدينامية الدولية التي عرفتها قضية الصحراء خلال السنوات الأخيرة.