البقالي: ملتمس الرقابة.. من محاولة لإسقاط الحكومة إلى لحظة سقوط المعارضة

قال عبد الله البقالي، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، ورئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية السابق، إن ملتمس الرقابة الذي تقدّمت به المعارضة لم يتحول إلى لحظة إسقاط للحكومة، كما يفترض هذا الإجراء الدستوري، بل تحول إلى لحظة سقوط المعارضة نفسها، التي خرجت من هذه المعركة السياسية منهكة وممزقة.

وأكد البقالي، في بودكاست نشره على قناته في يوتيوب بعنوان: “ملتمس الرقابة الذي أسقط المعارضة قبل أن يسقط الحكومة! ماذا حدث؟”، أن هذا الملتمس لم يولد ميتا فحسب، بل كشف عمق الأعطاب البنيوية داخل صفوف المعارضة المغربية، في لحظة سياسية طغت عليها الخيبة والانقسام، موضحا أن ما جرى يعكس أزمة عميقة في المشهد السياسي أكثر من كونه مجرد إخفاق تكتيكي.

وأشار البقالي إلى أن ملتمس الرقابة في التاريخ البرلماني المغربي مثّل دائما محطة دستورية نوعية، حيث استحضر أول تجربة سنة 1964 حين تقدم فريق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بملتمس ضد حكومة أحمد باحنيني، في خضم ظروف سياسية دقيقة بعد الاستقلال، وانتهت بإعلان حالة الاستثناء في سنة 1965.

كما ذكر بمحطة 1990 التي قدمت فيها المعارضة ملتمسا ضد حكومة عز الدين العراقي، مشددا على أن تلك المرحلة تحوّلت إلى منبر قوي للمطالبة بإصلاحات سياسية كبرى.

وأوضح أن تلك اللحظات التاريخية أعطت ملتمسات الرقابة طابعا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وفتحت المجال أمام البرلمان ليكون ساحة حقيقية للنقاش العمومي.

أما في صيغته الأخيرة، فقد أبرز البقالي أن الملتمس افتقد للأسس السياسية والتنسيقية الصلبة، ملاحظا أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أعلن عنه بشكل انفرادي، دون تنسيق مسبق مع باقي مكونات المعارضة.

ومع أن هذه المكونات انخرطت لاحقا في المبادرة، إلا أن غياب التنسيق قبل وأثناء الإعلان عن الملتمس جعله عرضة للارتباك والفوضى، حسب تعبيره.

وأضاف أن المعارضة دخلت في صراعات داخلية حادة، وصلت إلى تبادل الاتهامات بـ”الاختلاس السياسي” و”الحسابات الضيقة”، ما كشف بوضوح غياب رؤية سياسية موحدة قادرة على تحويل هذه المحطة الدستورية إلى لحظة مساءلة ناضجة.

وتابع أن كل حزب داخل المعارضة بدا منشغلا بحساباته الخاصة، فالاتحاد الاشتراكي رأى نفسه الأحق بالمبادرة لكونه يتوفر على أكبر فريق برلماني معارض، بينما اعتبر حزب الحركة الشعبية أن أمينه العام محمد أوزين هو الوحيد من الأمناء العامين الحاضرين في البرلمان، ما يمنحه الأسبقية. أما حزب العدالة والتنمية، فرأى في الملتمس فرصة لاستعادة موقعه السياسي داخل المشهد.

وشدد البقالي على أن هذه الحسابات الحزبية الضيقة فجّرت خلافات علنية بين مكونات المعارضة، ما أدى في النهاية إلى انسحاب الاتحاد الاشتراكي وتبعثر أوراق التنسيق، وتضييع اللحظة.

وأكد أن النتيجة النهائية كانت لصالح الحكومة، التي لم تكن مضطرة إلى خوض مواجهة حقيقية، في حين بدت المعارضة مهزومة، ومنقسمة على ذاتها، غير قادرة على تقديم بديل سياسي موحد.

وقال إن المفارقة تكمن في كون ملتمس الرقابة، الذي يفترض أن يكون لحظة مساءلة قوية للحكومة، تحوّل إلى مرآة تعكس فشل المعارضة في تقديم خطاب سياسي موحد ومتماسك.

وأضاف أن الرأي العام حرم من فرصة دستورية وسياسية مهمة لتقييم الأداء السياسي والبرلماني للمعارضة، في ظرفية سياسية دقيقة، حيث كان بالإمكان تحويل المبادرة إلى لحظة نقاش وطني مفتوح، كما حدث في سنتي 1964 و1990.

وختم عبد الله البقالي تحليله بالتأكيد على أن ما وقع لا يمثل فقط إخفاقا في التنسيق أو غياب الرؤية، بل يعكس أزمة ثقة أعمق داخل المعارضة، وأزمة في التصور المستقبلي والقدرة على توحيد الصفوف، قائلا إن ملتمس الرقابة، الذي لم يُقدَّم، أصبح شاهدا على معارضة لم تكن في مستوى اللحظة السياسية والدستورية.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts