أعادت تزكية حزب الأصالة والمعاصرة لرجل الأعمال أنس الأنصاري خلط الأوراق السياسية بمدينة مكناس، بعدما تحولت الخطوة إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط الحزبية المحلية. ويعود ذلك بالنظر إلى رمزية الاسم وصلته بعائلة تحضر بقوة داخل المشهد الاستقلالي بالمدينة والجهة.
ولم تُقرأ هذه التزكية كمجرد اختيار انتخابي عادي. بل اعتبرها متتبعون مؤشرا على رغبة واضحة لدى “الجرار” في التقدم داخل واحدة من أكثر الدوائر السياسية حساسية في العاصمة الإسماعيلية. كما اعتبروها محاولة لبناء اختراق داخل مجال ظل، لسنوات، مرتبطا بنفوذ حزب الاستقلال وشبكاته المحلية.
تزكية أنس الأنصاري بمكناس تثير الانتباه
تكمن أهمية هذه التزكية في هوية المرشح نفسه. فأنس الأنصاري ليس اسما عابرا في المشهد المحلي، بل يرتبط بعائلة لها حضور سياسي واضح. ويعود ذلك بالنظر إلى صلته العائلية بالقيادي الاستقلالي ورئيس جهة فاس-مكناس عبد الواحد الأنصاري.
هذا المعطى منح الخطوة بعدا سياسيا مضاعفا. فالأمر لا يتعلق فقط باستقطاب فاعل اقتصادي أو مرشح له امتداد محلي. بل بانتقال اسم من محيط عائلي وسياسي محسوب تقليديا على حزب الاستقلال إلى صفوف الأصالة والمعاصرة.
ومن هنا، تحولت التزكية إلى حدث تتجاوز دلالاته الجانب التنظيمي الداخلي. بل تمس صورة التوازنات الحزبية داخل مكناس. كذلك تفتح باب التأويل حول ما إذا كان الأمر مجرد اختيار فردي أم بداية لتحول أعمق في بعض الولاءات المحلية.
“الجرار” يختبر قوته داخل معقل انتخابي حساس
يرى متابعون أن الأصالة والمعاصرة يحاول، من خلال هذا الاختيار، توجيه رسالة سياسية قوية مفادها أنه لم يعد يكتفي بالمنافسة التقليدية على المقاعد. بل يسعى إلى التمدد داخل المجالات التي كانت تُعتبر، إلى وقت قريب، أقرب إلى النفوذ التاريخي لحزب الاستقلال.
وتظهر هذه القراءة أن الحزب اختار هذه المرة الرهان على اسم قادر على إثارة الانتباه وإرباك الحسابات داخل خصومه. لذلك فضل التركيز عليه بدل الاكتفاء بمنطق الحضور العددي أو التنظيمي الكلاسيكي.
كما أن السياق المحلي يمنح الخطوة أهمية إضافية، لأن مكناس ليست دائرة عادية في الخريطة الانتخابية. بل هي فضاء تتقاطع فيه الحسابات العائلية والاقتصادية والحزبية. لهذا ما يجعل أي تغيير في الاصطفافات أكثر تأثيرا من مجرد انتقال حزبي معزول.
عائلة الأنصاري في قلب الجدل السياسي
أعاد هذا التطور اسم عائلة الأنصاري إلى واجهة النقاش السياسي المحلي، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة. فبدل أن يحضر الاسم في إطار استمرارية النفوذ الاستقلالي، صار يستدعى في سياق حديث عن اختراق حزبي من طرف منافس مباشر.
وتذهب بعض القراءات إلى أن هذه الخطوة قد تضع القواعد الاستقلالية بمكناس أمام وضع غير مريح. وذلك لأن الصراع قد لا يُفهم فقط في بعده الحزبي. بل أيضا في رمزيته العائلية والسياسية.
ومع ذلك، يبقى من الصعب الجزم بحجم الأثر الفعلي لهذا المعطى قبل بداية المعركة الانتخابية بشكل رسمي، لأن الولاءات المحلية لا تُحسم دائما بالرمزية وحدها، بل تتدخل فيها أيضا اعتبارات التنظيم والحضور الميداني والقدرة على التعبئة.
رهان على الأعيان والفعاليات الاقتصادية
المعطيات المتداولة في كواليس المدينة تفيد بأن الأصالة والمعاصرة لا يراهن فقط على اسم المرشح. بل يراهن أيضا على ما قد يحمله معه من امتدادات داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية.
فأنس الأنصاري يقدم، في هذا السياق، كوجه قادر على التحرك داخل شبكة من العلاقات المحلية. وسواء في المجال الاقتصادي أو ضمن الفاعلين المؤثرين في المشهد الانتخابي.
وهذا ما يجعل هذه التزكية، في نظر مراقبين، محاولة لبناء “تأثير متسلسل” قد يتجاوز الشخص إلى من يدورون في محيطه. ويشمل ذلك سواء من الأعيان أو من الفاعلين الذين كانوا، في مراحل سابقة، أقرب إلى دوائر نفوذ حزب الاستقلال.
لكن هذا الرهان يبقى بدوره رهينا بقدرة “الجرار” على تحويل الدعم المفترض إلى تعبئة انتخابية فعلية. وليس إلى مجرد انطباع سياسي يسبق الحملة.
هل يراهن “البام” على تصدعات صامتة؟
تسمح هذه الخطوة أيضا بقراءة أوسع لاستراتيجية الأصالة والمعاصرة في مكناس. فبدل المواجهة المباشرة بخطاب سياسي تقليدي، يبدو أن الحزب يفضل الاستثمار في مناطق التوتر أو التصدعات غير المعلنة. وذلك داخل المعسكرات المنافسة.
وفي هذا الإطار، قد تعكس تزكية أنس الأنصاري محاولة لالتقاط تحولات أعمق داخل النخب المحلية. وخاصة تلك المرتبطة بصعود جيل جديد من الفاعلين الاقتصاديين والراغبين في التحرر من الوصاية الحزبية التقليدية أو الإرث التنظيمي القديم.
هذه القراءة لا تعني بالضرورة أن المشهد انقلب بالكامل. لكنها تكشف أن التنافس بمكناس بدأ يأخذ أشكالا أكثر تعقيدا. حيث لم تعد المعركة فقط بين الأحزاب. بل أيضا بين منطق الاستمرارية ومنطق إعادة التموضع.
مكناس على أبواب مواجهة مفتوحة
في المحصلة، فتحت تزكية أنس الأنصاري الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في مكناس. ويبرز عنوانها الأساسي إعادة ترتيب النفوذ داخل مدينة تعرف حساسية انتخابية واضحة.
فإذا كان حزب الاستقلال سيعتبر هذه الخطوة محاولة للمساس بخزانه التقليدي، فإن الأصالة والمعاصرة سيقدمها على الأرجح كدليل على قدرته على استقطاب أسماء وازنة. ويسعى أيضا إلى توسيع مجاله داخل معاقل كانت تُحسب على غيره.
وبين هذين التصورين، تبدو العاصمة الإسماعيلية مقبلة على مواجهة سياسية مفتوحة، ستكون صناديق الاقتراع وحدها القادرة على حسم ما إذا كانت هذه التزكية مجرد ضربة إعلامية ناجحة، أم بداية فعلية لتحول أعمق في موازين القوى داخل المدينة.