فيروس هانتا.. لماذا لا يرجح أن يصبح الجائحة القادمة؟

فيروس هانتا فيروس هانتا

أثار فيروس هانتا موجة قلق جديدة بعد تسجيل بؤرة عدوى على متن السفينة السياحية “إم في هونديوس”. غير أن الدكتور الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية، يؤكد أن خطر تحول هذا الفيروس إلى جائحة عالمية يظل منخفضا للغاية.

ويرى حمضي أن عناصر القلق موجودة فعلا، خاصة أن السلالة المرتبطة بالبؤرة الحالية هي من النوع القادر على الانتقال بين البشر عبر الرذاذ التنفسي. غير أن العوامل المطمئنة، حسب تقديره، تبقى هي الغالبة في هذه المرحلة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن ثماني حالات أبلغ عنها إلى حدود 7 ماي 2026، منها خمس حالات مؤكدة، وثلاث وفيات مرتبطة بالتفشي على متن السفينة. ومع ذلك، شددت المنظمة على أن خطر الصحة العامة يبقى منخفضا في الوضع الحالي.

فيروس هانتا بين القلق والطمأنة

ينتمي فيروس هانتا إلى مجموعة فيروسات تنتقل غالبا من القوارض إلى الإنسان. ويحدث ذلك عبر ملامسة أو استنشاق فضلات القوارض المصابة أو بولها أو لعابها. وقد تحدث العدوى أيضا، بشكل أقل شيوعا، عبر العضات.

وتكمن خصوصية التفشي الحالي في الحديث عن سلالة “أنديس”. فهذه السلالة تثير انتباها أكبر، لأنها ترتبط بحالات موثقة من انتقال العدوى بين البشر. لكن هذا الانتقال لا يشبه انتشار فيروسات تنفسية واسعة العدوى، مثل كورونا.

ويوضح الدكتور حمضي أن الانتقال البشري، رغم وجوده في هذه السلالة، يظل هامشيا جدا مقارنة بالانتقال الحيواني المنشأ. أي أن الطريق الأوسع للعدوى يبقى من الحيوان إلى الإنسان، وليس من إنسان إلى آخر.

كما أن الانتقال بين البشر يحتاج، وفق قراءته، إلى اتصال وثيق ومطول. وهذا ما يجعل فضاء مثل السفن السياحية أكثر ملاءمة لظهور بؤرة محدودة، بسبب المساحات المشتركة الضيقة وأنظمة التهوية المشتركة.

لماذا لا يشبه كورونا؟

يخشى كثيرون من تكرار سيناريو كورونا عند ظهور أي بؤرة على سفينة سياحية. غير أن مقارنة فيروس هانتا بكورونا تحتاج إلى كثير من الحذر.

فكورونا كان ينتقل بسهولة بين البشر، وبسرعة عالية، عبر الرذاذ والمخالطة اليومية. أما فيروس هانتا، فينتقل غالبا عبر التعرض للقوارض أو مخلفاتها، وليس عبر المخالطة العابرة بين الناس.

حتى في حالة سلالة “أنديس”، لا يحدث الانتقال البشري عادة إلا في ظروف محددة. وتشمل هذه الظروف القرب الشديد، والمخالطة الطويلة، والتعرض المتكرر داخل فضاءات مغلقة.

ولهذا السبب، يرى حمضي أن المعطيات الحالية لا تدعم سيناريو جائحة قادمة. فالفيروس شديد الخطورة في بعض الحالات، لكنه لا يملك، حسب ما هو معروف حاليا، قدرة انتشار واسعة وسريعة بين البشر.

كما أن السلطات الصحية تحركت مبكرا في ملف السفينة. وقد شملت التدابير الإجلاء الطبي، والعزل، وتتبع المخالطين، ومراقبة الركاب والطاقم.

سلالة أنديس تحت المراقبة

تشير معطيات المراكز الصحية الأمريكية إلى أن سلالة أنديس يمكن أن تنتقل بين البشر في ظروف محدودة. ولهذا توصي بتجنب الاتصال القريب مع المصابين المحتملين، وتفادي مشاركة الأواني والمشروبات، والحرص على غسل اليدين.

وهذا لا يعني أن الفيروس أصبح قابلا للانتشار الواسع. بل يعني أن السلطات الصحية تتعامل معه بحذر أكبر، خاصة عندما تظهر بؤرة داخل فضاء مغلق مثل سفينة.

كما توثق دراسات علمية حالات انتقال بين البشر مرتبطة بفيروس أنديس، خصوصا في الأرجنتين وتشيلي. لكنها تظل حالات محدودة، ولا تغير الطبيعة العامة لفيروسات هانتا باعتبارها فيروسات ذات منشأ حيواني أساسا.

وبحسب تقييم المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، فإن حادث السفينة يبقى في طور التقييم الأولي، مع توصيات بالمتابعة والمراقبة. وأشار المركز، في تقييم 6 ماي، إلى تسجيل سبع حالات حينها، بينها ثلاث وفيات، مع ضرورة تحديث المعطيات تبعا لتطور الوضع.

السفينة فضاء خاص لا قاعدة عامة

تتميز السفن السياحية بظروف خاصة. فالركاب يعيشون لفترة طويلة في فضاء محدود. ويتقاسمون قاعات الطعام، والممرات، وأنظمة التهوية، والأنشطة الجماعية.

لذلك، يمكن لأي مرض معد، ولو محدود الانتقال، أن يجد فرصة للظهور داخل هذا النوع من الفضاءات. غير أن ذلك لا يعني أنه سينتشر بالطريقة نفسها في المجتمع العام.

ويؤكد الدكتور حمضي أن بؤرة السفينة لا تكفي للحديث عن بداية جائحة. فالمعطيات الوبائية الحالية لا تشير إلى انتشار مجتمعي واسع. كما أن الحالات تخضع للتتبع، والمخالطون للمراقبة.

وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها تعمل مع الدول المعنية ومشغل السفينة لتتبع الوضع، وضمان الرعاية الطبية والإجلاء عند الحاجة. كما أكدت أن الخطر العام يبقى منخفضا، رغم احتمال تسجيل حالات إضافية مرتبطة بالبؤرة نفسها.

خطورة المرض لا تعني حتمية الجائحة

قد يكون فيروس هانتا خطيرا، خصوصا عندما يتسبب في متلازمة رئوية حادة. لذلك لا ينبغي التقليل من أهميته الصحية. لكن الخطورة السريرية لا تعني بالضرورة قابلية عالية للانتشار.

هناك أمراض شديدة الفتك، لكنها لا تتحول إلى جوائح لأنها تحتاج إلى ظروف انتقال معقدة. وهذا ينطبق، إلى حد بعيد، على فيروس هانتا وسلالة أنديس.

ويشرح حمضي أن الانتقال بين البشر، إن حدث، يبقى محدودا ويحتاج إلى قرب طويل. وهذا يختلف عن الفيروسات التي تنتقل بسهولة في وسائل النقل والأسواق والمدارس والمكاتب.

لذلك، تحتاج الرسالة الصحية إلى توازن. لا يجب بث الذعر بين الناس. وفي الوقت نفسه، لا يجب تجاهل المرض أو التعامل معه بخفة.

التدابير الوقائية تقلل الخطر

تساعد التدابير الصحية السريعة على منع توسع أي بؤرة. وتشمل هذه التدابير عزل الحالات، وتقديم العلاج، وتتبع المخالطين، وتقييم المخاطر، ومراقبة الأعراض خلال فترة الحضانة.

كما تبدأ الوقاية العامة من تجنب التعرض للقوارض ومخلفاتها. وينبغي تهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها، وتجنب كنس الغبار الجاف في أماكن قد تكون ملوثة، واستعمال وسائل حماية مناسبة.

أما في حالة سلالة أنديس، فتضاف احتياطات مرتبطة بالمخالطة البشرية. وتشمل تجنب القرب الشديد من المصابين المحتملين، وعدم مشاركة الأدوات الشخصية أو أواني الطعام والشراب.

وبناء على هذه العناصر، يبدو أن فيروس هانتا لا يمثل، في الوقت الحالي، مرشحا قويا ليكون الجائحة القادمة. فهو يستحق المراقبة والجدية. لكنه لا يملك، وفق المعطيات الحالية وقراءة الدكتور الطيب حمضي، شروط الانتشار العالمي السريع.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts