أصدرت رئاسة النيابة العامة، في خطوة ترمي إلى تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وترسيخ الدور الدستوري للنيابة العامة في حماية الحقوق والحريات، دورية جديدة تؤطر ضوابط استنطاق الأشخاص المقدمين أمامها، مستحضرة التحولات التشريعية العميقة التي جاء بها القانون رقم 03.23 المغير والمتمم لقانون المسطرة الجنائية، وما حمله من مقتضيات تروم تقوية حقوق الدفاع، والارتقاء بممارسات العدالة الجنائية.
الدورية، الموجهة إلى المحامي العام الأول لدى محكمة النقض، والوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، شددت منذ مستهلها على أن استنطاق المشتبه فيهم يشكل لحظة مفصلية في المسار الجنائي، باعتباره أول اتصال مباشر بين الشخص المقدم وقاضي النيابة العامة، وهي مرحلة تتقاطع فيها اعتبارات قانونية وحقوقية وإنسانية دقيقة، تفرض قدرا عاليا من اليقظة المهنية والتقدير السليم للوقائع.
وانطلقت رئاسة النيابة العامة من التأكيد على أن هذه المرحلة لا تقتصر على إجراء شكلي، بل تمثل آلية أساسية لتحقيق التوازن بين حقوق المشتبه فيهم من جهة، وحقوق الضحايا والمجتمع من جهة ثانية، بما ينسجم مع قرينة البراءة والطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي.
ولهذا الغرض، دعت الدورية قضاة النيابة العامة إلى دراسة المحاضر المحالة عليهم دراسة متأنية، مع الحرص على التكييف القانوني السليم للأفعال، وعدم الانسياق الآلي نحو المساس بالحرية إلا عند توافر المبررات القانونية الصارمة.
وفي هذا السياق، ذكّرت الدورية بالتوجيهات السابقة الصادرة عن رئاسة النيابة العامة، سواء عبر الدوريات أو اللقاءات التأطيرية، والتي أكدت باستمرار على ضرورة ضمان استفادة الأشخاص المقدمين من كافة الحقوق المكفولة لهم قانونا، وترشيد اللجوء إلى الإجراءات السالبة للحرية.
غير أن المستجد الأبرز الذي جاءت به هذه الدورية يتمثل في استحضار التعديلات الجوهرية التي أدخلها القانون رقم 03.23، خاصة ما يتعلق بالمواد 47 و73 و74، والمواد الجديدة المضافة من قبيل 1-47 و2-47 و1-73 و2-73 و1-74، والتي عززت بشكل واضح حقوق المشتبه فيهم ووسعت من نطاق ضمانات الدفاع.
وأكدت رئاسة النيابة العامة أن التطبيق السليم لهذه المقتضيات يفرض على قضاة النيابة العامة، في مرحلة الاستنطاق، التأكد أولا من احترام الحقوق الأساسية للمشتبه فيه منذ لحظة الإيقاف، وعلى رأسها الحق في التزام الصمت، والإشعار بالتهمة، وإخبار العائلة، والاتصال بالمحامي، مع التحقق من قانونية ظروف الحراسة النظرية أو الاحتفاظ بالنسبة للأحداث، وربطها بالأسباب المحددة قانونا.
كما شددت على ضرورة استنطاق المشتبه فيه في إطار يحترم كرامته الإنسانية، مع مراعاة خصوصيات الأطفال في نزاع مع القانون، والضحايا، خاصة المنتمين إلى الفئات الهشة، وتمكين المشتبه فيه من الاستعانة بمحام أو مترجم عند الاقتضاء.
ولم تغفل الدورية جانب التوثيق، حيث أكدت على أهمية تحرير محاضر استنطاق مستوفية لكافة الشكليات القانونية، مع تعليل القرارات المتخذة، خصوصا في حالات المتابعة في حالة اعتقال، انسجاما مع التوجيهات السابقة في هذا المجال.
كما أولت أهمية خاصة لإعمال الفحص الطبي كلما اقتضت الضرورة ذلك، وفق الضوابط القانونية المحددة، بما يعكس حرص المؤسسة على حماية السلامة الجسدية للمشتبه فيهم وضمان شفافية الإجراءات.
وعلى مستوى القرار المتخذ في حق المشتبه فيه، دعت رئاسة النيابة العامة إلى اعتماد مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار ظروف القضية، وشخصية المتهم، وخطورة الفعل المرتكب، وآثاره على المجتمع، مع إعطاء الأولوية لإعمال بدائل الدعوى العمومية، وعلى رأسها الصلح الزجري، وتفعيل تدابير المراقبة القضائية عوض اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، متى توفرت شروط ذلك.
وفي شقها الثاني، ركزت الدورية على قواعد التدبير الجيد لعملية تقديم المشتبه فيهم، معتبرة أن النجاعة القانونية لا تنفصل عن الحكامة والتنظيم المحكم. ودعت إلى ترشيد التقديم في حالة سراح، وعدم الإذن بالحراسة النظرية إلا عند توافر موجباتها القانونية، وتخفيف الضغط على مكاتب التقديم عبر تفعيل الإمكانيات التي يتيحها القانون، من قبيل انتقال النيابة العامة إلى مقرات الشرطة القضائية عند الاقتضاء.
كما شددت على ضرورة تنظيم الاستنطاق وفق أولويات واضحة، تبدأ بالقضايا التي يكون أطرافها من الفئات الخاصة، وبالقضايا التي قد تفضي إلى الاعتقال الاحتياطي، مع تحسين شروط الاستقبال والاحتفاظ، وفصل الأحداث عن الرشداء، وضمان احترام المعايير القانونية والإنسانية داخل فضاءات التقديم.
وأكدت أيضا على أهمية ترشيد الزمن القضائي، وتفادي إرجاع المحاضر لإتمام البحث إلا للضرورة القصوى، لما لذلك من أثر سلبي على حقوق الأطراف وحسن سير العدالة.
وختمت رئاسة النيابة العامة دوريتها بالتأكيد على أن أنسنة الاستنطاق ليست خيارا ثانويا، بل مكونا أساسيا في بناء صورة العدالة الجنائية، وفي تعزيز ثقة المتقاضين في مؤسسة النيابة العامة، داعية كافة القضاة إلى التقيد الصارم بمضامين الدورية، والحرص على التطبيق السليم للقانون، مع الرجوع إلى الرئاسة عند مواجهة أي صعوبات عملية، في أفق تكريس ممارسات فضلى تحمي الحقوق والحريات وتخدم الصالح العام.