أعلنت رئاسة النيابة العامة، اليوم الخميس 26 مارس، عن مخططها الاستراتيجي للفترة الممتدة من 2026 إلى 2028، باعتباره إطارا مرجعيا جديدا يروم تكريس وتوطيد استقلال السلطة القضائية والارتقاء بمستوى أدائها.
ويأتي ذلك في سياق مواصلة تحديث منظومة العدالة بالمغرب وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتها.
وأكدت رئاسة النيابة العامة، في بلاغ رسمي، أنها تسترشد في هذا المسار بالتوجيهات الملكية السامية التي وردت في خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والخمسين لثورة الملك والشعب، بتاريخ 20 غشت 2009.
وقد دعا الخطاب إلى توطيد الثقة والمصداقية في قضاء فعال ومنصف. بالإضافة إلى ذلك، دعا إلى إيجاد قضاء قادر على مواكبة التحولات الوطنية والدولية والاستجابة لمتطلبات عدالة القرن الحادي والعشرين.
ويعكس هذا المخطط الجديد رغبة واضحة في الانتقال من منطق التدبير اليومي إلى منطق الرؤية المتوسطة المدى. ويتم ذلك عبر تحديد أولويات دقيقة، ووضع أهداف قابلة للتتبع، وربط تطوير الأداء القضائي والإداري بحاجيات المتقاضين ومرتفقي العدالة.
المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة 2026-2028
أوضحت رئاسة النيابة العامة أن هذا المخطط جاء ثمرة مقاربة تشاركية استهدفت بلورة الخطوط الكبرى لاستراتيجية العمل خلال السنوات الثلاث المقبلة. وتركز هذه الرؤية على الرفع من مستوى أداء النيابات العامة، وتفعيل شعار القضاء في خدمة المواطن. كما تعزز دور المؤسسة في حماية الحقوق والحريات.
كما يراهن المخطط على تطوير أداء الموارد البشرية وتأهيلها، وضمان جودة التكوين، والاستفادة من فرص التحديث التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة. ويعني ذلك أن الرؤية الجديدة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط. بل تشمل أيضا العنصر البشري وآليات التدبير وأساليب العمل داخل مختلف مكونات النيابة العامة.
وترى رئاسة النيابة العامة أن هذه المداخل تشكل قاعدة أساسية لدعم وتطوير أداء النيابات العامة لدى مختلف محاكم المملكة. وتعمل أيضا على مواكبة عملها وتحقيق النجاعة القضائية المطلوبة. إضافة إلى ذلك، تركز على ضمان تنزيل فعال للسياسة الجنائية في ارتباط بالدفاع عن الحق العام وحماية النظام العام وصيانة سيادة القانون.
جسر نحو العشرية الثانية لاستقلال النيابة العامة
يقدم هذا المخطط نفسه أيضا كتتويج لمسار من التراكمات التي طبعت تجربة استقلال النيابة العامة بالمغرب. وتعتبر هذه التجربة شارفت على دخول عشريتها الأولى. ومن هذا المنطلق، تسعى رئاسة النيابة العامة إلى جعل هذه الوثيقة جسرا نحو العشرية الثانية، مع ما يفرضه ذلك من ترصيد للمكتسبات وتطوير للنتائج المحققة.
ويحمل هذا المعطى بعدا مؤسساتيا مهما، لأن استقلال النيابة العامة لم يعد مجرد عنوان دستوري أو قانوني، بل ورشا عمليا يحتاج إلى آليات متابعة وتقييم وتطوير مستمر. لذلك، يطرح المخطط الجديد نفسه كأداة للرفع من مستوى الأداء المهني والقضائي.
ويتم ذلك عبر مقاربة مندمجة تسمح لرئاسة النيابة العامة بالاضطلاع بدورها داخل النسيج المؤسساتي الوطني. كما يتم ذلك بتنسيق مع باقي مكونات منظومة العدالة.
تحديث الهياكل والرقمنة وتعزيز الثقة
أكد البلاغ أن رئاسة النيابة العامة تأمل أن يشكل هذا المخطط أرضية مشتركة لتأهيل هياكلها الإدارية، وتحديث نظم العمل، سواء على مستوى الرئاسة أو على مستوى النيابات العامة لدى محاكم المملكة. كما يراهن المخطط على مواكبة التحولات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة. وهذا ما يساعد على تجويد الأداء وتطوير الخدمات الموجهة لمرتفقي العدالة.
ويبرز هنا بوضوح حضور الرقمنة كأحد رهانات المرحلة المقبلة. فالمؤسسة تريد الاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا من أجل الرفع من النجاعة، وتبسيط المساطر. بالإضافة إلى ذلك، تعمل على تحسين جودة الخدمات، وتعزيز منسوب الثقة لدى المواطنين. وهناك اختيار يعكس وعيا متزايدا داخل مؤسسات العدالة بأهمية التحديث الرقمي في تحسين العلاقة مع المتقاضين وتجويد الأداء الداخلي.
تسعة محاور كبرى و30 ورشا
يرتكز المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة 2026-2028 على تسعة محاور كبرى. وتشمل هذه المحاور تعزيز الثقة في النيابة العامة، والإسهام في الارتقاء بفعالية أدائها، وتعزيز حماية الحقوق والحريات، وتخليق الحياة العامة، وحماية الفئات الخاصة. كما تهدف إلى حماية النظام العام الاقتصادي وتشجيع الاستثمار.
كما تشمل التوجهات الاستراتيجية أيضا تأهيل الموارد البشرية، وتعزيز عقلنة تدبير الميزانية، والرقمنة وإدماج التكنولوجيا الحديثة. وإلى جانب ذلك هنالك التعاون القضائي الدولي والشراكات، وتعزيز التواصل المؤسساتي.
ولتنزيل هذه التوجهات على أرض الواقع، تضمن المخطط 30 ورشا موزعة على مختلف المحاور المذكورة. وتهدف هذه الأوراش إلى تحقيق أهداف محددة وفق مؤشرات قابلة للقياس. هذا ما يمنح المخطط بعدا عمليا يتجاوز الطابع النظري أو الإعلاني.
رهان على النجاعة القضائية وحماية الحقوق
يحمل هذا المخطط رسالة واضحة مفادها أن تطوير أداء النيابة العامة لا ينفصل عن حماية الحقوق والحريات، ولا عن ترسيخ مبادئ العدل والإنصاف. فالمؤسسة تضع ضمن أولوياتها الدفاع عن الحق العام، وصيانة النظام العام، والتمسك بسيادة القانون. كما تهدف إلى حماية المواطنين أفرادا وجماعات في إطار من التلازم بين الحقوق والواجبات.
كما أن إدراج حماية النظام العام الاقتصادي وتشجيع الاستثمار ضمن المحاور الكبرى يعكس توسع أدوار النيابة العامة في مواكبة التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي تعرفها المملكة. وهذا ما يجعل المخطط وثيقة ذات بعد قضائي ومؤسساتي وتنموي في الوقت نفسه.