سد وادي المخازن يسجل مستوى امتلاء قياسياً غير مسبوق منذ 1979

سد وادي المخازن صلاح الدين الذهبي

بلغتت حقينة ُ سد وادي المخازن، بإقليم العرائش، إلى 945 مليونَ مترٍ مكعبٍ، بنسبةِ ملءٍ بلغت 140 في المئةِ من حمُولتِه، وهي نسبة ٌ قياسية ٌ يسجلها السدُّ لأولِ مرةٍ منذ تدشينِه سنة 1979، ويُعَد سدُّ وادي المخازن من أهم سدودِ شمالِ المملكة وأكبرِها، ويلعب دورا مهما في توزيعِ الموارد المائية.

ويأتي هذا الارتفاع الاستثنائي نتيجة التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها جهة طنجة–تطوان–الحسيمة خلال الأسابيع الأخيرة، والتي تجاوزت في بعض المناطق 200 ملم خلال 24 ساعة، ما جعل السد يلعب دوراً محورياً في الحماية من مخاطر الفيضانات بشمال المملكة.

ومع غزارة التساقطات المطرية، بعد مواسم جفاف، ونذرة مياه، برز النقاش، طرحت فيضانات مدينة القصر الكبير، التي ما تزال تثير ترقّباً واسعاً لدى الرأي العام الوطني، في ظل تواصل عمليات إجلاء المواطنين من عدد من الأحياء المتضررة، مجموعة من التساؤلات الملحّة بشأن أسباب التأخر في تصريف مياه سد وادي المخازن، قبل بلوغها مستويات قياسية، نتيجة التساقطات المطرية الاستثنائية الأخيرة.

وفي خضم تباين آراء المختصين والخبراء حول طرق التدبير والسيناريوهات الممكنة، تتقاطع المواقف عند دعوة مركزية مفادها ضرورة التعجيل بإنجاز سدود تلية مكثفة في محيط سد وادي المخازن، بهدف تخفيف الضغط عن المنشأة الرئيسية، والتحكم بشكل أفضل في الواردات المائية، والحد من مخاطر الفيضانات إلى أقصى درجة ممكنة. وإطلاق مشاريع مهيكلة لحماية مدينة القصر الكبير من فيضانات وادي اللوكوس.

وفي تصريح إعلامي، أكد سفيان أعفير، رئيس قسم تدبير موارد المياه بوكالة الحوض المائي لوكسوس، أن السد يوجد في وضعية تقنية جيدة، ويتم تتبع منشآته بشكل مستمر، مشدداً على أن جميع المؤشرات إيجابية وأن المنشأة تؤدي دورها الوقائي بكفاءة.

من جهته، أوضح ياسين وهبي، رئيس قسم التقييم وتخطيط الموارد المائية بالوكالة نفسها، أن السد استقبل واردات مائية فاقت 518 مليون متر مكعب خلال أسبوع واحد فقط، فيما بلغت الواردات الإجمالية منذ فاتح شتنبر الماضي إلى غاية فاتح فبراير الجاري حوالي 845 مليون متر مكعب.

وأضاف أن هذه الوضعية دفعت الوكالة إلى الشروع في التفريغ الجزئي للسد منذ 24 يناير في إطار التدبير الاستباقي، رغم استمرار ارتفاع الحقينة بفعل تواصل التساقطات القوية، مؤكداً أن السد “في حالة جيدة جداً ولم يتم تسجيل أي خلل”.

ويُعد سد وادي المخازن من أكبر وأهم السدود في شمال المملكة، إذ يضطلع بدور أساسي في توزيع الموارد المائية، السقي، والحماية من الفيضانات، كما يشكل ركيزة استراتيجية للتنمية الفلاحية والاقتصادية بالمنطقة.

سد وادي المخازن: المعطيات العامة

يُعد سد وادي المخازن من أكبر السدود بالمملكة وأهمها بشمال المغرب، ويقع بإقليم العرائش، غير بعيد عن مدينة القصر الكبير. تم تدشينه سنة 1979 في إطار السياسة الوطنية لبناء السدود التي أطلقها المغرب لمواجهة تقلبات المناخ وضمان الأمن المائي والغذائي.

وتم تدشين سد وادي المخازن سنة 1979، على وادي اللوكوس، ويتمثل دوره الأساسي، في السقي الفلاحيا (لمساحة المسقية: حوالي 40 ألف هكتار)، وتزويد المناطق بالمياه، والحماية من الفيضانات.

رمزية المكان: بين التاريخ والماء

يحمل السد اسم وادي المخازن، في إحالة مباشرة على معركة وادي المخازن (1578)، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ المغرب، حيث انتصر المغاربة على الغزو البرتغالي في ما عُرف بـ“معركة الملوك الثلاثة”.

وقد منح هذا الاسم للمشروع بعداً رمزياً يجمع بين الانتصار التاريخي والسيادة الوطنية والتحكم في الموارد الاستراتيجية.

تدشين استثنائي بحضور إسلامي واسع

تم تدشين السد في سياق دولي مميز، تزامن مع المؤتمر العاشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية، بحضور وزراء خارجية دول إسلامية، والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وشخصيات سياسية ودبلوماسية دولية، وممثلي الصحافة العالمية، وحشود كبيرة من المواطنين، وهو ما جعل من الحدث ملتقىً بين الدبلوماسية والتنمية، ورسّخ صورة المغرب كبلد يجمع بين العمق التاريخي والرؤية المستقبلية.

خطاب الراحل الملك الحسن الثاني: الماء، الإيمان، والتنمية

في خطابه التاريخي خلال تدشين السد، ربط الملك الراحل الحسن الثاني بين الماء والحياة، وبين الإيمان والتنمية، مستشهداً بالآية الكريمة: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

وأكد المغفور له الملك الحسن الثاني أن الماء ليس فقط مورداً طبيعياً، بل رافعة للتنمية والاستقرار، وأن السد سيُحدث تحولاً اقتصادياً واجتماعياً بالمنطقة، مشيرا إلى أن السياسة الوطنية لبناء السدود خيار استراتيجي رشيد لمواجهة الجفاف وضمان الاستقلال الفلاحي،

كما أبرز أن سد وادي المخازن سيسقي عشرات الآلاف من الهكتارات بصفة منتظمة، وسيخلق دينامية اقتصادية تمتد من الفلاحة إلى الصناعة التحويلية، وسيُحسن ظروف العيش بالسهول والجبال المحيطة

شكر خاص لدولة الكويت

خصّ جلالة الملك الحسن الثاني دولة الكويت بشكر وتنويه خاص، نظير مساهمتها المالية في إنجاز المشروع، في تعبير واضح عن: عمق التضامن العربي، والتعاون بين الدول الإسلامية في مشاريع التنمية الكبرى.

من سد تنموي إلى صمام أمان

بعد أكثر من أربعة عقود على تدشينه، يؤكد سد وادي المخازن راهنيته من جديد، بعدما سجل نسبة امتلاء قياسية بلغت 140٪، ولعب دوراً محورياً في الحد من مخاطر الفيضانات، كما شكّل خط دفاع أساسي لحماية مدن وقرى حوض اللوكوس.

إن سد وادي المخازن ليس مجرد منشأة مائية، بل شاهد على رؤية ملكية استباقية، وجسر بين تاريخ الانتصار ورهان التنمية، كما أنه دعامة للأمن المائي والسيادة الغذائية، وهو ما يجعل من هذا السد ذاكرة وطنية حية، تتجدد أهميتها مع كل موسم مطري استثنائي.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts