واصل المحامون بالمغرب التوقف عن تقديم الخدمات المهنية وتعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، للأسبوع الخامس على التوالي، احتجاجا على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
ويأتي استمرار إضراب المحامين رغم إحالة مكتب مجلس النواب مشروع القانون على المحكمة الدستورية قصد فحص مواده. غير أن جمعية هيئات المحامين بالمغرب لم تصدر، إلى حدود المعطيات المتوفرة، أي قرار يقضي باستئناف العمل داخل المحاكم.
وكان مجلس النواب قد صادق، في ماي الماضي، بالأغلبية على مشروع القانون رقم 66.23، في إطار مسار تشريعي قالت وزارة العدل إنه يندرج ضمن ورش تحديث منظومة العدالة وتطوير المهن القضائية.
إضراب المحامين يواصل الضغط على المحاكم
تسبب استمرار إضراب المحامين في إرباك مواعيد الجلسات بعدد من المحاكم. ويظهر هذا الارتباك بشكل أوضح في الملفات التي يتشبث فيها المتقاضون بحضور دفاعهم أمام هيئة الحكم.
وتهم تداعيات التوقف قضايا مختلفة. وتشمل الملفات المدنية، والجنحية، والأسرية، والطعون، إضافة إلى المساعدة القضائية التي تمثل آلية مهمة لولوج عدد من المواطنين إلى العدالة.
ومع مرور خمسة أسابيع، تتزايد كلفة الأزمة على المتقاضين. فكل تأجيل جديد يعني وقتا أطول، ومصاريف إضافية، وضغطا نفسيا أكبر، خاصة في القضايا ذات الطابع الاجتماعي أو الاستعجالي.
كما يزيد التوقف الشامل من تراكم الملفات. وقد ينعكس ذلك على إيقاع المحاكم حتى بعد عودة السير العادي، بسبب الحاجة إلى إعادة برمجة جلسات كثيرة.
إحالة النص على المحكمة الدستورية لا توقف الاحتجاج
رغم إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية، لم تغير جمعية هيئات المحامين موقفها الميداني. فقد استمر التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، واستمر تعليق المساعدة القضائية.
وترى مواقف مهنية أن الإحالة على القضاء الدستوري يمكن أن تشكل خطوة في اتجاه تهدئة الأزمة. وتدعو هذه الأصوات إلى استئناف العمل والعودة إلى المحاكم، في انتظار قرار المحكمة الدستورية.
في المقابل، تتمسك مواقف أخرى بمواصلة الاحتجاج إلى حين صدور موقف واضح يطمئن الجسم المهني. وهذا ما يعكس استمرار التباين داخل الساحة المهنية حول طريقة تدبير المرحلة.
وتبقى المحكمة الدستورية أمام مهمة فحص مواد المشروع المحال عليها. وسيكون لقرارها أثر مباشر على النقاش القانوني والمهني المرتبط بالنص.
وقفات احتجاجية وتحركات مهنية
في موازاة التوقف، شرعت هيئات وجمعيات مهنية في تنظيم وقفات احتجاجية. وخاضت جمعية المحامين الشباب بالدار البيضاء وقفة، اليوم الاثنين، تعبيرا عن رفضها لمضامين المشروع.
كما زكت هيئة المحامين بالرباط خيار الاستمرار في “معركة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية”. وأعلنت أيضا مواصلة تعليق العمل بالمساعدة القضائية حتى إشعار آخر.
وتكشف هذه التحركات أن الاحتجاج لم يعد مجرد موقف مركزي. بل صار يمتد إلى مبادرات ميدانية في عدد من الهيئات، مع التحضير لمحطات أخرى خلال الأيام المقبلة.
وينتظر المهنيون ما سيفرزه الاجتماع الذي برمجته جمعية هيئات المحامين في العشرين من يوليوز الجاري. وقد يشكل هذا الاجتماع محطة مهمة لتحديد الخطوات المقبلة.
استقالات النقباء بين الإعلان والتأجيل
أثار ملف استقالات النقباء اهتماما واسعا داخل الوسط المهني. فقد سبق لجمعية هيئات المحامين أن أعطت الضوء الأخضر للهيئات لعقد جموعها العامة قصد تقديم الاستقالات.
لكن تنفيذ هذه الخطوة تأجل لاحقا، بطلب من الجمعية نفسها. وفسر أحد النقباء هذا التأجيل بالحاجة إلى النقباء في هذه الظرفية، بالنظر إلى حساسية المرحلة.
ويبرز هذا المعطى أن تدبير الاحتجاج يمر من توازنات دقيقة. فالمحامون يريدون الضغط دفاعا عن مطالبهم، لكنهم يحتاجون أيضا إلى الحفاظ على أطر تنظيمية قادرة على التفاوض والتأطير.
كما يعكس التأجيل رغبة في عدم إفراغ المؤسسات المهنية من قياداتها في لحظة تعرف توترا كبيرا مع وزارة العدل والبرلمان.
وزارة العدل تدافع عن مشروع 66.23
في الجهة المقابلة، تؤكد وزارة العدل أن مراجعة القانون المنظم لمهنة المحاماة جاءت بعد تقييم شامل للتجربة السابقة، التي امتدت لأكثر من 17 سنة.
وتربط الوزارة هذا الورش بالتحولات التي عرفها المجتمع المغربي ومنظومة العدالة. كما تعتبر أن تحديث الإطار القانوني للمهنة ضروري لمواكبة التطورات المؤسساتية والرقمية والتنظيمية داخل القطاع.
وتقول الوزارة إن المشروع يتضمن مقتضيات تهدف إلى تعزيز الشفافية والحكامة المهنية. ومن بين هذه المقتضيات اعتماد التكليف الكتابي بين المحامي وموكله لأول مرة.
وتعتبر الوزارة أن هذه الآلية ستساعد على توضيح العلاقة المهنية بين الطرفين. كما ستضمن الحقوق والالتزامات بشكل أكثر دقة، وتعزز الثقة بين المحامي والمتقاضين.
حساب الودائع في قلب الجدل
دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي، داخل البرلمان، عن فلسفة المشروع ومضامينه. وتمسك خصوصا بالمقتضيات المرتبطة بإخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وبرر الوزير هذا التوجه بالحاجة إلى التحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية. وتشمل هذه العمليات الإيداع، والسحب، والتحويل، والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف.
ويعد هذا المقتضى من أكثر النقاط إثارة للنقاش داخل الوسط المهني. فهناك من يراه ضمانة للشفافية. وهناك من يعتبره تدخلا في استقلالية المهنة وطبيعة العلاقة بين المحامي وموكله.
ولهذا، يظل المشروع محاطا بحساسية كبيرة. فهو يمس مهنة تعد جزءا أساسيا من منظومة العدالة، وركنا من أركان الدفاع عن الحقوق والحريات.
المتقاضون ينتظرون مخرجا
وسط هذا الخلاف، يبقى المتقاضون في قلب الأزمة. فالمواطن الذي ينتظر جلسة طلاق، أو طعنا، أو دفاعا في ملف جنحي أو مدني، لا يملك هامشا واسعا لتحمل تأجيلات متكررة.
وتصبح الأزمة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالمساعدة القضائية. فتعليق هذا النظام ينعكس على فئات تحتاج إلى دعم قانوني للولوج إلى العدالة.
ولا يعني ذلك التقليل من حق المحامين في التعبير عن رفضهم. لكن استمرار التوقف يطرح سؤال التوازن بين الاحتجاج المهني وضمان سير المرفق القضائي.
ويحتاج الملف إلى حوار عاجل وواضح. فالمطلوب هو حماية استقلال المحاماة، وتحديث الإطار القانوني، وضمان حق المواطنين في العدالة دون تعطيل طويل.
وبين المحكمة الدستورية، وموقف جمعية هيئات المحامين، ودفاع وزارة العدل عن المشروع، يدخل إضراب المحامين مرحلة دقيقة. وقد يكون اجتماع العشرين من يوليوز محطة حاسمة، إما نحو تهدئة تدريجية، أو نحو استمرار التصعيد داخل قطاع حيوي لا يحتمل شللا مفتوحا.