دخل ملف سفينة الصيد الإسبانية “ترافيرسيا” مرحلة قضائية جديدة، بعدما تحول خلاف تقني وإداري حول مواصفاتها وحمولتها إلى نزاع معروض أمام القضاء بين شركة يملكها مستشار برلماني وعضو بالمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار. كما أن النزاع معروض أيضا بين مصالح كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري.
وفي أحدث تطورات القضية، ألغت محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير الحكم الاستعجالي الابتدائي. كذلك قضت بعدم اختصاص قاضي المستعجلات للبت في الطلب، مع إبقاء الصائر على رافعه، وهو ما أعاد الملف إلى مساره القضائي المرتبط بجوهر النزاع.
بداية نزاع سفينة ترافيرسيا مع وزارة الصيد البحري
تعود تفاصيل القضية إلى اقتناء الشركة المعنية رخصة تعويض سفينة صيد ساحلي مغربية تحمل اسم “ابن العربي”. كانت تنشط في المياه المغربية قبل توقفها بسبب تقادمها.
وعقب ذلك، اقتنت الشركة سفينة فولاذية من إسبانيا تحمل اسم “ترافيرسيا”. كما تقدمت مطلع يناير 2025 بطلب رسمي لاستبدال السفينة القديمة بالسفينة الجديدة.
غير أن قبول الطلب ظل مرتبطا باستيفاء مجموعة من الشروط القانونية والتنظيمية. من بين هذه الشروط مطابقة مواصفات السفينة المستوردة للمواصفات التقنية المحددة في رخصة تعويض سفينة “ابن العربي”.
وبحسب المعطيات المتوفرة، تبين أن السفينة الجديدة تتجاوز المواصفات المعتمدة للسفينة المراد تعويضها. لذلك دفع هذا الأمر المجهز إلى طلب الترخيص بإدخالها إلى المغرب قصد إجراء تعديلات تقنية داخل ورشات وطنية. فضل المجهز ذلك بدل إنجازها في إسبانيا بسبب ارتفاع التكلفة.
التزام كتابي قبل دخول السفينة إلى المغرب
دعّم المجهز طلبه بالتزام مكتوب. وتعهّد فيه بإجراء الأشغال التقنية الضرورية لجعل مواصفات “ترافيرسيا” مطابقة لمواصفات سفينة “ابن العربي”.
وتضمن الالتزام حمولة إجمالية محددة في 125 طنا غلفيا، وحمولة صافية في حدود 21.51 طنا، إضافة إلى محرك بقوة 420 حصانا.
واستنادا إلى هذا الالتزام، حصلت السفينة على رخصة إبحار مؤقتة تحت العلم المغربي، ما مكنها من الإبحار بشكل قانوني إلى حين استكمال مسطرة التسوية النهائية.
ووصلت السفينة إلى ميناء أكادير خلال يونيو 2025، حيث خضعت للإجراءات الإدارية والجمركية المعتادة. بعد ذلك، ظلت راسية في انتظار استكمال إجراءات التسجيل والحصول على شهادة المطابقة.
قياسات تقنية تكشف خلافا حول الحمولة
بدأ الخلاف بعد إنجاز عمليات قياس تقنية من طرف اللجنة الإدارية المختصة.
ووفق المعطيات المتوفرة، أظهرت نتائج القياس أن الحمولة الإجمالية للسفينة تبلغ 188.80 طنا. أما الحمولة الصافية فتصل إلى 26.51 طنا.
وتتجاوز هذه الأرقام الحمولة المحددة في رخصة الاستبدال والالتزام الموقع بنسبة تناهز 50 في المائة. وهذا ما اعتبرته الجهات المختصة مخالفا للشروط المعتمدة في ملف الاستبدال.
كما تفيد المعطيات ذاتها بأن المجهز لم يقدم للمحكمة ما يثبت إنجاز التعديلات التقنية التي التزم بتنفيذها بعد وصول السفينة إلى المغرب.
خبرات متكررة والنتيجة نفسها
بحسب الوثائق والمعطيات المتوفرة، أعادت لجنة مركزية تابعة لكتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري قياس مواصفات السفينة أكثر من مرة.
وخلصت جميع عمليات القياس إلى نتائج متقاربة تؤكد أن الحمولة الفعلية للسفينة تفوق بكثير الحمولة المصرح بها في ملف الاستبدال.
وفي سياق الجدل الذي رافق الملف، تم اللجوء إلى مكتب دراسات دولي متخصص في هندسة السفن. وكان ذلك من أجل إنجاز خبرة تقنية مستقلة.
وخلصت هذه الخبرة بدورها إلى أن الحمولة الإجمالية للسفينة تصل إلى 186.62 طنا غلفيا. وهي نتيجة قريبة من القياسات الإدارية السابقة.
انتقال الملف إلى القضاء
مع استمرار الخلاف بين الطرفين بشأن تفسير المعطيات التقنية والقانونية المرتبطة بالسفينة، انتقل الملف إلى أروقة القضاء.
ويتمحور النزاع حول مدى مطابقة “ترافيرسيا” للشروط القانونية التي سمحت بمنحها رخصة الإبحار المؤقتة، وحول مدى احترام الالتزامات التقنية المرتبطة بعملية الاستبدال.
كما يثير الملف نقاشا أوسع داخل أوساط مهنيي قطاع الصيد البحري بشأن شروط استيراد السفن المستعملة. بالإضافة إلى آليات مراقبة مطابقة مواصفاتها التقنية، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين في القطاع.