أكد عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير التشغيل والشؤون الاجتماعية السابق. أن إصلاح أنظمة التقاعد أصبح من أكثر الأوراش الاجتماعية والاقتصادية تعقيداً على الصعيد العالمي. واعتبر أن ضمان دخل كريم بعد التقاعد لم يعد مجرد آلية اجتماعية، بل تحول إلى رهان أساسي يرتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفقر وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة التحولات الاقتصادية والديموغرافية.
وأوضح الصديقي، في مقال تحليلي تناول واقع وآفاق أنظمة التقاعد، أن معاشات الشيخوخة أصبحت اليوم أكثر أشكال الحماية الاجتماعية انتشاراً في العالم. واستند إلى معطيات منظمة العمل الدولية التي تفيد بأن نحو 80 في المائة من الأشخاص الذين بلغوا سن التقاعد يستفيدون من معاش تقاعدي، مقابل 74 في المائة سنة 2015.
وأضاف أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يخفي استمرار فجوات كبيرة، إذ ما يزال أكثر من 165 مليون شخص مسن عبر العالم خارج أي حماية تقاعدية. وهو ما يجعل ضمان دخل الأشخاص المسنين أحد التحديات الكبرى المرتبطة بالتنمية والعدالة
الاجتماعية.
أنظمة التقاعد عالمياً.. نماذج متعددة واختلالات مستمرة
وقال الصديقي إن أنظمة التقاعد تختلف من بلد إلى آخر. غير أن أغلب الدول تعتمد مزيجاً يجمع بين الأنظمة القائمة على الاشتراكات التي يساهم فيها العمال وأرباب العمل، والأنظمة غير القائمة على الاشتراكات التي تمولها الدولة من خلال الضرائب.
وأوضح أن الهدف من هذا التوجه يتمثل في تحقيق أكبر قدر من الشمول والحماية الاجتماعية. خاصة بالنسبة للفئات التي لم تتمكن من المساهمة خلال حياتها المهنية.
وأضاف أن من بين 222 بلداً وإقليماً تتوفر بشأنها معطيات لدى منظمة العمل الدولية. حيث يوجد 213 بلداً يعتمد على الأقل نظاماً للتقاعد يصرف معاشات دورية. وأبرز أن الأنظمة العمومية القائمة على التضامن الجماعي ما تزال النموذج الأكثر انتشاراً.
وأشار إلى أن أنظمة المعاشات ذات المنافع المحددة، التي تربط قيمة المعاش بالمسار المهني للمستفيد، لا تزال تشكل النموذج الغالب في عدد كبير من الدول.
تفاوتات واضحة بين الدول والنساء والرجال
وسجل الصديقي أن التغطية التقاعدية لا تزال تعرف تفاوتات كبيرة بين الدول والمناطق. وأوضح أن العمال في أمريكا الشمالية وأوروبا يستفيدون من مستويات تغطية مرتفعة، بينما تبقى نسب الانخراط ضعيفة في عدد من الدول منخفضة الدخل، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.
وأضاف أن نسبة النشيطين الذين يساهمون فعلياً في أنظمة التقاعد على المستوى العالمي لا تتجاوز 58.5 في المائة.
كما اعتبر أن الفوارق بين النساء والرجال تشكل أحد أبرز مظاهر الاختلال داخل الأنظمة التقاعدية. وأوضح أن النساء يستفدن بدرجة أقل من الأنظمة القائمة على الاشتراكات بسبب ضعف الاندماج في سوق الشغل المنظم وارتفاع نسب العمل الهش وغير المهيكل.
وأشار إلى أن هذا الواقع يبدو أكثر وضوحاً في الدول العربية وشمال إفريقيا.
الشيخوخة والاستدامة المالية.. أبرز التحديات العالمية
وأكد الصديقي أن أنظمة التقاعد تواجه اليوم مجموعة من التحديات الهيكلية، في مقدم
تها الشيخوخة الديموغرافية الناتجة عن ارتفاع متوسط العمر المتوقع.
وأوضح أن هذا التحول يؤدي إلى ارتفاع عدد المتقاعدين وتمديد مدة صرف المعاشات، وهو ما يرفع حجم النفقات ويؤثر على التوازن بين عدد المساهمين وعدد المستفيدين.
وأضاف أن توسيع التغطية الاجتماعية يمثل بدوره تحدياً مركزياً، خصوصاً في الدول التي يعتمد جزء كبير من سكانها النشيطين على الاقتصاد غير المهيكل.
وأشار أيضاً إلى أن الحفاظ على الاستدامة المالية للصناديق أصبح من أبرز الإشكالات التي تواجه الحكومات.
وقال إن عدداً من الدول اختار مواجهة هذه التحديات عبر إصلاحات شملت رفع سن التقاعد تدريجياً، وزيادة نسب الاشتراكات، ومراجعة طرق احتساب المعاشات، غير أن هذه الإجراءات غالباً ما تثير احتجاجات ونقاشات اجتماعية واسعة.
الصديقي: إصلاح 2016 بالمغرب لم يحل الأزمة
وفي ما يتعلق بالمغرب، أكد الصديقي أن المملكة تواجه التحولات الديموغرافية نفسها التي تعرفها عدة دول.
وأوضح أن إصلاح سنة 2016 استهدف بالأساس نظام المعاشات المدنية الذي يديره الصندوق المغربي للتقاعد.
وأضاف أن الإصلاح اعتمد على أربعة إجراءات رئيسية تمثلت في الرفع التدريجي لسن التقاعد من 60 إلى 63 سنة، ورفع نسبة الاشتراكات من 20 إلى 28 في المائة، وتخفيض معدل احتساب المعاش، واعتماد متوسط أجور السنوات الثماني الأخيرة كأساس للاحتساب.
واعتبر أن هذه الإجراءات ساهمت في إبطاء تدهور الوضعية المالية وإطالة عمر الاحتياطات، لكنها لم تعالج الاختلالات الهيكلية.
كما سجل أن الإصلاح تعرض لانتقادات بسبب تحميل الموظفين العموميين الجزء الأكبر من كلفته.
تعدد الأنظمة يفرض إصلاحاً هيكلياً
وأوضح الصديقي أن منظومة التقاعد بالمغرب لا تزال تتسم بالتعدد والتشتت. حيث تضم الصندوق المغربي للتقاعد، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة إلى الصندوق المهني المغربي للتقاعد.
وأشار إلى أن الوضعية المالية لهذه الأنظمة تختلف من صندوق إلى آخر، غير أن بعض الأنظمة تواصل تسجيل عجز تقني هيكلي.
وأكد أن الدراسات الاكتوارية تشير إلى أن إصلاح 2016 لم يفعل سوى تأجيل الأزمة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بتوسيع التغطية
وشدد الصديقي على أن استدامة أنظمة التقاعد لا تتحقق فقط عبر الإصلاحات المالية. بل أيضاً من خلال توسيع قاعدة المساهمين.
وأوضح أن المغرب يضم أكثر من خمسة ملايين شخص تجاوزوا سن الستين. في حين لا يتجاوز عدد المستفيدين من المعاشات حوالي 1.3 مليون شخص.
واعتبر أن هذا المعطى يعكس حجم القطاع غير المهيكل والإقصاء التاريخي لفئات واسعة من العاملين.
وأضاف أن إدماج العمال المستقلين والمقاولين الذاتيين والفلاحين والعاملين خارج الاقتصاد المنظم يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي إصلاح.
إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب: بين العدالة والاستدامة
وخلص الصديقي إلى أن إصلاح أنظمة التقاعد بالمغرب لا ينبغي أن يقتصر على رفع الاشتراكات أو تأخير سن التقاعد. بل يتطلب رؤية شاملة تجمع بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية وتوسيع التغطية.
وأكد أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بضمان تمويل معاشات اليوم. وإنما ببناء نظام يضمن حياة كريمة لعدد أكبر من المغاربة بعد نهاية مسارهم المهني.