حذر الوزير الأسبق والخبير الاقتصادي عبد السلام الصديقي من تصاعد المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل. كما دعا إلى إدراج هذا الملف ضمن أولويات الحوار الاجتماعي بالمغرب، خاصة في ظل التحولات العميقة التي يعرفها سوق الشغل عالميا.
وأكد الصديقي، في مقال تحليلي بعنوان “عالم الشغل في مواجهة المخاطر النفسية والاجتماعية”، أن تقريرا حديثا صادرًا عن International Labour Organization كشف أرقاما مقلقة بشأن تأثير ظروف العمل على الصحة النفسية والجسدية للعمال.
منظمة العمل الدولية: 840 ألف وفاة سنويا بسبب ضغوط العمل
وأوضح التقرير أن أكثر من 840 ألف شخص يفقدون حياتهم سنويا بسبب أمراض مرتبطة بالمخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل. وتشمل هذه الأخطار ساعات العمل الطويلة، وانعدام الاستقرار المهني، والتحرش والعنف داخل أماكن العمل.
وأشار التقرير إلى أن هذه المخاطر ترتبط بأمراض القلب والشرايين، والاضطرابات النفسية، والاكتئاب، والقلق. بل وحتى الانتحار في بعض الحالات.
كما تتسبب هذه العوامل في خسائر اقتصادية عالمية تقدر بـ1.37 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، نتيجة تراجع الإنتاجية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وفقدان سنوات العمل.
بيئة العمل النفسية أصبحت تحديا عالميا
ويرى الصديقي أن التحولات الرقمية المتسارعة، وانتشار العمل عن بعد، وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أعادت تشكيل بيئة العمل بشكل جذري. نتيجة لذلك، أدى ذلك إلى ظهور ضغوط مهنية جديدة تتطلب مواكبة قانونية ومؤسساتية.
وأوضح أن البيئة النفسية والاجتماعية للعمل لم تعد مرتبطة فقط بالعلاقات المهنية التقليدية، بل تشمل أيضا طرق تنظيم العمل، ومستوى الضغط المهني، وآليات التقييم والمراقبة الرقمية، ومدى شعور العامل بالأمان والاستقرار.
وأضاف أن فئات واسعة من العمال، خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والخدمات، أصبحت تواجه ضغطا نفسيا متزايدا. ويعود ذلك بسبب كثافة العمل وسرعة الأداء المطلوبة.
ضعف التشريعات الخاصة بالصحة النفسية المهنية
وسجل الصديقي أن أغلب التشريعات المعمول بها في إفريقيا والدول العربية لا تزال تركز أساسا على السلامة الجسدية داخل أماكن العمل. بينما لا توجد معالجة واضحة للمخاطر النفسية والاجتماعية.
واعتبر أن هذا الفراغ القانوني يحد من فعالية الوقاية والحماية، خاصة مع تزايد حالات الإرهاق المهني والاضطرابات النفسية المرتبطة بالعمل.
كما دعا إلى مراجعة مدونة الشغل والقوانين المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية. ويجب ذلك من أجل إدماج الأبعاد النفسية والاجتماعية بشكل صريح داخل المنظومة القانونية المغربية.
الدعوة إلى إدراج الملف ضمن الحوار الاجتماعي
وأكد الوزير الأسبق أن ملف الصحة النفسية في العمل يجب أن يتحول إلى محور أساسي داخل الحوار الاجتماعي الثلاثي. ويتم ذلك بين الحكومة والنقابات والباطرونا.
وشدد على ضرورة تطوير آليات الوقاية داخل المقاولات، عبر تحسين ظروف العمل، وإعادة تنظيم عبء المهام. علاوة على ذلك، دعا إلى تعزيز ثقافة الإنصات والدعم النفسي داخل المؤسسات.
كما دعا إلى تقوية دور المعهد الوطني لظروف العمل، الذي تم إحداثه سنة 2010، وتمكينه من وسائل مالية وبشرية إضافية لمواكبة التحولات الجديدة في عالم الشغل.
وصمة المرض النفسي تعرقل الوقاية
وتوقف الصديقي عند استمرار النظرة السلبية المرتبطة بمشاكل الصحة النفسية داخل بيئات العمل، موضحا أن العديد من العمال يتجنبون التصريح بمعاناتهم النفسية خوفا من التمييز أو فقدان العمل.
وأشار إلى أن هذه الوصمة الاجتماعية تعيق جهود الوقاية والدعم، رغم تزايد الوعي العالمي بأهمية الصحة النفسية كجزء أساسي من الصحة المهنية.
وأكد أن بناء بيئة عمل صحية ومتوازنة لم يعد رفاهية، بل أصبح شرطا أساسيا لتحسين الإنتاجية وضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.