شكل مونديال فرنسا 1938 محطة مفصلية في تاريخ كأس العالم. فقد احتضنت فرنسا النسخة الثالثة من البطولة، في ثاني دورة أوروبية متتالية بعد مونديال إيطاليا 1934.
وجاء اختيار فرنسا وسط اعتراضات من بعض دول أمريكا الجنوبية. وقررت الأرجنتين والأوروغواي مقاطعة المنافسة، احتجاجا على استمرار إقامة البطولة في أوروبا.
مونديال فرنسا 1938 وسياق متوتر
عرفت نسخة 1938 مشاركة 15 منتخبا، بعد انسحاب النمسا. وحافظت البطولة على نظام الإقصاء المباشر منذ دور ثمن النهائي، ما جعل كل مباراة حاسمة منذ البداية.
وشهد مستوى اللعب تطورا واضحا مقارنة بالنسختين السابقتين. فقد ظهرت منتخبات أكثر تنظيما من الناحية التكتيكية. كما برز لاعبون يملكون تجربة أكبر في المنافسات الدولية.
واتسع نطاق تنظيم البطولة إلى 10 ملاعب، بعدما أقيمت نسخة 1934 في 8 ملاعب. وجرت المباريات خلال 16 يوما، من 4 إلى 19 يونيو 1938.
وخاضت المنتخبات 18 مباراة في هذه النسخة. وجاء هذا العدد بعد إعادة ثلاث مباريات، بسبب انتهاء مواجهات بالتعادل بعد الوقت الإضافي.
مباريات معادة وإثارة مبكرة
عرف الدور الأول إعادة مباراة سويسرا وألمانيا. كما أعيدت مباراة كوبا ورومانيا، بعد تعادلهما في المواجهة الأولى. وفي دور الثمانية، أعيد لقاء البرازيل وتشيكوسلوفاكيا للسبب نفسه.
وتعكس هذه المباريات طبيعة قوانين تلك المرحلة. فلم تكن ركلات الترجيح معتمدة بعد، لذلك كان التعادل بعد التمديد يفرض إعادة اللقاء.
ومن أبرز مباريات الدور الأول، برزت مواجهة البرازيل وبولندا. وانتهت بفوز المنتخب البرازيلي بستة أهداف مقابل خمسة بعد التمديد، في واحدة من أكثر مباريات المونديال غزارة في الأهداف.
وسلطت تلك المباراة الضوء على القوة الهجومية للبرازيل. كما مهدت لبروز المنتخب البرازيلي لاحقا كقوة كروية كبرى في تاريخ كأس العالم.
إيطاليا تؤكد طموحها بقوة
دخلت إيطاليا البطولة بصفتها حاملة اللقب. ولم تتعامل مع هذا الوضع كعبء، بل حولته إلى مصدر قوة وثقة.
وقاد المدرب فيتوريو بوتسو المنتخب الإيطالي بأسلوب واقعي ومنظم. واعتمدت “السكوادرا أتزورا” على صلابة جماعية، وفعالية واضحة في لحظات الحسم.
وأقصت إيطاليا منتخب النرويج في بداية مشوارها. ثم تفوقت على فرنسا، صاحبة الأرض والجمهور. وبعد ذلك واجهت البرازيل في نصف النهائي.
وانتهت مواجهة نصف النهائي بفوز إيطاليا بهدفين مقابل هدف. وأظهرت إيطاليا في ذلك اللقاء قدرة كبيرة على التحكم في التفاصيل، واستثمار الفرص.
نهائي إيطاليا والمجر في كولومب
جمعت المباراة النهائية بين إيطاليا والمجر، يوم 19 يونيو 1938، على ملعب كولومب. ودخل المنتخب المجري المواجهة بسمعة قوية، بفضل جودة لعبه الهجومي.
لكن المنتخب الإيطالي أظهر شخصية البطل. ونجح في فرض إيقاعه، مستفيدا من خبرته وتنظيمه وقدرته على التسجيل في اللحظات المهمة.
وانتهى النهائي بفوز إيطاليا بأربعة أهداف مقابل هدفين. وسجل جينو كولاوسي ثنائية مؤثرة، كما تألق سيلفيو بيولا في قيادة الهجوم الإيطالي.
وبهذا الفوز، توجت إيطاليا باللقب العالمي للمرة الثانية على التوالي. وأصبحت أول منتخب في تاريخ كأس العالم يحتفظ بلقبه.
إنجاز إيطالي قبل توقف طويل
كرس تتويج 1938 هيمنة إيطاليا على كرة القدم الدولية في تلك الحقبة. فقد جمعت بين لقب 1934 ولقب 1938، تحت قيادة المدرب نفسه.
ويعد هذا الإنجاز من أبرز المحطات في تاريخ المونديال. فالحفاظ على اللقب في بطولة عالمية ظل تحديا نادرا، لا ينجح فيه إلا المنتخبات الأكثر قوة واستقرارا.
كما اكتسبت نسخة 1938 قيمة تاريخية إضافية، لأنها كانت الأخيرة قبل توقف طويل بسبب الحرب العالمية الثانية. ولم تعد كأس العالم إلى الواجهة إلا سنة 1950.
وهكذا، لم يكن مونديال فرنسا 1938 مجرد نسخة ثالثة من البطولة. بل كان نهاية مرحلة كاملة قبل اضطراب عالمي كبير.
بطولة كرست قيمة كأس العالم
رغم السياق الدولي المتوتر، واصلت كأس العالم نموها. فقد عززت البطولة مكانتها كحدث رياضي عالمي، وجذبت جمهورا أوسع، وأكدت قوة المنافسة بين المدارس الكروية.
كما أبرزت النسخة صعود قوى جديدة. فقد قدمت البرازيل مؤشرات مبكرة على قدراتها الهجومية. وواصلت أوروبا حضورها القوي من خلال إيطاليا والمجر.
ويبقى مونديال فرنسا 1938 شاهدا على لحظة جمعت بين الرياضة والتاريخ. فقد منحت البطولة إيطاليا مجدا عالميا جديدا، ووضعت كأس العالم أمام مرحلة توقف اضطراري، قبل أن تعود بعد الحرب بصورة أكثر اتساعا وتأثيرا.