خلافات داخل الكاف سبب الأزمة الرياضية المغربية السنيغالية وحرج دولي لموتسيبي وإنفانتينو

المباراة النهائية لنيل كأس أمم أفريقيا الاتحاد الإفريقي لكرة القدم

لم تنتهِ تداعيات المباراة النهائية لنيل كأس أمم أفريقيا بين المغرب والسنغال عند صافرة الحكم، بل انتقلت المواجهة من المستطيل الأخضر إلى أروقة اللجان القانونية التابعة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف). فعلى الرغم من تتويج المنتخب السنغالي باللقب عقب فوزه بهدف دون مقابل، فإن الأحداث المثيرة للجدل التي رافقت اللقاء فتحت الباب أمام أزمة قانونية وتنظيمية معقدة، تقودها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لمساءلة الطرف السنغالي من الناحية الانضباطية.

وكانت المباراة النهائية لهذا العرس القاري، أفرزت مشاهد غير مسبوقة أربكت حسابات أعلى هرمَي كرة القدم القارية والدولية، حيث وجد رئيس الكاف، باتريس موتسيبي، ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، نفسيهما في موقف بالغ الحساسية، وهما يراقبان تطورات تحولت سريعًا إلى حديث الرأي العام الرياضي العالمي. ويُلاحظ في هذا السياق أن الفيفا والكاف لم يُصدرا، رغم مرور أكثر من أسبوع على النهائي، أي تهنئة رسمية للمنتخب السنغالي بهذا التتويج القاري.

تباين بين موقف الدولة والاتحاد الكروي في السنغال

تُظهر المعطيات المتوفرة أن موقف الدولة السنغالية لا يتطابق، بالكامل، مع مواقف الاتحاد السنغالي لكرة القدم، وهو ما يفسر جانبًا من التناقضات القائمة في المشهدين الرياضي والسياسي داخل البلاد. فالرئيس السنغالي المنتخب في ثاني أبريل 2024، باسيرو ديوماي فاي، ينتمي إلى حزب “باستيف” ذي التوجه اليساري، الذي تأسس سنة 2014 ويرفع شعار “من أجل العمل والأخلاق والأخوة”، مع تركيز واضح على فكرة الوحدة الإفريقية.

وكان هذا الحزب مهددًا بالحل سنة 2023، بقرار من وزارة الداخلية، على خلفية اتهامات تتعلق بالدعوة إلى التمرد، قبل أن يلجأ إلى القضاء، سواء على المستوى الوطني أو أمام محكمة العدل التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا. وبعد أيام قليلة فقط من انتخاب باسيرو ديوماي فاي رئيسًا للبلاد، جرى إلغاء المرسوم القاضي بحل الحزب.

ويرتبط حزب باستيف، بشكل غير مباشر، بإقالة المدرب أليو سيسي من تدريب المنتخب السنغالي، إذ كان الأخير يُعد قريبًا من قيادات حزب “التحالف من أجل الجمهورية” ذي التوجه اليميني، والذي يُعتبر أوغستين سانغور أحد أبرز رموزه، بل وكان مرشحًا باسمه. وبالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تجمع عبد الله فال، الرئيس الحالي للاتحاد السنغالي لكرة القدم، بأوغستين سانغور الرئيس السابق، بات الاتحاد السنغالي، وفق هذا التحليل، يسير في اتجاه لا ينسجم مع التوجهات الرسمية للدولة.

صراعات النفوذ داخل الكاف

يُنظر إلى عبد الله فال باعتباره امتدادًا إداريًا لسانغور، إلى جانب فيرون موسينغو أومبا، حيث تجمعهما خلافات مرتبطة بتوازنات النفوذ والمناصب مع رئيس الكاف باتريس موتسيبي. ويُضاف إلى ذلك أن أوغستين سانغور، الذي شغل في الولاية السابقة منصب النائب الأول لرئيس الكاف قبل أن يشغله حاليًا فوزي لقجع، دخل في صدام مع موتسيبي بسبب أزمة ثقة، ما عمّق الانقسامات داخل هياكل الاتحاد القاري.

عمليًا، تتحمل أطراف عدة كلفة هذا الصراع المتشابك، سواء المرتبط بشخص موتسيبي أو بالثنائي سالف الذكر، فضلًا عن تداعيات الخلاف حول منصب نائب رئيس الكاف. كما يظل التقسيم الجهوي داخل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم عاملًا حساسًا، يخضع لتوازنات دقيقة، خاصة أن دولًا مثل موريتانيا تنتمي إلى منطقة غرب إفريقيا (أ)، وهي نفس المنطقة التي ينتمي إليها الاتحاد السنغالي. ويطرح ذلك تساؤلات حول مواقف رئيس الاتحاد الموريتاني أحمد ولد يحيى داخل كواليس الكاف، رغم إظهاره علاقات ودية مع المغرب.

وتبرز كذلك أهمية مواقف كل من السنغال وليبيريا وموريتانيا داخل المكتب التنفيذي للكاف، باعتبارها تمثل منطقة غرب إفريقيا (أ). وبما أن السنغال تُعد القوة الرياضية الأبرز في هذه المنطقة، فإن تأثيرها يظل كبيرًا في توجيه القرارات، رغم تعدد الدول المنضوية تحت هذا التكتل.

سياق دبلوماسي حساس

في خضم هذا التوتر، يقوم رئيس الوزراء السنغالي أوسمان سونكو بزيارة رسمية إلى المغرب، تزامنًا مع أجواء مشحونة بين جماهير كرة القدم في البلدين عقب أحداث الشغب التي رافقت نهائي كأس أمم إفريقيا يوم 18 يناير. وجاءت الزيارة في إطار انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا للشراكة المغربية-السنغالية، مع برمجة منتدى اقتصادي على هامشها.

وكان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أجرى مساء الأربعاء 21 يناير 2026، اتصالا هاتفيا مع نظيره السنغالي أوسمان سونكو، حيث اتفق الطرفان على عقد الدروة الـ 15 للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية السنغالية، كما كان مبرمجا لها يومي 26 و27 يناير الجاري بالرباط.

وذكر بلاغ لرئاسة الحكومة أنه سيتم على هامش هذه الدورة تنظيم أشغال المنتدى الاقتصادي المغربي- السنغالي.

وتابع البلاغ أن الاتصال كان مناسبة تم خلالها التنويه بعمق العلاقات الاستثنائية والاستراتيجية التي تجمع بين المغرب والسنغال، بقيادة قائدي البلدين الملك محمد السادس، نصره الله، وفخامة رئيس جمهورية السنغال، باسيرو ديوماي فاي، والتأكيد على صلابة العلاقة بين البلدين التي تنبني على عدد من القواعد الصلبة، وتمس جوانب إنسانية ودينية واقتصادية قوية.

ورغم متانة العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين الرباط وداكار منذ عقود، إلى جانب شراكات اقتصادية متعددة، فإن التوتر الأخير على منصات التواصل الاجتماعي أعاد إلى الواجهة إشكالات رياضية وشعبية، خاصة بعد الأحداث التي شهدها النهائي في الرباط.

أحداث أثرت على صورة البطولة

شهدت المباراة محاولات اقتحام أرضية الملعب من طرف ما يقارب ألف مشجع سنغالي، استمرت لنحو 15 دقيقة، قبل أن تتمكن قوات الأمن من السيطرة على الوضع. كما غادر لاعبو المنتخب السنغالي ومدربهم أرضية الملعب احتجاجًا على احتساب ضربة جزاء في اللحظات الأخيرة، قبل أن يعودوا لاستكمال اللقاء الذي حُسم في الأشواط الإضافية، بعد إضاعة ابراهيم دياز لضربة الجواء، في القوت بدل الضائع من الوقت القانوني للمباراة.

وتتابع السلطات القضائية في الرباط 18 مشجعًا سنغاليًا، ضمن مواطن جوائري، على خلفية هذه الأحداث، على أن تُستأنف محاكمتهم في 29 يناير. وفي هذا الإطار، شدد الملك محمد السادس على أهمية الحفاظ على “روابط الأخوة الإفريقية”، وعدم الانجرار وراء خطاب الضغينة، بينما دعا عثمان سونكو مواطنيه إلى التهدئة، مؤكدًا أن ما وقع يجب أن يبقى في إطاره الرياضي.

أزمة مصداقية وضغوط على الكاف

اعتبر طارق الديب، مستشار الحوكمة الرياضية والمدير السابق لقطاع المعلومات بالكاف، أن ما جرى يمثل ضربة قوية لمصداقية الكرة الأفريقية. وأوضح أن حضور رئيس الفيفا في المنصة الرسمية جعل الموقف أكثر إحراجًا، خاصة مع مشهد خلو الملعب مؤقتًا من أحد الفريقين، وهو ما أعاد إلى الأذهان مراحل كان يُعتقد أنها أصبحت من الماضي.

وأشار طارق الديب، في تصريح أورده الموقع الإلكتروني لقناة “الجزيرة”، إلى أن تقنية حكم الفيديو المساعد قد تحمي القرار التحكيمي من الناحية الفنية، لكنها لم تحمِ صورة الكاف، إذ تعززت الشكوك والاتهامات رغم صحة قرار ضربة الجزاء التي أعقبها انسحاب المنتخب السنغالي باستثناء قائده ساديو ماني.

وبحسب تقارير إعلامية، يتعرض الكاف لضغوط متزايدة من الرعاة ومالكي حقوق البث التلفزيوني، بعد أن وُصفت المباراة النهائية بالفوضوية، مع حديث عن مطالبات محتملة بتعويضات مالية بسبب الأضرار التي لحقت بصورة البطولة.

تحرك قانوني مغربي متعدد الزوايا

في هذا السياق، تؤكد المعطيات أن المذكرة القانونية التي تُعدّها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لا تقتصر على احتجاج شكلي، بل تشكل تحركًا قانونيًا متكاملًا يهدف إلى تحميل السنغال تبعات انضباطية، دون السعي إلى سحب اللقب القاري. ويرتكز هذا التحرك على أربعة محاور أساسية: السلوك غير الرياضي، تشويه صورة البطولة، المخاطر الأمنية، والمسؤولية الفنية، مع المطالبة بتغليظ العقوبات وفق لوائح الكاف والفيفا.

دعوات للتهدئة والحفاظ على الروح الرياضية

في المقابل، دعا الدولي السنغالي السابق الحاج ضيوف إلى التهدئة والاحترام، مندّدًا بالتجاوزات التي أعقبت النهائي، ومشددًا على ضرورة الحفاظ على الروح الرياضية وروابط الأخوة بين الشعبين. وفي مقال رأي نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، أكد ضيوف أن كرة القدم لا يجب أن تكون سببًا للنسيان أو القطيعة، محذرًا من الخطابات الحادة والتشكيك الدائم في التحكيم.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن المغرب نظم البطولة بشكل متميز، معتبرًا أن الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين أقوى من أي نتيجة رياضية.

غياب التهنئة مؤشر على استمرار الأزمة

ويبقى غياب أي تهنئة رسمية من الكاف والفيفا للمنتخب السنغالي مؤشرًا واضحًا على أن أحداث النهائي ما تزال محل متابعة وتدقيق، في انتظار استكمال التحقيقات الرسمية وتحديد المسؤوليات، بما يعكس حجم التأثير الذي تركته هذه المباراة على صورة الكرة الأفريقية.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts