شكل مونديال المكسيك 1970 محطة بارزة في تاريخ كأس العالم. فقد جمع بين كرة هجومية ممتعة، وتوسع أكبر في حضور المنتخبات من قارات مختلفة، وظهور أسماء صنعت ذاكرة اللعبة.
وتكتسي هذه النسخة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب. فقد سجل المنتخب الوطني أول مشاركة له في نهائيات كأس العالم، بينما كتبت البرازيل فصلا جديدا من مجدها العالمي، بعد تتويجها باللقب الثالث.
مونديال المكسيك 1970 وبداية الحضور المغربي
دخل المنتخب المغربي مونديال المكسيك 1970 وهو يحمل طموح تمثيل الكرة الإفريقية والعربية في أكبر محفل كروي عالمي. وكانت تلك المشاركة حدثا تاريخيا، لأنها وضعت “أسود الأطلس” لأول مرة أمام اختبار المونديال.
وجد المنتخب المغربي نفسه في مجموعة قوية. وضمت المجموعة ألمانيا الغربية، وبيرو، وبلغاريا. وكانت كلها منتخبات تملك خبرة أكبر في المنافسات العالمية.
ورغم صعوبة المهمة، قدم المغرب وجها مشرفا. فقد أظهر اللاعبون شجاعة كبيرة، وحاولوا مجاراة النسق العالي للمباريات، رغم قلة التجربة في مثل هذه المواعيد.
وكانت المباراة أمام ألمانيا الغربية لحظة تاريخية خاصة. فقد تقدم المغرب في النتيجة عبر الراحل حمان جرير، ليصبح المنتخب أول فريق إفريقي يتقدم في مباراة بكأس العالم.
هدف حمان جرير ونقطة أولى في التاريخ
لم ينجح المنتخب المغربي في الحفاظ على تقدمه أمام ألمانيا الغربية. وانتهت المباراة بهزيمته بهدفين مقابل هدف واحد. لكن هدف حمان جرير بقي لحظة مؤسسة في ذاكرة الكرة الوطنية.
فذلك الهدف لم يكن مجرد رقم في نتيجة مباراة. بل كان إعلانا عن دخول المغرب إلى تاريخ كأس العالم، وبداية علاقة طويلة بين “أسود الأطلس” والمونديال.
وفي مباراة أخرى، تعادل المنتخب المغربي مع بلغاريا بهدف لمثله. ومنح هذا التعادل المغرب أول نقطة في تاريخه داخل كأس العالم.
ورغم أن التأهل إلى الدور الثاني لم يتحقق، فإن المشاركة حملت قيمة رمزية كبيرة. فقد منحت الكرة المغربية تجربة عالمية أولى، وفتحت الباب أمام طموحات أكبر في النسخ اللاحقة.
البرازيل تقدم كرة لا تنسى
إذا كانت نسخة 1970 مغربية بفضل أول مشاركة، فقد كانت برازيلية بامتياز من حيث المتعة والإنجاز. فقد دخلت البرازيل البطولة وهي تحمل إرث لقبي 1958 و1962، لكنها قدمت في المكسيك واحدا من أعظم العروض الجماعية في تاريخ كرة القدم.
قاد بيليه ذلك الجيل الذهبي، إلى جانب أسماء استثنائية مثل جارزينيو، وتوستاو، وكارلوس ألبرتو توريس. وجمع المنتخب بين المهارة، والسرعة، والخيال، والفعالية.
ولم يكن تفوق البرازيل قائما على نجم واحد فقط. فقد امتلك الفريق منظومة هجومية متكاملة، قادرة على خلق الفرص من كل الجهات، وتحويل اللعب إلى عرض فني.
وفازت البرازيل في جميع مبارياتها خلال البطولة. وهذا المسار المثالي رسخ صورتها كأفضل منتخب في تلك النسخة، وربما كواحد من أعظم المنتخبات في تاريخ المونديال.
نهائي أزتيكا أمام إيطاليا
بلغت البرازيل المباراة النهائية، لتواجه منتخب إيطاليا على ملعب “أزتيكا” الأسطوري. وكانت المواجهة بين مدرستين مختلفتين: الهجوم البرازيلي السلس، والانضباط الإيطالي المعروف.
لكن النهائي سار في اتجاه برازيلي واضح. فقد فرض “السيليساو” سيطرته على أطوار المباراة، ونجح في الفوز بأربعة أهداف مقابل هدف واحد.
وكان الهدف الرابع، الذي سجله كارلوس ألبرتو توريس، من أجمل أهداف تاريخ كأس العالم. فقد جاء بعد عمل جماعي مذهل، أظهر تناغم الفريق وجودة تحركاته.
وبذلك الهدف، اختصرت البرازيل فلسفتها في تلك النسخة. كرة سريعة، جماعية، ممتعة، وفعالة أمام المرمى.
الكأس تبقى في البرازيل
منح لقب 1970 البرازيل تتويجها العالمي الثالث. وبذلك احتفظت بكأس “جول ريميه” إلى الأبد، بعدما أصبحت أول منتخب يحقق هذا الإنجاز.
وأكد هذا التتويج مكانة البرازيل كمرجع عالمي لكرة القدم. كما رسخ صورة بيليه كأحد أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة، بعد مشاركته في مسار ذهبي جديد.
ولم يكن اللقب مجرد إضافة رقمية إلى سجل “السيليساو”. بل كان تتويجا لأسلوب لعب ألهم أجيالا من اللاعبين والمدربين والجماهير.
وحتى اليوم، يستحضر كثيرون منتخب البرازيل 1970 باعتباره نموذجا لكرة القدم الجميلة. فقد جمع بين النتيجة والفرجة، وبين النجوم والعمل الجماعي.
نسخة عالمية وممتعة
تظل نسخة 1970 رمزا لكرة قدم ممتعة وعالمية. فقد شهدت حضور المغرب لأول مرة، وأكدت قدرة البطولة على فتح الباب أمام أمم جديدة لتدخل المشهد العالمي.
كما قدمت البرازيل واحدة من أكثر الصفحات إشراقا في تاريخ كأس العالم. فقد حولت البطولة إلى مهرجان كروي، وختمتها بتتويج مستحق وذكرى خالدة.
وبين هدف حمان جرير، ونقطة المغرب الأولى، وهدف كارلوس ألبرتو الشهير، ترك مونديال المكسيك 1970 أثرا عميقا. لقد كان نسخة صنعت ذاكرة مغربية، ورسخت أسطورة برازيلية، ومنحت العالم مثالا نادرا على سحر كرة القدم.