يقترب المخرج والممثل المغربي المقيم في كندا محمد مروازي من عرض فيلمه الروائي الطويل الجديد «بين جوج قبور» في القاعات السينمائية المغربية، بعد مرحلة من التحضير والترويج لهذا العمل الذي يشكل محطة بارزة في مساره الفني. ويأتي هذا الفيلم في سياق تجربة جديدة لمروازي في الإخراج السينمائي الطويل، بعد سنوات من الاشتغال في مجالات التمثيل والإنتاج والإخراج التلفزيوني والسينمائي بين المغرب وكندا.
يمثل هذا العمل خطوة مهمة في المسار المهني لمحمد مروازي، الذي راكم تجربة ممتدة في المجال السمعي البصري، سواء من خلال حضوره ممثلا في أعمال مختلفة أو عبر انخراطه في الإنتاج والإخراج. ويعد «بين جوج قبور» أول فيلم روائي طويل يخرجه، وهو ما يمنح هذا المشروع بعدا خاصا داخل تجربته الفنية، باعتباره انتقالا من صيغ درامية وإخراجية سابقة إلى فضاء الفيلم الطويل الموجه إلى القاعات السينمائية. هذا التحول لا يندرج فقط ضمن التطور الطبيعي لمسار مهني متدرج، بل يعكس أيضا رغبة في تقديم عمل يحمل رؤية سردية متماسكة تنفتح على قضايا الذاكرة والانتماء والعيش المشترك.
تدور أحداث الفيلم في مدينة العرائش، التي اختارها المخرج فضاء رئيسيا لسرد حكايته. ويحضر المكان في هذا العمل باعتباره عنصرا أساسيا في البناء الدرامي، وليس مجرد خلفية للأحداث. فالعرائش، بما تحمله من حمولة تاريخية وثقافية، توفر للفيلم مجالا بصريا ورمزيا يسمح بإعادة طرح أسئلة الهوية والتعدد والذاكرة الجماعية. ويبدو أن الفيلم يستثمر خصوصية هذه المدينة، بما تتضمنه من معالم وأحياء ومقابر ذات امتداد ديني وتاريخي متعدد، من أجل بناء قصة تتجاوز بعدها الفردي لتلامس قضايا أوسع ترتبط بصورة المغرب المتعدد والمتنوع.
وتنطلق الحبكة من وفاة شخصية تدعى شلومو في الحي القديم بمدينة العرائش، في ظروف تفتح الباب أمام التباس يتعلق بهويته الدينية والانتماء الذي ينبغي أن يحدد مكان دفنه. ويقود هذا الحدث إلى سلسلة من التطورات التي تدور حول سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته، ويتمثل في تحديد المقبرة التي سيوارى فيها الراحل. هذا السؤال لا يتوقف عند الجانب الإجرائي المرتبط بالدفن، بل يتحول داخل الفيلم إلى مدخل درامي لمعالجة قضايا أكثر اتساعا، من قبيل الذاكرة، والهوية، والعلاقة بالماضي، والحدود الدقيقة بين الانتماء الشخصي والانتماء كما يراه الآخرون.
ويضم الفيلم مجموعة من الأسماء الفنية المعروفة من المغرب وخارجه، ما يمنحه بعدا إنتاجيا وتمثيليا متنوعا. ويشارك في هذا العمل عدد من الممثلين الذين يجسدون شخصيات تتحرك داخل شبكة من العلاقات المتقاطعة بين المغرب وكندا، وهو ما ينسجم مع طبيعة الحكاية نفسها، التي تربط بين الجغرافيا المحلية والهجرة والروابط العائلية الممتدة عبر الحدود. وتندرج هذه التركيبة البشرية ضمن رؤية يبدو أنها تراهن على تقديم شخصيات متعددة المرجعيات والخلفيات، بما يعزز موضوع التعدد الذي يشكل أحد محاور الفيلم الأساسية.
ولا يقتصر حضور التعدد في الفيلم على الشخصيات فقط، بل يشمل أيضا بنيته الرمزية العامة. فاختيار موضوع الدفن بين مقبرتين، واختيار مدينة ذات حمولة تاريخية خاصة، ثم ربط السرد بامتدادات خارج المغرب، كلها عناصر تجعل من الفيلم مساحة للتفكير في العلاقة بين الإنسان ومكانه الأول، وبين الانتماء الشخصي والانتماء كما تحدده الذاكرة الجماعية أو المؤسسات الاجتماعية. ومن خلال هذا البناء، يبدو أن الفيلم يشتغل على فكرة الهوية بوصفها تركيبا معقدا، لا يمكن اختزاله في تعريف جاهز أو نهائي.
كما يندرج «بين جوج قبور» ضمن الأعمال التي تستحضر الذاكرة المغربية في بعدها المتعدد، خصوصا ما يتعلق بصورة التعايش بين المكونات الدينية والثقافية داخل المجتمع المغربي. ويبدو أن الفيلم يستثمر هذه الخلفية بطريقة درامية، من خلال قصة فردية ذات أبعاد رمزية واضحة، دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو تقرير توثيقي. فالحكاية، كما يتضح من المعطيات المتداولة حولها، تنطلق من واقعة خاصة، لكنها تتوسع تدريجيا لتلامس أسئلة عامة ترتبط بالعيش المشترك، وباستمرار الذاكرة، وبالعلاقات التي تجمع بين الناس رغم اختلاف مساراتهم وخلفياتهم.
ويترقب متابعو الشأن السينمائي المغربي عرض الفيلم في القاعات الوطنية، باعتباره عملا جديدا يضيف اسما آخر إلى قائمة المخرجين المغاربة الذين اختاروا الاشتغال على مواضيع مرتبطة بالذاكرة والهوية والتعدد الثقافي. كما أن طرح الفيلم في القاعات يمنح الجمهور المغربي فرصة لاكتشاف تجربة محمد مروازي الإخراجية الطويلة الأولى، ومتابعة الكيفية التي عالج بها موضوعا يحمل أبعادا اجتماعية وإنسانية واضحة داخل إطار سردي سينمائي.