جدل فيديو كليب Draganov – TACH .. عندما يصبح الرقص “جريمة ضد الوطن”

في مشهد يعكس عمق الأزمة الثقافية التي تسود بعض الأوساط في الجزائر، تحولت أغنية “TACH” للرابور المغربي دراغانوف Draganov (عدنان محيو) إلى ساحة معركة وهمية، ليس بسبب مضمونها الفني أو رسالتها الموسيقية، بل لأن فناناً جزائرياً وموهوباً هو محمد خساني قرر أن يقدم أداءً راقصاً رائعاً زيّن الفيديو كليب بحركات فنية متقنة وإحساس عال.

لكن العقول المحدودة رأت في هذا العمل الفني الجميل “إهانة” و”مذلة”، متناسية أن الفن – في جوهره – هو لغة عالمية تتخطى الحدود والعقد النفسية المتجذرة في عقول ترفض التطور والانفتاح.

النقاش المثار حول الفيديو كليب يكشف عن نمط تفكير متخلف ومدمر للإبداع. المشهد الذي أثار الجدل، يظهر خساني يرقص أمام Draganov الجالس على عدد من الكراسي، في مشهد اعتبره البعض “مهينًا” و”مذلًا”، بل وذهب البعض إلى حد المطالبة بسحب صفة “فنان” عنه، بدعوى أنه “شوّه صورة الجزائر”. هكذا تحولت حركات راقص محترف وموهوب إلى “خيانة وطنية” في نظر من يعانون من عقد نفسية عميقة.

إن من يرى في رقص محمد خساني الجميل والمتقن إهانة للجزائر، يكشف عن نظرة مريضة للفن وللهوية الثقافية. الرقص لطالما كان أحد أدواته التعبيرية في عروضه الكوميدية، وأن الكليب لا يستحق كل هذا التهويل، كما أوضح الفنان نفسه مدافعاً عن حقه في الإبداع الحر.

العقلية التقليدانية

ما نشهده في ردود الأفعال الغاضبة تجاه خساني ليس موقفاً سياسياً حقيقياً، بل هو تعبير عن عقلية تقليدانية متحجرة ترى في أي شكل من أشكال التعبير الفني الحديث تهديداً لما تعتبره “ثوابت” وهمية. هذه العقلية تعكس جمودا فكريا خطيرا. فالعقول المحدودة التي انتقدت خساني تعبر عن رفضها لأي شكل من أشكال التطور الثقافي. إنها تريد أن تبقي الفنان حبيس قوالب جامدة، متناسية أن الفن الحقيقي هو الذي يكسر الحدود ويتجاوز التوقعات.

معنى الكرامة الوطنية

بعض العقليات المتحجرة البئيسة تُوظف الأعمال الفنية لتغذية خطاب العداء تجاه المغرب، وتحويل الرأي العام الجزائري إلى أداة ضغط على الفنانين الذين يتعاملون مع نظرائهم المغاربة. هذا التوظيف السياسي للفن يكشف عن عمق الأزمة النفسية التي تعيشها هذه الفئة. فالكرامة الحقيقية تكمن في إنتاج فن راقٍ ومتميز، وليس في منع الفنانين من الإبداع. خساني عزز صورة الفن الجزائري بأدائه الرائع، لكن العقول المريضة رأت فيه العكس.

دراغانوف يرد بالحكمة والنضج

في المقابل، أظهر الفنان المغربي دراغانوف نضجاً فكرياً وثقافياً عالياً، عندما رد على الانتقادات. ونشر Draganov تدوينة على حسابه الرسمي على “إنستغرام”، جاء فيها: “دراري calme vous، أنا فان ديال محمد خساني، أنا وجدي وتقافيا بحال هاد الأغنية هي جزء كبير من TACH، فين كبرت وفين عشت، وحنا كنا تلاتين واحد وكاملين بينا كانبغيو الشعب الجزائري وكنبغيو بلادنا”.

هذا الرد يُظهر فهماً عميقاً لطبيعة الثقافة المغاربية، ويكشف أن الفنان المغربي أكثر نضجاً من منتقديه الذين يحاولون تسييس كل شيء.

خساني: فنان ضحية التخلف

رغم موجة الانتقادات التقليدانية، أعرب العديد من الفنانين على رأسهم رجاء مزيان ورضا سيتي 16 وغيرهم تضامنهم مع زميلهم ابن مدينة وهران. هذا التضامن يُظهر أن هناك أصواتاً واعية في الوسط الفني تفهم قيمة الحرية الإبداعية. فالعاصفة المُثارة حول فيديو كليب “تاش” تكشف عن صراع حقيقي بين قوى التقدم والتخلف في المجتمع. لأن الفن الحقيقي، كما جسده محمد خساني ودراغانوف، يكسر الحواجز ويبني جسوراً ثقافية، بينما العقليات المتخلفة تحاول هدم كل ما هو جميل وإبداعي.

إن ردود الأفعال الغاضبة تجاه خساني ليست إلا تعبيراً عن عجز هذه العقليات عن مواكبة التطور الثقافي والفني. وهي تذكرنا بأن المعركة الحقيقية في مجتمعاتنا ليست سياسية بقدر ما هي ثقافية وفكرية، بين من يريد للمنطقة أن تتقدم ثقافياً وفنياً، ومن يريد لها أن تبقى أسيرة قوالب جامدة ومتخلفة.

 

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts