تقترب السيارات الكهربائية من تجاوز أحد أبرز العوائق التي تحد من انتشارها. وذلك بعدما طور العالم المغربي رشيد اليزمي تقنية جديدة للشحن الفائق السرعة.
وتعد هذه التقنية، المعروفة باسم “الفولتمترية غير الخطية”، بمحاولة تقليص مدة شحن البطاريات إلى دقائق، مع الحفاظ على سلامتها خلال العملية.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه مبيعات السيارات الكهربائية عالميا. فبحسب توقعات وكالة الطاقة الدولية، بلغت المبيعات نحو 20 مليون سيارة خلال العام الماضي، مع توقع ارتفاعها إلى 23 مليونا خلال العام الجاري. ومع ذلك، لا يزال طول مدة الشحن يمثل تحديا أمام انتشار هذه السيارات.
وفي هذا السياق، يعمل اليزمي على تطوير حل تقني يستهدف تسريع شحن بطاريات الليثيوم أيون. ويستند الابتكار إلى التحكم في مستويات الجهد ومراقبة استجابة البطارية، بدلا من الاعتماد على تدفق تيار ثابت طوال مدة الشحن.
تقنية رشيد اليزمي للشحن السريع تختصر المدة إلى دقائق
وكشفت شركة “كيه في آي”، التي أسسها رشيد اليزمي في سنغافورة، عن نتائج أولية لافتة لهذه التقنية. وأوضحت الشركة أن الاختبارات أظهرت إمكانية رفع مستوى شحن خلية بطارية من نوع فوسفات الحديد والليثيوم من 10 إلى 70 في المائة خلال 3.7 دقائق فقط.
كما أظهرت النتائج إمكانية شحن الخلية نفسها من الصفر إلى 100 في المائة خلال سبع دقائق. وتفتح هذه الأرقام المجال أمام تطوير حلول تقلص فترات الانتظار التي يواجهها مستخدمو السيارات الكهربائية.
غير أن هذه النتائج تتعلق باختبارات أجريت على خلايا البطاريات، ولا تعني أن التقنية أصبحت جاهزة للاستخدام التجاري داخل السيارات. إذ لا يزال الانتقال من خلية منفردة إلى حزمة بطاريات كاملة يتطلب اختبارات هندسية إضافية.
ويشرح اليزمي أن التقنية الجديدة تختلف عن طريقة الشحن التقليدية المعروفة باسم “التيار الثابت”. فبدلا من تمرير تيار كهربائي بالمعدل نفسه، تعتمد طريقته على تطبيق مستويات جهد متدرجة ومراقبة تغير تيار الشحن.
وتتيح هذه العملية للبطارية فترات راحة قصيرة بين مستويات الجهد المتتالية. وبذلك، تستجيب عملية الشحن لحالة الخلية وقدرتها على استقبال أيونات الليثيوم خلال المراحل المختلفة.
كيف تتجنب التقنية ارتفاع حرارة البطارية؟
وتكمن أهمية هذا الأسلوب في تعامله مع التغيرات التي تحدث داخل البطارية أثناء الشحن. ففي الطريقة التقليدية، تستقبل أقطاب البطارية أيونات الليثيوم بسهولة نسبية خلال المراحل الأولى.
لكن الوضع يتغير كلما اقتربت البطارية من الامتلاء. إذ تصبح عملية استقبال المزيد من الأيونات أكثر صعوبة، وهو ما قد يرفع مخاطر الترسبات غير المرغوبة داخل الخلية.
ولشرح الفرق، يشبه هذا الأسلوب ملء خزان للمياه باستخدام مضخة تراقب مستوى امتلائه. فعندما يكون الخزان فارغا، يستطيع استقبال المياه بسهولة، لكن استمرار الضخ بالمعدل نفسه يصبح أقل ملاءمة مع اقترابه من الامتلاء.
أما تقنية اليزمي، فتغير مستويات الضغط وفق استجابة الخزان، مع فترات توقف قصيرة بين المراحل. وبالمثل، تحاول التقنية تكييف عملية الشحن مع قدرة البطارية على استقبال الأيونات، بدلا من فرض معدل ثابت عليها.
ويقول اليزمي إن هذا الأسلوب ساعد على تحقيق الشحن السريع دون تجاوز درجة حرارة الخلية 50 درجة مئوية خلال الاختبارات. كما ساهمت فترات الراحة القصيرة في الحد من ارتفاع الحرارة أثناء العملية.
اختبارات على خلايا بطاريات ومؤشرات أولية للسلامة
ولم يقتصر العمل على تجربة خلية واحدة، إذ اختبر فريق اليزمي التقنية على مجموعة متنوعة من خلايا بطاريات الليثيوم أيون. واعتمدت هذه الاختبارات على كيمياء فوسفات الحديد والليثيوم، وشملت خلايا صنعت معظمها في الصين.
ومن بين العينات المستخدمة خلية تجارية أنتجتها شركة “إيه 123”، وتبلغ سعتها 2500 مللي أمبير في الساعة. واستخدم الفريق معها قدرة شحن قصوى وصلت إلى نحو 90 واطا.
كما أشار اليزمي إلى أن شركة “سكاي درايف” اليابانية أكدت نتائج الاختبارات المنجزة في سنغافورة. وتتخصص الشركة اليابانية في تطوير الطائرات الكهربائية القادرة على الإقلاع والهبوط عموديا.
ومن جهة أخرى، يقول اليزمي إن التجارب لم ترصد تكون ما يعرف بالتشعبات المعدنية، حتى عندما استغرقت عملية الشحن أقل من عشر دقائق. كما سجلت التقنية أكثر من 900 دورة شحن وتفريغ، مع فقدان لم يتجاوز 11 في المائة من سعة البطارية.
وترتبط هذه النتائج بمشكلة تقنية معروفة في بطاريات الليثيوم أيون. فعندما تتجاوز سرعة الشحن قدرة الأنود على استيعاب أيونات الليثيوم، قد يترسب جزء منها على سطح الغرافيت في صورة ليثيوم معدني.
وقد تنمو هذه الترسبات على شكل إبر أو فروع متشعبة، وهو ما يعرف بالتشعبات المعدنية. وتكمن خطورتها في احتمال اختراق الفاصل العازل بين قطبي البطارية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الحرارة أو نشوب حريق.
ويرجح اليزمي أن فترات الراحة القصيرة بين مراحل الشحن تسمح بإعادة إدماج الليثيوم المعدني بين طبقات الغرافيت. لكنه يقدم ذلك باعتباره تفسيرا محتملا للنتائج، وليس حكما نهائيا على سلوك البطاريات في جميع ظروف الاستخدام.
تشخيص مبكر للأعطال الداخلية في البطاريات
ولا تتوقف التقنية عند تسريع الشحن، بل تشمل أيضا أنظمة لتشخيص حالة البطارية ومراقبة أدائها. وتهدف هذه الأنظمة إلى الكشف المبكر عن المؤشرات الأولية للدوائر القصيرة الداخلية، التي قد تهدد سلامة الخلية.
ويعتمد هذا الجانب على مفهوم علمي يعرف باسم “الديناميكا الحرارية خارج حالة الاتزان”. ويستخدم اليزمي مؤشرين أساسيين، هما الإنتروبيا والإنثالبي، لرصد التغيرات الحرارية والطاقية داخل البطارية.
وتساعد الإنتروبيا على وصف توزيع الطاقة والتغيرات التي ترافق العمليات الحرارية والكيميائية. أما الإنثالبي، فيرتبط بالمحتوى الحراري للنظام، ويساهم في تحليل التغيرات المرتبطة بالطاقة والحرارة.
ويوضح اليزمي أن منحنيات هذين المؤشرين تختلف بين الخلية السليمة والخلية التي بدأت تظهر فيها مؤشرات دائرة قصر داخلية. كما يمكن قياس هذه التغيرات خلال الشحن أو التفريغ، دون الحاجة بالضرورة إلى إيقاف البطارية أو تفكيكها.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية خاصة، لأن الدوائر القصيرة الداخلية قد تظهر دون علامات خارجية واضحة. وقد تتسبب في تسخين موضعي شديد، يتطور لاحقا إلى ما يعرف بالانفلات الحراري.
لذلك، يمكن أن يساعد الكشف المبكر عن هذه المؤشرات أنظمة إدارة البطاريات على التدخل قبل تطور الخلل. كما قد يساهم هذا الجانب في تحسين السلامة وإطالة العمر التشغيلي للبطاريات.
نحو نقل الابتكار من المختبر إلى السيارات الكهربائية
ويرى اليزمي أن التقنية قابلة للتوسع من مستوى الخلية إلى الوحدة وحزمة البطارية الكاملة. ويعتمد ذلك على خوارزمية تراقب استجابة الخلايا وتحلل البيانات خلال مختلف مراحل الشحن.
وفي هذا الإطار، تستعد شركة “إلكترو موبيليتي هولدينغ سنغافورة” لطرح التقنية تجاريا، من خلال تطوير أنظمة شحن تعتمد على الفولتمترية غير الخطية. وتضع الشركة سوق السيارات الكهربائية ضمن أولوياتها، بالتوازي مع توسيع أنشطة البحث والتطوير في سنغافورة.
كما تتجاوز التطبيقات المحتملة مجال السيارات، لتشمل الطائرات الكهربائية ذات الإقلاع والهبوط العمودي. فاختصار مدة الشحن قد يقلص الوقت الفاصل بين الرحلات، ويتيح للمشغلين تحسين الاستفادة من طائراتهم.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة اليزمي توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “سكاي درايف” اليابانية في 28 أكتوبر الماضي. وتهدف المذكرة إلى استكشاف إمكانية تطبيق تقنية الشحن الفائق السرعة على الطائرات الكهربائية.
خبراء يحذرون من التسرع في اعتماد التقنية
ورغم النتائج التي أعلنتها الشركة، يرى خبراء أن الانتقال إلى الاستخدام التجاري يتطلب اختبارات أكثر شمولية. وفي هذا السياق، أبدى الدكتور ماهر القاضي، الباحث في قسم الكيمياء والكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا، اهتمامه بالتطور الذي يقوده اليزمي.
لكن القاضي شدد على ضرورة إخضاع التقنية لاختبارات أكثر صرامة، خاصة فيما يتعلق بمنع تكون التشعبات المعدنية. وأوضح أن حماية البطارية من هذه المشكلة تتطلب تكرار التجارب في ظروف مختلفة، قبل تعميم الاستنتاجات المتعلقة بالسلامة.
كما لفت إلى أن تحويل نتائج خلية واحدة إلى أداء مستقر داخل سيارة كهربائية يمثل تحديا إضافيا. فعند جمع عدد كبير من الخلايا في حزمة واحدة، تظهر اختلافات في المقاومة ودرجة الحرارة والسعة.
وقد تتفاقم هذه الفوارق مع تقادم البطارية، إذ يمكن أن تصل إحدى الخلايا إلى حدود الجهد أو الحرارة المسموح بها قبل غيرها. وعندها، قد يضطر نظام إدارة البطارية إلى خفض تيار الشحن لحماية الخلايا.
ويضيف القاضي أن الحفاظ على سرعة الشحن نفسها يتطلب قدرة كهربائية تتناسب مع حجم الحزمة. كما يحتاج الأمر إلى نظام تحكم يتعامل مع اختلافات الخلايا، إلى جانب توفير تبريد متجانس وفعال.
ولا تقتصر الاختبارات المطلوبة على ظروف التشغيل العادية، بل ينبغي أن تشمل درجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة. وتزداد أهمية ذلك في الأجواء الباردة، حيث ترتفع احتمالات ترسب الليثيوم عند الشحن السريع.
كذلك، يتعين اختبار التقنية على خلايا جديدة وأخرى متقادمة، مع قياس الاحتفاظ بالسعة وكفاءة الطاقة بعد دورات شحن متكررة. فالقيمة العملية للابتكار لا تتحدد بسرعة الشحن وحدها، بل بقدرته على الحفاظ على الأداء والسلامة طوال العمر المستهدف للبطارية.
وبين النتائج الأولية والاختبارات المطلوبة، يفتح ابتكار رشيد اليزمي مسارا جديدا في سباق تطوير البطاريات. ومع ذلك، سيظل نجاحه التجاري مرتبطا بإثبات فعاليته على حزم بطاريات كاملة، وقدرته على الجمع بين سرعة الشحن والاستقرار والسلامة.