الصديقي: التجارة التقليدية ما تزال تهيمن على السوق رغم صعود المتاجر الكبرى

قال المحلل الاقتصادي والوزير السابق عبدالسلام الصديقي، إن تقرير مجلس المنافسة الأخير حول “وضعية المنافسة على مستوى مسالك توزيع المواد الغذائية”، يسلط الضوء على واقع معقد في قطاع يتسم بازدواجية هيكلية، بين قنوات تقليدية ما تزال مهيمنة، وأخرى حديثة في طور التوسع.

وأوضح الصديقي، في مقال تحليلي، أن الوثيقة شملت دراسة خمس مجموعات غذائية رئيسية، وهي المواد الألبانية (الحليب المبستر والمعقم، الزبدة، الجبنة المذابة على شكل مثلثات)، المعكرونة والكسكس، معجون الطماطم، والمربى.

وأشار إلى أن الفروقات السعرية بين القنوات التقليدية والحديثة تبقى عموما محدودة، باستثناء المعكرونة التي تعرض بأسعار أعلى في السلاسل الكبرى.

وأكد أن التوزيع العصري يتميز بتركيز قوي في السوق، إذ تحتكر علامتا “كارفور” و”مرجان” أكثر من ثلثي الحصة، بينما تتمركز شبكات التوزيع في محور الرباط–الدار البيضاء الذي يحتضن 46% من نقط البيع و50% من المساحة التجارية الإجمالية، وهو ما يعكس تمركزا جغرافيا واقتصاديا يصعب اختراقه.

وشدد الصديقي على أن صعوبة ولوج وافدين جدد لهذا السوق ترتبط بعدة حواجز، أبرزها ارتفاع الاستثمارات، نقص العقارات التجارية، التكاليف اللوجستيكية، وصعوبات الوصول إلى الموردين، مبرزا أن عدد الفاعلين الجدد في هذا المجال لم يتجاوز ثلاثة خلال عشر سنوات.

ورغم كل هذه التحولات، قال الصديقي إن التوازن لا يزال قائما بين النموذجين، حيث تلعب التجارة التقليدية دورا حاسما في تزويد الأسواق، خاصة في المناطق الشعبية والقروية، فيما توفر المتاجر الكبرى عرضا متنوعا وخدمة زبناء موحدة.

وأكد أن الحفاظ على هذا التعايش ضروري لضمان مرونة نظام توزيع المواد الغذائية.

وأضاف أن تشجيع هذا التعايش يتطلب مواكبة التجار التقليديين نحو الرقمنة والاحترافية، في موازاة تحسين البنيات التحتية وتشجيع المتاجر الكبرى، بما يضمن عدالة الوصول إلى المنتجات ويعزز شمولية النظام.

وأبرز الصديقي أن حوالي 80% من رقم المعاملات في توزيع المواد الغذائية يعود إلى التجارة التقليدية، التي تمثل أيضا نحو 99% من نقط البيع،

ولفت إلى أن هذه الهيمنة تتجلى حتى في المنتجات محل الدراسة: 86% من المواد الألبانية، 75% من معجون الطماطم والمربى، وأكثر من 95% من الكسكس والمعكرونة، تباع عبر القنوات التقليدية.

وأشار إلى أن هذا النسيج يعاني من تجزئة شديدة وضعف في التنسيق، ما يصعّب تنفيذ برامج الدعم، خاصة مع وجود حوالي 120 ألف نقطة بيع بالتقسيط، و4000 تاجر جملة، دون احتساب التجارة غير المستقرة.

كما لفت إلى أن تعدد الوسطاء، الذين يفصلون بين المنتج والمستهلك بمتوسط ثلاث إلى أربع حلقات، يزيد من تعقيد منظومة التوزيع.

وبحسب الصديقي، فإن التجارة القروية تعتمد بشكل كبير على الأسواق الأسبوعية، التي تفتقر في الغالب إلى الشروط الصحية والتنظيمية، في وقت تتوسع فيه قنوات التوزيع الحديثة بسرعة، مدفوعة بنسب نمو ثنائية الرقم، لتصل إيراداتها سنة 2024 إلى حوالي 40.9 مليار درهم، منها 75% تخص المواد الغذائية، بزيادة سنوية تناهز 17%.

وفي ما يتعلق بالتجارة الإلكترونية، أوضح الصديقي أن المستهلك المغربي أصبح أكثر ميلا لاستخدام هذه القناة، حيث ارتفع عدد المواقع المسجلة في المركز النقدي البنكي إلى 1695 موقعا، بينما أظهرت المعاملات الإلكترونية نموا بنسبة 23.4% من حيث العدد و23.6% من حيث المبالغ، غالبيتها من بطاقات بنكية مغربية.

ولفت إلى أن هوامش الربح في السلاسل التجارية، سجلت ارتفاعا مطردا في السنوات الأخيرة، حيث عكست المبيعات زيادات تفوق تلك المسجلة في تكاليف الشراء، كما أن الانخفاضات التي عرفتها أسعار التوريد لم تترجم بالكامل إلى تراجع مماثل في الأسعار النهائية.

وأوضح أن التقرير يميز بين الهامش الأمامي، الذي يعلن عنه، والهامش الخلفي الذي يبلغ في المتوسط 9%، وهو ما يظهر بنية ربح مزدوجة تسمح بتحقيق هوامش أكبر من المعلن عنها.

وفي ما يخص التوصيات، أكد الصديقي أن مجلس المنافسة دعا إلى تحديث القوانين وتأطير التعمير التجاري وتحسين حكامة سلاسل التوزيع، إلى جانب دعم الموارد البشرية وإعادة تنظيم سلاسل التوريد، مع تعزيز شفافية العلاقة بين المورد والموزع.

وختم الصديقي مقاله بثلاث ملاحظات: الأولى تتعلق بغياب ملخص تنفيذي يسهل فهم التقرير، والثانية تخص اعتماد البيانات على تصريحات الموردين والبائعين دون تدقيق كاف، والثالثة تتعلق بالشكل، حيث لم تُرفق الوثيقة بتوضيحات للرموز والاختصارات المستخدمة.

ورغم ذلك، شدد على أن التقرير يستحق القراءة المتأنية، لِما يقدمه من معطيات دقيقة حول قطاع حيوي واستراتيجي.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts