أحمد نشاطي
من السهل أن نتحدث عن العدالة الاجتماعية بلغة عامة، وأن نحولها إلى شعارات كبرى أو إلى أهداف سياسية تتردد في الخطابات الرسمية والبرامج الحكومية والمقررات الحزبية والنقابية والمدنية. كما أنه من السهل أيضا أن نقيسها بمؤشرات النمو، أو بحجم الاستثمارات، أو بعدد المشاريع، التي يتم إنجازها هنا وهناك…
الشارع.. اختبار حقيقي للعدالة الاجتماعية
ففي المحصلة الأخيرة، يجري اختبار العدالة الاجتماعية في ما يراه الناس ويعيشونه في الشارع. ومن هذه الفكرة البسيطة، ينطلق كتاب الدكتور محمد العودي ليقلب زاوية النظر كلها. إذ يضعنا أمام اختبار أكثر صرامة، وأكثر صدقا في الآن نفسه: أن ننظر إلى العدالة الاجتماعية من حيث تبدأ فعلا، خارج الوثائق والخطب والإعلانات. أي من الشارع، من ذلك الفضاء، الذي تَختبر فيه السياساتُ العمومية حقيقتَها اليومية. ويكون ذلك في مواجهة مباشرة مع الإنسان العادي، حين يحاول أن يضمن لنفسه حدا أدنى من الكرامة داخل مدينة لا تمنحه دائما ما يستحقه من اعتراف.
لقد تعودنا، في كثير من الأحيان، أن ننظر إلى الهامش وكأنه فضاء منفصل عن الدولة، أو كأنه نتيجة جانبية لتحولات اقتصادية لا مفر منها. لكن الحقيقة، التي يلحّ عليها كتاب الدكتور محمد العودي، هي أن الهامش ليس خارج المجتمع، وإنما في قلبه. والذين يعيشون فيه لا يقفون على تخوم الدولة فقط، وإنما يختبرون حدودها. كما يكشفون، كل يوم، ما تستطيع أن تفعله وما تعجز عن تحقيقه…
فالذين يملأون فضاءات الاقتصاد غير المهيكل، والذين صنعوا من الهشاشة اليومية أشكالا متجددة من التكيّف والمقاومة، لا يطلبون في النهاية أكثر من حق بسيط يبدو، في جوهره، بديهيا: أن يكون لهم مكان داخل العقد الاجتماعي. وكذلك ألّا يُتركوا وحدهم لتدبير مصائرهم في الظل، وألّا تتحول قدرتهم على الاحتمال إلى ذريعة لتأجيل الإنصاف…
الاعتراف بمقاولات الفقر.. بين الشرعية وغض النظر
وهذا، ربما، هو الدرس الأعمق، الذي يقدمه الكتاب، حين يجعلنا نرى كيف استطاعت فئات واسعة أن تبني لأنفسها “مقاولات” صغيرة داخل الفقر. كما تبتكر هذه الفئات أيضا اقتصادا كاملا للبقاء، من دون أن يعني ذلك أنها خرجت من دائرة الحاجة أو من دائرة الانتظار الطويل للاعتراف.
لكن “الاعتراف”، كما يُوثّق الدكتور العودي، ليس أبيض وأسود. فـ”جزء من (قريعة) درب السلطان بات مُشيدا بشكل دائم، وتخضع أغلب وحداته للضريبة المهنية (الباتنتا) منذ أوائل التسعينيات”، وهو ما يُعدّ “شكلا من أشكال الاعتراف الضمني”. كما أن “فئة محدودة من الحِرَف الصغرى”، كـ”حرّاس السيارات، وملمّعي الأحذية، وبائعي الفواكه المتجولين”…، نجدها “تمارس عملها بناء على تراخيص إدارية قانونية”…
وهكذا، فإن “الشارع” ليس مجرد “هامش”، إنه فضاء يتدرج فيه “الاعتراف” من “الضمني” إلى “القانوني”، مرورا بـ”الترخيص الاستثنائي”. والسؤال إذن: لماذا يحظى البعض بـ”الباتنتا” والبعض الآخر بـ”الإقصاء العملي”؟
الدولة الاجتماعية أمام امتحان الواقع
ولعل هذا ما يجعل قراءة كتاب الدكتور محمد العودي اليوم ذات راهنية خاصة. ففي لحظة يتحدث المغرب عن الدولة الاجتماعية، وعن تعميم الحماية الاجتماعية، وعن تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية…
فهذه كلها خطوات مهمة، بل ضرورية. لكنها لا تكتمل إلا إذا استطاعت أن تصل إلى ذلك العالم، الذي وصفه الكتاب بدقة. إنه عالم العمل الهش، والدخل غير المستقر، والحياة، التي يجري بناؤها على قدم وساق يوما بيوم من دون ضمانات. كما لا تكتمل من دون يقين بأن الغد سيكون أقل قسوة من الأمس…
والخلاصة مما تَقدم، أن العدالة الاجتماعية لا تبدأ حين تقوم الإدارة بإدراج اسم المواطن في برنامج للدعم… إنها تبدأ حين يشعر المواطن أن الدولة لا تراه فقط بوصفه رقما يحتاج إلى مساعدة، وإنما بوصفه شريكا كاملا في المجال العام… كذلك، إنها تبدأ حين لا يكون الاقتصاد غير المهيكل مجرد مشكلة يجب تقنينها. بل يجب أن يكون علامة تدفع إلى مراجعة أعمق لطبيعة الاقتصاد نفسه، ولقدرته على احتواء من ظلوا طويلا خارجه… أخيرا، إنها تبدأ حين لا نكتفي بالإعجاب بقدرة الناس على التكيف. بالأحرى، تبدأ حين نسأل بجدية لماذا اضطروا أصلا إلى هذا القدر من التكيف…
القانون يتحول إلى منطقة رمادية
وهنا يكتسب الكتاب قوة أخلاقية خاصة، لأنه لا يدع القارئ يكتفي بالملاحظة أو بالتعاطف. بل يدفعه إلى إدراك أن ما يبدو في الشارع مجرد نشاط يومي مألوف (بائع على الرصيف، عامل مؤقت، حِرَفي بلا سجل) هو في الحقيقة تعبير عن سؤال سياسي كبير. ويتعلق هذا السؤال بالحق في المدينة، والحق في العمل، والحق في أن يكون الإنسان جزءا معترفا به من الجماعة الوطنية.
وهنا يتجاوز الدكتور العودي “الاعتراف” إلى “الوضعية المزدوجة” نفسها. فـ”الغالبية العظمى من الأنشطة المنتشرة في شوارع الحاضرة تمارس وجودها على هامش (الشرعية)”، وبعضها “يوجد في وضعية مزدوجة من اللاشرعية”. على الرغم من أنها “يتم التسامح معها ضمنا، بل وتُدمج أحياناً في البيئة الحضرية”، فإنها “تُنتج مجاورات اقتصادية تُفضي إلى تعميم علاقات مشوبة بالتوتر مع المنظومة الاقتصادية (الرسمية)”.
وهكذا، فإن “الوضعية معقدة، تُنتج أنماطا إدارية متضاربة، تجمع بين التساهل والتضييق، وبين الاعتراف الضمني والإقصاء العملي”، إلى الحد الذي “يُصبح فيه التمييز بين ما هو غير قانوني، وما هو مُتغاضى عنه، وما هو ببساطة غير مرئي، أمرا صعبا في أزقة المدينة الكبيرة”. وهذه “الصعوبة” هي بالضبط ما يجب أن تُواجهه “العدالة الاجتماعية”. وذلك بحثا عن “إنصاف”، وكذا “رؤية” و”تمييز” و”قرار” في فضاء لا تُعرف فيه الحدود.
من الحق في العمل إلى الحق في المدينة
فإذا كان المغرب قد اختار، بوضوح، أن يجعل من الدولة الاجتماعية أفقا استراتيجيا للإصلاح، فإن أحد معايير صدق هذا الاختيار سيظل هو ما إذا كانت هذه الدولة قادرة على أن تصل إلى الشارع. كما يكون ذلك بمعنى الحضور الإداري، وأساسا بمعنى الإنصاف الفعلي. بالإضافة لذلك، هل تستطيع الدولة أن تحول النجاة اليومية إلى استقرار؟ وهل يمكنها أن تحول العمل الهش إلى فرصة كريمة؟ وأيضا، أن تحول أولئك الذين عاشوا طويلا في الظل إلى مواطنين يشعرون بأن النور يشملهم أيضا؟
إن ما يعلّمه لنا كتاب الدكتور محمد العودي، في النهاية، هو أن العدالة الاجتماعية لا يجري اختبارها فقط في الوثائق الكبرى. بل أيضا في التفاصيل الصغيرة، التي تصنع حياة الناس… كما يجري اختبارها في قدرة الإنسان على أن يعمل من دون خوف، وأن يعيش من دون هشاشة، وأن يشعر بأن المدينة، التي يسهم في بنائها كل يوم، تعترف به جزءا منها.
هناك، في الشارع، حيث تبدو الحياة عادية وعابرة، يبدأ المعنى الحقيقي للعدالة. وهناك أيضا يجري، بالليل والنهار، قياس مدى نجاح أي مشروع للدولة الاجتماعية…