ثمنت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، قرار المغرب احتضان مؤتمر إلغاء عقوبة الإعدام بمراكش في دورته العاشرة. وجاء موقفها خلال لقاء للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، انعقد بالبرلمان الفرنسي، في سياق اختتام المؤتمر الدولي التاسع لإلغاء عقوبة الإعدام بباريس.
ويحمل هذا القرار، حسب بوعياش، دلالة رمزية وحقوقية بارزة. فالمؤتمر الدولي للإلغاء سينعقد، لأول مرة في تاريخه، خارج أوروبا وكندا. كما يمنح احتضان المغرب لهذا الموعد الدولي إشارة قوية إلى انفتاحه على النقاش الحقوقي العالمي حول الحق في الحياة.
وكان وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، قد أعلن من باريس احتضان المملكة للدورة العاشرة من المؤتمر الدولي حول إلغاء عقوبة الإعدام. وأكدت وزارة العدل أن هذا الإعلان جاء خلال مشاركة الوزير في أشغال المؤتمر التاسع المنعقد بالعاصمة الفرنسية، بحضور فاعلين دوليين في مجال حقوق الإنسان.
مؤتمر إلغاء عقوبة الإعدام بمراكش ودلالته الحقوقية
اعتبرت آمنة بوعياش أن احتضان مؤتمر إلغاء عقوبة الإعدام بمراكش يعكس موقع المغرب داخل النقاش الدولي حول هذه العقوبة. كما ربطت القرار بمسار وطني طويل، يقوم على وقف تنفيذ الإعدام في الواقع والممارسة.
وأكدت رئيسة المجلس أن الدستور المغربي يكرس الحق في الحياة. واعتبرت أن هذا التكريس الدستوري يمنح النقاش حول الإلغاء قاعدة حقوقية واضحة. كما شددت على أن المغرب اختار، منذ عقود، وقف تنفيذ هذه العقوبة في الممارسة.
وأوضحت بوعياش أن المغرب توقف مبكرا عن تنفيذ الإعدام سنة 1982. ولم ينفذ هذه العقوبة منذ ذلك التاريخ إلا مرة واحدة سنة 1993، حسب المعطيات التي قدمتها. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت المملكة وقفا عمليا لأكثر من ثلاثة عقود.
ويعد هذا المسار، في نظر المدافعين عن حقوق الإنسان، أرضية مهمة للانتقال إلى خطوة تشريعية صريحة. فالممارسة قائمة، والدستور يرسخ الحق في الحياة، ويبقى الرهان على ملاءمة القانون مع هذا التوجه.
تصويت المغرب لفائدة الوقف الكوني
أشادت بوعياش أيضا بتصويت المغرب، لأول مرة في تاريخه، لفائدة القرار الأممي المتعلق بالوقف الكوني لتنفيذ عقوبة الإعدام في دجنبر 2024. ووصفت العقوبة بأنها قاسية ولا إنسانية، وغير مجدية ولا رادعة.
ويشكل هذا التصويت تحولا مهما في الموقف المغربي داخل الأمم المتحدة. فقد انتقل المغرب من الامتناع أو التحفظ إلى دعم صريح لقرار دولي يدعو إلى وقف التنفيذ. وهذا المعطى يمنح الترافع الحقوقي الداخلي قوة إضافية.
وقالت بوعياش إن المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان يأملون أن يتوج هذا المسار بقرار تشريعي واضح. وينبغي أن ينسجم هذا القرار مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما يجب أن يرسخ ما أصبح قائما في الواقع والدستور.
ولا يتعلق النقاش هنا بالرمزية فقط. فالإلغاء التشريعي سيحسم التردد القانوني القائم. كما سيمنح حماية أقوى للحق في الحياة. وسيؤكد أن وقف التنفيذ لم يعد مجرد ممارسة، بل اختيارا قانونيا ومؤسساتيا.
إشادة فرنسية ودولية بالتزام المغرب
عرف اختتام المؤتمر الدولي التاسع لإلغاء عقوبة الإعدام إشادات بموقف المغرب. فقد نوهت رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية وسفيرة فرنسا المعنية بحقوق الإنسان بالتزام المملكة في هذا النقاش الدولي.
كما ثمنتا إعلان المغرب احتضان المؤتمر الدولي المقبل بمراكش. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفاعلون دوليون قد أشادوا، في افتتاح المؤتمر، بتفاعل المغرب مع هذا المسار الحقوقي، وفق المعطيات التي عرضها المصدر.
وتؤكد وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس احتضنت المؤتمر العالمي التاسع ضد عقوبة الإعدام من 30 يونيو إلى 2 يوليوز 2026. ونظم الموعد من طرف منظمة “معا ضد عقوبة الإعدام”، تحت رعاية فرنسا والاتحاد الأوروبي وسويسرا.
ويمنح انتقال المؤتمر المقبل إلى مراكش بعدا جديدا للحركة المناهضة لعقوبة الإعدام. فهو ينقل النقاش إلى فضاء إفريقي وعربي. كما يوسع دائرة الحوار بين دول ذات تجارب قانونية وسياسية مختلفة.
المجلس الوطني يواصل ترافعه
واصل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، خلال المؤتمر التاسع، ترافعه الدولي من أجل الحق في الحياة. ودافع المجلس عن إلغاء عقوبة تمس بكرامة الإنسان، وفق تعبير بوعياش.
ونوهت رئيسة المجلس بالزخم الدولي المناهض لعقوبة الإعدام. واعتبرت هذا الملف من أكبر القضايا الحقوقية التي تحقق تقدما كونيا مستمرا. كما أشارت إلى أن 77 في المائة من دول العالم تلتزم اليوم بعدم تنفيذ الإعدام، من بينها المغرب.
وأضافت أن 62 في المائة من الدول ألغت الإعدام في التشريع والممارسة. بينما اختارت 15 في المائة من الدول وقفا اختياريا لتنفيذ أحكام الإعدام. وتعكس هذه الأرقام اتجاها دوليا متصاعدا نحو الحد من العقوبة، ثم إلغائها.
ويبدو أن المغرب يريد، من خلال احتضان المؤتمر المقبل، المساهمة في هذا النقاش العالمي. كما يسعى إلى إبراز تجربته الخاصة، التي تجمع بين وقف التنفيذ، والتكريس الدستوري للحق في الحياة، وتطور الموقف داخل الأمم المتحدة.
وبذلك، يتجاوز مؤتمر مراكش المقبل حدود حدث حقوقي عادي. فهو محطة لاختبار قدرة المغرب على تحويل الترافع إلى نقاش وطني أوسع. كما قد يشكل فرصة لدفع الإصلاح التشريعي نحو خطوة أوضح، تنسجم مع المسار الذي تراكم خلال العقود الأخيرة.