أعاد الجدل حول ترشح الفنانين للانتخابات طرح سؤال قديم في الحياة السياسية المغربية. هل يحق للفنان أن يدخل العمل السياسي؟ أم أن هذا الحق يصبح مقبولا أو مرفوضا حسب الحزب الذي يختاره؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة كلما أعلنت شخصية فنية التحاقها بحزب معين. فقد تعرضت الممثلة فاطمة خير لهجوم من بعض مناصري حزب العدالة والتنمية، بعد ترشحها باسم حزب التجمع الوطني للأحرار. وظهر الأمر، حينها، كما لو أن دخول الفنانين إلى السياسة مرفوض من حيث المبدأ.
غير أن المفارقة تبرز عندما نستحضر أن الحزب نفسه سبق أن استقطب فنانين وممثلين للترشح باسمه. ومن بين الأمثلة التي تطرح في هذا السياق الممثل ياسين أحجام، الذي شغل مهمة برلماني ضمن صفوف الحزب. كما يطرح اليوم اسم الممثلة فاطمة أوشاي، بعد اختيارها الترشح باسمه.
ترشح الفنانين للانتخابات ليس استثناء
لا ينبغي التعامل مع ترشح الفنانين للانتخابات كحالة غريبة أو شاذة. فالفنان مواطن قبل كل شيء. وله، مثل غيره، حق الانخراط في العمل السياسي، واختيار الحزب الذي يراه مناسبا لقناعاته.
والدستور لا يميز بين المواطنين على أساس المهنة. كما أن القانون لا يمنع الممثل أو المغني أو الكاتب أو الرياضي من الترشح. لذلك لا يمكن تحويل الخلفية الفنية إلى سبب للرفض أو التشكيك.
السياسة ليست ناديا مغلقا على المحامين والأساتذة ورجال الأعمال والموظفين. هي مجال عام مفتوح أمام كل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية. والمعيار الحقيقي يجب أن يكون الكفاءة، والالتزام، والقدرة على تمثيل المواطنين.
أما تحويل المهنة إلى تهمة، فهو تبسيط مخل. فهناك فنانون يملكون وعيا سياسيا واجتماعيا. وهناك غير فنانين لا يقدمون أي إضافة حقيقية للعمل العام.
ازدواجية المعايير تضعف النقاش السياسي
المشكل لا يكمن في انتقاد ترشح فنان أو فنانة. فالنقد حق مشروع. ويمكن مساءلة أي مرشح حول برنامجه، ومساره، ومواقفه، وقدرته على تحمل المسؤولية.
لكن المشكل يبدأ عندما يصبح الموقف من ترشح الفنان مرتبطا باللون الحزبي. فإذا ترشح الفنان باسم حزب معين (الأحرار مثلا)، يصبح الأمر دليلا على العبث. وإذا ترشح باسم حزب آخر (العدالة والتنمية)، يصبح حقا ديمقراطيا عاديا.
هذه الانتقائية تضعف النقاش السياسي. كما تحول المواقف إلى أدوات للمواجهة الحزبية فقط. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال حول أهلية المرشح. بل يصبح السؤال حول خصومته أو قربه من هذا الطرف أو ذاك.
إذا كان ترشح الفنانين مرفوضا من حيث المبدأ، فيجب رفضه في كل الحالات. وإذا كان مقبولا، فيجب احترامه مع الجميع. أما أن نرفضه عندما يخدم خصما سياسيا، ونبرره عندما يخدمنا، فذلك يعكس ازدواجية واضحة.
فاطمة خير وفاطمة أوشاي.. نفس الحق
لا يمكن الدفاع عن حق فاطمة أوشاي في الترشح باسم حزب العدالة والتنمية، اليوم، ثم مهاجمة فاطمة خير لأنها اختارت حزب التجمع الوطني للأحرار. كما لا يمكن قبول تجربة ياسين أحجام داخل البرلمان مع البجيدي، ثم اعتبار انخراط فنان آخر في السياسة خطرا على الديمقراطية.
القاعدة يجب أن تكون واحدة. لكل فنان الحق في الترشح. ولكل مواطن الحق في التصويت أو الرفض. أما تقييم التجربة، فيجب أن يأتي من خلال الأداء، لا من خلال الأحكام المسبقة.
فاطمة خير، وفاطمة أوشاي، وياسين أحجام، وغيرهم من الوجوه الفنية، يملكون الحق نفسه. هذا الحق لا تمنحه الأحزاب ولا يسحبه أنصارها. إنه حق قانوني ودستوري، ما دام صاحبه يستوفي الشروط المطلوبة.
والناخب هو من يقرر في النهاية. فإذا اقتنع بالمرشح صوّت له. وإذا رفضه عاقبه بالصندوق. وهذه هي القاعدة الديمقراطية السليمة.
السياسة ليست حكرا على فئة واحدة
من الخطأ اختزال السياسة في النخب التقليدية. فالمجتمع متنوع. ومن الطبيعي أن تعكس المؤسسات المنتخبة هذا التنوع. لذلك يمكن أن نجد داخلها الطبيب، والفلاح، والأستاذ، والفنان، والمهندس، والتاجر، والعامل، والفاعل الجمعوي.
هذا التنوع ليس ضعفا. بل يمكن أن يكون مصدر غنى، إذا رافقته الجدية والكفاءة. فالفنان يملك تجربة في التواصل مع الناس. كما يعرف نبض المجتمع من زاوية مختلفة. وقد يحمل قضايا الثقافة والفن والصناعات الإبداعية إلى النقاش العمومي.
لكن هذا لا يعني أن كل فنان يصلح للسياسة. كما لا يعني أن كل سياسي تقليدي يملك الكفاءة. لذلك يجب أن يكون التقييم فرديا، لا مهنيا. نسأل عن البرنامج، والقدرة، والمصداقية، والالتزام.
أما أن نقول إن الفنان لا يصلح للسياسة فقط لأنه انتمى لحزب ما، فهذا حكم سهل وغير عادل.
الديمقراطية تحتاج إلى احترام الاختلاف
الديمقراطية الحقيقية تقوم على احترام الاختلاف. وتقوم أيضا على تكافؤ الفرص. ولا يمكن أن نطالب الناس بالمشاركة في الحياة السياسية، ثم نهاجمهم عندما يختارون حزبا لا يعجبنا أو نختلف معه.
من حق أي ممثل أو فنان أن يترشح باسم الحزب الذي يختاره. ومن حق المواطنين أن يحاسبوه. لكن لا يحق تحويل اختياره إلى مناسبة للتشهير أو السخرية أو التشكيك في أهليته بسبب مهنته.
النقاش السياسي يجب أن يرتقي. والمواطن يحتاج إلى معرفة برامج المرشحين، لا إلى معارك جانبية حول مهنهم. كما أن الأحزاب مطالبة بأن تكون منسجمة في مواقفها، لا أن تغير مبادئها حسب موقعها من المرشح، وأيضا موقعها في الأغلبية أو المعارضة.
ترشح الفنانين للانتخابات ليس مشكلة في حد ذاته. المشكلة الحقيقية هي الانتقائية، التي للأسف ينهجها حزب العدالة والتنمية، من أمينهم العام عبد الإله بن كيران إلى آخر منتم للحزب. والمشكلة الأكبر هي أن يصبح الحق الدستوري مقبولا عندما يلتحق بنا، ومرفوضا عندما يلتحق بغيرنا.