تشكل سلالة الصردي واحدة من أبرز سلالات الأغنام بالمغرب. فهي ليست مجرد خروف مميز في سوق الأضاحي، بل رصيد فلاحي واقتصادي وثقافي متجذر في الشاوية، خاصة بمنطقة بني مسكين في إقليم سطات.
وعلى امتداد الطريق نحو مدينة البروج، عاصمة بني مسكين، تظهر قطعان الصردي كجزء من هوية المكان. فالتربية هنا لا تمثل نشاطا فلاحيا عاديا فقط. بل تعكس نمط عيش، وخبرة متوارثة، وارتباطا عميقا بالأرض والقطيع.
وتعد منطقة بني مسكين معقلا رئيسيا لهذه السلالة. فهي توفر مناخا جافا ومراعي شاسعة. كما تتيح للقطعان التنقل لمسافات طويلة، ما يمنحها قوة جسدية تنعكس على جودة لحومها.
سلالة الصردي.. “سيد الأكباش” في المغرب
يحظى خروف الصردي بمكانة خاصة لدى الكسابة والمستهلكين. فهو طويل القامة، أبيض الصوف، قوي البنية، وتزيد قرونه الملتوية من حضوره اللافت.
ويتميز الصردي أيضا بسواد متناسق حول العينين والفم ونهاية الأذنين والأرجل. ويلخص الكسابة هذه العلامات في العبارة الشهيرة: “ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي على سواد”.
وتمنح هذه المواصفات للصردي قيمة رمزية وتسويقية كبيرة. لذلك يعرف إقبالا واسعا، خاصة خلال عيد الأضحى. فالمستهلك يبحث عن الحجم، والجودة، والمظهر، وهي عناصر تجتمع بقوة في هذه السلالة.
كما تتميز سلالة الصردي بقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية الصعبة. فهي تتحمل المراعي الفقيرة، وتستجيب بشكل جيد لطبيعة المجال الرعوي في الشاوية. وهذا ما يجعلها خيارا مفضلا لدى عدد كبير من المربين.
سطات.. ثروة حيوانية وأرقام وازنة
يملك إقليم سطات ثروة حيوانية مهمة. وتقدر معطيات وزارة الفلاحة عدد رؤوس الأغنام بالإقليم بحوالي 900 ألف رأس. ويعكس هذا الرقم الوزن الاقتصادي والاجتماعي لتربية الأغنام في المنطقة.
وساهمت التساقطات المطرية خلال الموسم الفلاحي الحالي في تحسين جودة المراعي. كما وفرت الكلأ، وانعكس ذلك إيجابا على مردودية القطيع. وبلغت التساقطات، وفق المعطيات الواردة، حوالي 411 ملم هذا الموسم.
وتعمل المديرية الإقليمية للفلاحة بسطات على تنفيذ مشاريع مهيكلة لتطوير إنتاج سلالة الصردي. وتشمل هذه المشاريع دائرة البروج، وقيادتي بني مسكين الغربية والشرقية.
وتتضمن المشاريع غرس 2000 هكتار من نبات القطفة، وزراعة 500 هكتار من البذور العلفية. كما تشمل إحداث تجمع لمربي الأغنام والماعز، وبناء وحدتين للتسمين والتخزين، بكلفة تناهز 26 مليون درهم لفائدة حوالي 1000 كساب.
دعم عمومي لإعادة تكوين القطيع
يضطلع صندوق التنمية الفلاحية بدور مهم في دعم المربين. ويقدم منحا مالية تصل إلى 850 درهما للرأس الذكر، و750 درهما للرأس الأنثى، لفائدة المنخرطين في الجمعية الوطنية للأغنام والماعز.
وشمل الدعم أيضا التغذية الحيوانية، والحفاظ على إناث القطيع المخصصة للتوالد. ويساعد ذلك على ضمان استدامة الإنتاج، وتحسين مردودية السلالة.
وفي إطار التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إعادة تكوين القطيع الوطني، خصصت الدولة دعما ماليا مباشرا لفائدة الكسابة. وجاء ذلك بعد عملية الإحصاء، حيث صرفت دفعة أولى لتغطية تكاليف تغذية الماشية بمختلف أنواعها.
كما صرفت دفعة ثانية خلال شهر أبريل لفائدة الكسابة الذين حافظوا على إناث الأغنام والماعز. وتروم هذه الخطوة دعم استدامة القطيع وتعزيز قدرته الإنتاجية.
وأكد المدير الإقليمي للفلاحة بسطات، يونس أعتاني، أن عملية إحصاء القطيع بالإقليم مكنت من تسجيل حوالي 34 ألف كساب، وإحصاء أكثر من مليون و100 ألف رأس من مختلف الأصناف، تتصدرها الأغنام.
بني مسكين ورقم معاملات سوق الأضاحي
تعد منطقة بني مسكين ودائرة البروج المهد الأصلي لسلالة الصردي. ويشكل هذا الصنف نسبة مهمة من القطيع المحلي. كما يساهم، وفق المعطيات نفسها، بنحو 45 في المائة من رقم معاملات سوق الأضاحي على الصعيد الوطني.
ويبرز هذا الرقم الثقل الاقتصادي للسلالة. فالصردي لا يحضر فقط في الضيعات والأسواق المحلية. بل يمتد تأثيره إلى السوق الوطنية، خاصة خلال فترة عيد الأضحى.
وتساعد قاعدة البيانات الرقمية التي أنجزت بعد الإحصاء على تحسين التدخلات الميدانية. كما تتيح توجيه السياسات الفلاحية بشكل أكثر نجاعة، حسب الحاجيات الفعلية للكسابة والقطيع.
وتؤكد هذه المقاربة أن تطوير السلالة يحتاج إلى معرفة دقيقة بالقطيع. فالإحصاء والرقمنة والدعم الموجه تشكل أدوات أساسية لتحسين الإنتاج، وحماية هذا الرصيد الحيواني.
تقنيات حديثة لحماية خبرة قديمة
لم تعد تربية الصردي تعتمد على الخبرة التقليدية وحدها. فقد أصبحت تمزج بين المعارف المتوارثة والتقنيات الحديثة، خاصة في التلقيح، وانتقاء الفحول، والتتبع الصحي الدوري.
وأوضح نائب رئيس تجمع بني مسكين لتربية الأغنام والماعز، محمد الزهواني، أن المربين يعتمدون تقنيات دقيقة للحفاظ على الخصائص الأصيلة للسلالة. كما يشتغلون على تحسين النسل وتثمين الموروث الجيني.
وتشمل هذه العملية أنظمة الترقيم والوسم، وتوثيق شجرة النسب، ورقمنة المعطيات. وتساعد هذه الأدوات على تتبع القطيع، وتوجيه عمليات الانتقاء، والحفاظ على نقاء السلالة.
ويعكس ذلك تحولا مهما في عمل الكسابة. فالخبرة الميدانية ما زالت حاضرة بقوة. لكنها أصبحت مدعومة بأدوات علمية وتنظيمية تجعل التربية أكثر نجاعة.
الجفاف وتكاليف الأعلاف.. تحديات قائمة
رغم مكانة الصردي، يواجه مربوه تحديات حقيقية. ويأتي في مقدمتها توالي سنوات الجفاف، وارتفاع تكاليف الأعلاف. وتؤثر هذه العوامل مباشرة على مردودية القطيع وعلى قدرة الكسابة على الاستثمار.
غير أن ارتباط الكساب بسلالته لا يتوقف عند الربح والخسارة. فهو ارتباط وجداني وثقافي أيضا. لذلك يحرص مربو الصردي على الحفاظ على هذا الموروث، رغم صعوبة الظروف.
ونوه المصطفى خليل، المتوج بجائزة أفضل كساب ضمن سلالة الصردي خلال الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، بمجهودات وزارة الفلاحة في العناية بهذه السلالة وتثمينها.
وأكد أن العمل الجاد والمتواصل للكسابة ساهم في ضمان استمرارية السلالة وتطورها. وهذا يبرز عمق العلاقة بين المربين وهذا التراث الفلاحي الأصيل.
وفي المجمل، تشكل سلالة الصردي نموذجا للتكامل بين الموارد الطبيعية، والدعم المؤسسي، والخبرة المحلية. كما تظل رافعة للتنمية الفلاحية، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية التنوع البيولوجي في المغرب.