في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي بفعل الذكاء الاصطناعي والأتمتة. يتجدد النقاش حول مستقبل أنظمة الحماية الاجتماعية وآليات توزيع الثروة.
وفي هذا الإطار، يطرح عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق، مفهوم “الحد الأدنى لدخل الكرامة” كأحد التصورات المطروحة لإعادة التفكير في أسس الحماية الاجتماعية. وذلك في ظل اقتصاد يتجه بشكل متزايد نحو الاعتماد على البيانات والمعرفة بدل العمل البشري التقليدي.
الدخل الشامل وإعادة توزيع الثروة
يستعرض المقال مفهوم “الدخل الشامل”، الذي يقوم على منح كل مواطن دخلاً مستقلاً عن نشاطه المهني أو وضعه المالي.
ويشير إلى أن هذا المفهوم، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كطرح طوباوي، عاد إلى النقاش في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
وتعود جذور هذا التصور إلى نهاية القرن الثامن عشر، مع مفكرين من بينهم توماس باين. كما أن هناك مساهمات لاحقة لاقتصاديين من اتجاهات فكرية مختلفة.
بين الفكر الليبرالي والنقدي
ووفق الطرح، يرى اقتصاديون ليبراليون أن الدخل الشامل يمكن أن يشكل أداة لتبسيط أنظمة الحماية الاجتماعية. وذلك عبر توحيد البرامج الاجتماعية في آلية واحدة أكثر كفاءة.
في المقابل، يعتبر تيار من الفكر النقدي أن تطور الاقتصاد الرقمي يعزز تركّز الثروة في أيدي مالكي رأس المال التكنولوجي. وهذا بدوره يطرح الحاجة إلى آليات جديدة لإعادة التوزيع.
العمل والحماية الاجتماعية
ويؤكد المقال أن النقاش لا يقتصر على الجانب المالي. بل يمتد إلى مكانة العمل داخل المجتمع، باعتباره عنصرًا أساسيًا للاندماج الاجتماعي والاعتراف الفردي.
ويشدد على أن أي مقاربة جديدة يجب ألا تؤدي إلى إقصاء اجتماعي. بل يجب أن تؤدي إلى تعزيز مشاركة الأفراد في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
تجارب دولية
ويتطرق المقال إلى تجارب دولية في كل من فنلندا وكندا وألاسكا والولايات المتحدة والهند. وقد أظهرت هذه التجارب نتائج متفاوتة في مجالات الرفاه الاجتماعي وتقليص الفقر.
غير أن هذه التجارب، بحسب الطرح، تظل محدودة من حيث النطاق الزمني والجغرافي. كما أنها لا تقدم إجابة نهائية حول إمكانية تعميم هذا النموذج على مستوى وطني شامل.
السياق المغربي
وفي السياق المغربي، يربط المقال هذا النقاش بتحديات اقتصادية واجتماعية. ومن بينها بطالة الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، واستمرار القطاع غير المهيكل.
كما يشير إلى أن المغرب يشهد تطورًا تدريجيًا في منظومته الاجتماعية من خلال تعميم التأمين الإجباري عن المرض. كذلك يتم توسيع برامج الدعم الاجتماعي، وإحداث السجل الاجتماعي الموحد.
تحديات مستقبلية
ويخلص الطرح إلى أن أي تصور لمفهوم “الحد الأدنى لدخل الكرامة” يطرح تحديات تتعلق بالتمويل. وهناك أيضًا تحديات في تحديد الفئات المستفيدة، وضبط آليات التنفيذ.
كما يؤكد أن النقاش لا يتعلق فقط بقيمة الدعم المالي، بل بطبيعة النموذج الاجتماعي الذي تسعى المجتمعات إلى بنائه في ظل التحولات التكنولوجية.