الطبيب لا يصنع بالمعرفة وحدها.. ماذا تكشف أطروحة مغربية عن مستقبل التكوين الطبي؟

التكوين الطبي بالمغرب.. ماذا تكشف أطروحة مغربية عن مستقبل التكوين الطبي؟ | إحاطة

اعتبر عبدالسلام الصديقي الكاتب الصحفي والوزير الأسبق، أن النقاش العمومي حول إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، يركز في الغالب على البنيات والتجهيزات وعدد الموارد البشرية.

في المقابل، وفق الصديقي يظل سؤال أكثر عمقاً مطروحاً، ويتعلق بكيفية صناعة الطبيب، والتكوين الطبي بالمغرب.

وقال الصديقي في مقال تحليلي، إن أطروحة الدكتوراه التي ناقشتها الدكتورة ياسمين بوطيب حول موضوع «نمذجة تكوين الهوية المهنية لدى الأطباء الداخليين العاملين في الخطوط الأمامية بمصالح المستعجلات الاستشفائية الجامعية بالمغرب» تفتح هذا النقاش من زاوية مختلفة. إذ تجعل التكوين الطبي بالمغرب يتجاوز حدود التحصيل العلمي نحو بناء شخصية الطبيب وهويته المهنية.

وأكد أن مسار تكوين الطبيب لا يختزل في نقل المعارف العلمية فقط. بل يشمل أيضاً تراكم التجارب الإنسانية، وتحمل المسؤوليات، والتعامل مع الضغوط، والتفاعل مع بيئة العمل.

التكوين الطبي بالمغرب.. بناء الطبيب قبل صناعة الطبيب

أبرز الصديقي أن نتائج الأطروحة كشفت أن جودة التأطير والدعم المؤسساتي والقدرة على مواجهة الضغط، تشكل عناصر حاسمة في تكوين مهنيي الصحة.

وأشار إلى أن مصالح المستعجلات تعد من أكثر الفضاءات الاستشفائية تأثيراً في بناء الطبيب. لأنها تضع الأطباء الداخليين أمام قرارات سريعة، ومسؤوليات متزايدة، وحالات يطبعها عدم اليقين.

وأضاف أن الطبيب الداخلي يعيش مرحلة دقيقة تجمع بين التعلم والممارسة. لهذا السبب، يجعل هذه الفترة لحظة تأسيس فعلية للهوية المهنية.

المستشفى الجامعي ليس فضاء للعلاج فقط

توقف الكاتب عند فكرة وصفها بالمركزية في الأطروحة، ومفادها أن المستشفى الجامعي لا يؤدي وظيفة العلاج والتدريس فقط. بل يساهم أيضاً في بناء الطبيب من الداخل.

وأوضح أن الدراسة أظهرت أن الهوية المهنية لا تتشكل انطلاقاً من القدرات الفردية وحدها. بدلاً من ذلك، تتكون من خلال التفاعل اليومي مع المؤطرين والزملاء والمؤسسة.

واعتبر أن هذه الخلاصة تدعو إلى تجاوز المقاربة التي تربط نجاح الطبيب الشاب بإمكاناته الذاتية فقط.

الإشراف السريري والدعم المؤسساتي.. مفتاح جودة التكوين

أكد الصديقي أن الأطروحة أولت أهمية خاصة للإشراف السريري باعتباره علاقة تربوية قبل أن يكون مجرد تتبع للعمل.

وقال إن وجود أطباء مؤطرين قادرين على نقل الخبرة، وتقديم المواكبة المستمرة يمنح الطبيب الداخلي الثقة والاستقلالية المهنية.

كما شدد على أن الدعم المؤسساتي يلعب دوراً محورياً، في تعزيز شعور الطبيب بالاعتراف والانتماء والاستقرار داخل المؤسسة الصحية.

وأضاف أن إصلاح المنظومة الصحية لا يكتمل دون تحسين شروط التكوين، وظروف اشتغال الأطباء الشباب.

الصمود ليس بديلاً عن الإصلاح

وسلط الكاتب الضوء على جانب آخر تناولته الأطروحة يتعلق بالضغط النفسي والعاطفي داخل مصالح المستعجلات.

وأوضح أن الدراسة اعتبرت الصمود والتكيف مهارتين ضروريتين للطبيب. لكنها رفضت في المقابل أن يتحولا إلى وسيلة لتجاوز اختلالات النظام الصحي.

وأكد أن تطوير القدرات الفردية، يجب أن يسير بالتوازي مع بناء مؤسسات قادرة على توفير بيئة تكوين مستقرة ومحفزة.

إصلاح الصحة يبدأ من بناء الطبيب

وخلص عبدالسلام الصديقي إلى أن الرسالة الأهم التي تحملها الأطروحة تتمثل في أن جودة النظام الصحي لا تقاس فقط بعدد الأطباء أو حجم الاستثمارات.

واعتبر أن الرهان الحقيقي يكمن في تكوين أطباء قادرين على اتخاذ القرار، والعمل الجماعي، والتعامل مع الضغط. كما شدد على أهمية الحفاظ على التزامهم الإنساني.

وأكد أن مستقبل التكوين الطبي بالمغرب يرتبط بقدرة المنظومة، على تكوين أطباء أكفاء ومتوازنين وواثقين من أنفسهم.

وختم بالتأكيد على أن جودة طب الغد تبدأ من الاهتمام اليوم، بمن يتعلمون كيف يداوون الناس.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts