قدم محمد جدري، مدير مرصد العمل الحكومي، قراءة شاملة لتنظيم كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، واضعا الحدث في سياقه الاستراتيجي الأوسع، ومميزا بين النجاح التنظيمي الكبير، والنقائص المرتبطة بطريقة التدبير والتواصل.
أكد جدري، في مداخلة تلفزية على قناة ميدي1 ضمن برنامج «مثير للجدل»، أن تنظيم كأس إفريقيا لم يكن غاية في حد ذاته، بل جزءا من رؤية اقتصادية وتنموية واضحة، تندرج ضمن أفق 2035، والتي تهدف إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام من حوالي 130 مليار دولار سنة 2021 إلى 260 مليار دولار.
واعتبر أن التظاهرات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها كأس إفريقيا وكأس العالم، ليست سوى محفزات ومسرعات لتحقيق هذه الرؤية، عبر إبراز البنية التحتية المتطورة التي يتوفر عليها المغرب، من قطار فائق السرعة، ومطارات حديثة، وشبكات نقل وفنادق بمعايير دولية.
وسجّل المتحدث أن النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا تعد، بشهادة المتابعين، الأفضل في تاريخ المسابقة على الإطلاق، بل أقرب إلى «مونديال مصغر» من حيث التنظيم، والانسيابية، وجودة الخدمات.
وأبرز أن شهرا كاملا من المنافسات مرّ دون تسجيل حوادث تذكر، سواء على مستوى النقل، أو الإقامة، أو التغذية، أو سلامة الجماهير، وهو ما يعكس نضج التجربة التنظيمية المغربية وتراكم خبرتها في احتضان التظاهرات الكبرى.
وفي هذا السياق، ذكّر جدري بأن هذا النجاح لم يأت بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة مسار طويل بدأ بتنظيم كأس العالم للأندية سنة 2013، مرورا بكأس إفريقيا للسيدات، واحتضان أحداث كبرى للفيفا والاتحاد الإفريقي، وصولا إلى هذه النسخة الاستثنائية.
وأشار إلى أن المغرب أوفى بجميع التزاماته، من تشييد وتسليم تسعة ملاعب وفق المعايير الدولية، إلى إنجاز ملاعب إضافية في الرباط في آجال قياسية، وصولا إلى نقل تلفزيوني عالمي أشرف عليه مخرج نهائي كأس العالم بقطر.
غير أن جدري، ورغم إشادته بالنجاح العام، لم يخف وجود اختلالات في المقاربة المصاحبة للحدث، خاصة في ما يتعلق بتدبير التذاكر، وتنظيم ولوج الجماهير، وغياب وضوح في بعض الجوانب المرتبطة بتوزيع المشجعين داخل الملاعب.
كما انتقد ما وصفه بـ«السذاجة» في التعاطي مع بعض الإشاعات والحملات المعادية، معتبرا أن المغرب، بحكم موقعه الإقليمي وطموحاته، لا يمكنه أن يتوقع إجماعا أو تصفيقا دائما، بل يجب أن يستعد لحرب إعلامية ممنهجة.
وفي تحليله للسياق الإقليمي، أشار جدري إلى أن المنافسة على تنظيم كأس إفريقيا، خاصة مع الجزائر التي انسحبت في آخر لحظة، كانت مقدمة لحملات لاحقة، متوقعا استمرار محاولات التشويش عبر تقارير حقوقية أو إعلامية، على غرار ما عاشته دول أخرى استضافت تظاهرات عالمية كبرى، وعلى رأسها قطر خلال كأس العالم.
وتوقف المتحدث عند العلاقة مع السنغال، مؤكدا أنها علاقة تاريخية متجذرة، قائمة على الروابط الدينية والإنسانية، ومشدّدا على أن ما حدث من توتر يبقى لحظة انفعالية عابرة، لا ينبغي تضخيمها.
لكنه، في المقابل، دعا إلى مراجعة طريقة تدبير مثل هذه اللحظات، بما يحفظ صورة المغرب ويمنع الانزلاق نحو توترات غير محسوبة.
وختم محمد جدري مداخلته بالتأكيد على أن المغرب ربح الرهان التنظيمي بامتياز، لكنه مطالب، في الاستحقاقات المقبلة، بتطوير مقاربته في التواصل، وإدارة الجماهير، واستباق الحملات المعادية، حتى يوازي نجاح البنية التحتية والتنظيم، نضجا مماثلا في التدبير الرمزي والإعلامي للأحداث الكبرى.